كلما خرجت السينما العربية عموماً والمصرية خصوصاً، من مأزق، دخلت إلى مأزق آخر، فبعد موجات أفلام »المقاولات« التي تعممت في الساحة المصرية منذ عقدين من الزمن انطلقت منذ سنوات موجة جديدة، تسمي حالها »كوميدية«، في توصيف يسمى لتحقيق هدف يصير بالنتيجة »تسمية« تنتزع فحواها بسذاجة تقريرية أصحابها.

فالتسطيح والاستخفاف بمدارك الجمهور، سمة رئيسية في هذه »الكوميدية«، الغير مفهومة إلى حد التكرار والابتذال. مما يتطلب مراجعة نقدية حقيقية لهذه الموجة التي يقودها مجموعة من الشباب الجدد، الذين يعبرون عن خواء وفراغ يتماثل مع الواقع السياسي والثقافي في العالم العربي، وأحياناً يكون أسوأ من هذا، فينثر ما يدعيه فناً، على أساس أن التسطح هو العمق الوحيد الذي نمتلكه ونستطيعه.

من هذه الأفلام التي تعرض في الصالات المحلية فيلم »بوحه«، إخراج رامي إمام وبطولة محمد سعد، وتأليف نادر صلاح، الذين تواطأوا معاً لتقديم مهزلة عجيبة، في كل مستوياتها الفنية. وتحت سقف الادعاء أن هذا العمل يقدم شخصية موجودة في الشارع المصري، وهو يعمل عليها لاستنطاقها.

يبدأ الفيلم بتعريف المشاهد على شخصية بطل القصة »القروي« بوحه الذي يحاول الدفاع عن أصدقائه، فيتعرض للضرب على أيدي أولاد إسماعيل من العائلات »البلطجية«، ومن ثم يموت والده فيترك له إرثاً مع أحد الجزارين، مما يضطره إلى الذهاب إلى المدينة لتحصيل هذا الدين، وهناك تقع المفارقات فيلتقي بعائلة تعيش بالقرب من مذابح الأغنام والأبقار، فيدافع عن الأم »لبلبة« وابنتها »مي عز الدين«، في مواجهة »زعيم« محلي يريد تزويج ابنه من ابنة هذه العائلة، حتى يستطيع الحصول على بقعة أرض تكمل امتلاكه لأرض كبيرة تقع عليها المذابح.

القصة عادية ومكررة، وتم معالجتها اخراجياً بأسلوب التضخيم الكاريكاتوري، وفي اجترار دائم من أفلام أخرى. اعتقد المخرج إمام أنه يؤلفها، ففي حسبانه أن المشاهدين، لا يتمتعون بأي مستوى من الوعي النقدي، أو الفني أو سواه. فالمهم تمرير الفيلم بالاضحاك مع دعاية منظمة تخوضها الفضائيات العربية، وفيها تمتلئ الجيوب، وبعدها غير مهم. فلا خجل ولا وجل، ولا اخراج أو سينما أو من يحزنون على أوضاعنا المهترئة في السياسة والثقافة والفن. فالتخلف ينسحب على كل مستويات المجتمع. فإن أصاب قطاعاً لابد له أن يصيب قطاعات أخرى.

والممثل محمد سعد مقتنع بأنه يقدم للسينما تحفة فنية مملوءة ثقافة ولا شيء سواها. بدل أن يعترف أنه يتاجرفي مساحات الفن والابداع. وهو يستمر على تقديم شخصية واحدة، في كل أفلامه، ويعتبرها شخصيات. كيف؟ لا أحد يعلم، فما هو الفرق بين شخصياته في »اللمبي« و»عوكل« و »بوحه« و»اطاطا«؟ طبعاً يستطيع سعد أن يشرح على هواه بأنه عمل على شخصية كل على حدة وباستقلال عن الاخرى. وهذا غير صحيح، لان ما يفعله يقع في اداء مصطنع على تماس مع فن الرسم الكاريكاتوري القائم على التضخيم، إضافة إلى وقوع سعد في تكرار يدفع إلى الشك بموهبته أصلاً.

»بوحه« يظهر مدى تعاستنا في العالم العربي. فإن نظرنا إلى حالنا في الاجتماع والسياسة والثقافة وجدنا في الفن السينمائي حالة متراجعة وسط أحوال مشابهة في كل المجالات.

حسين قطايا