أصبح الـ »مقاولون المفلسون وعمالهم الغاضبون« نتيجة تأخر صرف أجورهم »كدمة« تشوه وجه سوق العمل الإماراتي. لكن تلك »الكدمة« سرعان ما تحولت الى »ورم« قفز على واجهة الاحداث فلم تستطع حتى آلاف الرافعات إخفاءه.
وبات صراخ أولئك العمال وأنين الشركات المفلسة قويا يعلو على صوت ضجيج آلاف الآليات الثقيلة، مما دفع بالحكومة الى التدخل لإسدال الستارة بإعادة حقوق العمال والتلويح بـ »الضرب بيد من حديد« على رؤوس المقاولين المخالفين، فكلفت دبي قوات الأمن مهمة حسم النزاع وتجنيد خط هاتفي ساخن على مدار اليوم يصل »المظلوم« مباشرة مع »العدالة«.
وشهدت الأشهر العشرة الأخيرة من العام الجاري تأخر صرف رواتب أكثر من 2000 عامل لفترات تجاوزت مابين 3 الى 10 أشهر. وتعمل مجموعة أسباب على تثوير »المظاهرات العمالية الغاضبة« فالطفرة العمرانية التي تشهدها الدولة أمطرت أرباحاً كبيرة وغير مسبوقة على العاملين في صناعة المقاولات مما دفع ببعض شركات المقاولات ـــ مدفوعة بالطمع ـــ الى »التورط« في تنفيذ مشاريع عمرانية تحتاج الى امكانات إدارية ومالية وفنية لا تمتلكها،
فتتوسع دائرة الاعباء المالية لتكسر »ظهور« تلك الشركات بقروض بنكية بفوائد ضخمة وديون كبيرة تقيدها الى درجة استحالة الايفاء بالتزاماتها إزاء العمال. ويعاني قطاع الانشاءات المحلي من غياب تصنيف لشركات المقاولات مما جعل الباب مفتوحاً أمام أي مقاول لتنفيذ المشاريع بصرف النظر عن مؤهلاته وامكاناته ومقدرته على التنفيذ.
ويرى المقاول نفسه مضطراً الى تأخير صرف الأجور عندما يتأخر هو الآخر في تسلم مستحقاته فكثير من أصحاب المشاريع لا يدفعون مستحقات المقاول بالرغم من انجازه للمشروع.
ويستغل المقاول المخالف »تكاسل« الدوائر المعنية في حبسه أو تغريمه طبقاً للقانون الإماراتي (الذي يكفل في قرابة 200 مادة حقوق العامل)، ليمضي قدماً في تأخير مستحقات العمال مستغلا ضعفهم وامكانية الضحك على ذقونهم و»تخديرهم« بالوعود لشهور طويلة.
أطراف المسؤولية
جمعية المقاولين وعلى لسان رئيس مجلس إدارتها الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين بالدولة قال في وقت سابق لـ »البيان« إن مشكلات رواتب وأجور العمال جزء من الدورة الاقتصادية في السوق ولا يمكن أن يتحمل المسؤولية عنها المقاول وحده لأن العملية يشارك فيها أطراف عدة، والمقاول عليه التزامات تجاه أطراف عدة منها العمال بالدرجة الأولى والمورد ومقاول الباطن المرتبط بدوره بالمقاول الرئيسي بالتالي فالمسؤوليات متشابكة.
وأوضح »ان المقاول إذا لم يحصل على مستحقاته في الوقت المناسب فسوف تتضرر باقي الأطراف ومنها العمال الذين ستتأخر مستحقاتهم« وطالب »بضرورة التزام الأطراف كافة، لحل مشكلة الرواتب التي هي جزء من الدورة الكاملة في السوق وبخاصة من الاستشاري« وأكد »هناك حالات عدة ينتهي فيها المقاول من المشروع ولا يحصل على حقوقه إلا بعد عام وعامين«.
ويرى بالحصا »أن المقاول قد يتحمل جزءاً من المسؤولية عن مشكلة رواتب العمال لكن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق نظام البناء والتشييد في الدولة وعدم وجود قانون ينظم العلاقة بين جميع الأطراف وتحديد المسؤوليات والعقوبات«.
مقترح
وغالباً ما يجري تأخير في صرف اجور العمال في المدن الإماراتية التي تشهد نشاطاً عمرانياً، وتواجه الدوائر المعنية فيها تحديات مستمرة بسبب تداعيات تلك المشكلة.
وترى غرفة تجارة وصناعة أبوظبي ان »المشكلة باتت تلقي بظلال قاتمة وترسم أبعاداً تسيء إلى سمعة الدولة التي أصبحت وبشهادة عالمية واحدة من أهم المراكز التجارية والاستثمارية في منطقة الخليج والشرق الأوسط« وتتناول بعض وكالات الأنباء والصحف الأجنبية هذه المشكلة ولتجمعات العمال المطالبين بحقوقهم بتغطيات سلبية لا تركز على توفير سوق العمل المحلي فرصاً جيدة لتحسين الأوضاع الاقتصادية لاولئك العمال.
وتقترح الغرفة »إلزام الشركات بتوفير ضمان بنكي برواتب العمال الذين يعملون لدى هذه الشركات لمدة شهرين على الأقل ويتم الخصم من هذا الضمان في حال عدم الالتزام بتسديد الرواتب«.
كما تقترح »اتخاذ إجراءات بحق الشركات غير الملتزمة بدفع رواتب عمالها من بينها منعها من الدخول في مناقصات حكومية أو غير حكومية وعدم إصدار تأشيرات لها لفترة زمنية قد تصل إلى 6 أشهر مع إمكانية عدم تجديد الترخيص الممنوح للشركات المستمرة في عدم التزامها«.وتعتقد الغرفة »أن تعثر هذه الشركات أو مواجهتها لمشكلات مالية لا يجب أن يعفيها من دفع الرواتب بانتظام«.
تكاسل
يمنح »تكاسل« الجهات المعنية عن تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العمل والقرارات الأخرى المنفذة له ضد الشركات المخالفة، يمنح المقاول المخالف جرعة اوكسجين قوية تدفعه الى »استسهال« المضي في تأخير صرف أجور العمال لأسباب ليست قاهرة. وأدى »السكوت« لفترة طويلة عن تجاوزات المخالفين الى اندفاع مئات العمال للتظاهر في الشوارع طلباً للنجدة،
وهو ما تلقفته احدى وسائل الإعلام الأجنبية الصفراء لتسويق عنوان يحمل من الكذب ما لا يحمله من الصدق عندما قالت بأن »جنة الخليج تتحول إلى جهنم في الإمارات«. فاستفادت من تمادي العديد من المقاولين في مخالفتهم فيما يتعلق بتأخرهم عن سداد أجور ورواتب العمال.
ويقول أحد المسؤولين في وزارة العمل »ما كان الحال ليصل الى ما وصل اليه لو إننا طبقنا القانون« ويشير الى ان »القرار 851 لسنة 2001 يقضي بوقف التعاقد مع المنشآت المخالفة الى جانب انه يتضمن عقوبات رادعة ضد المنشآت المخالفة«.
وينص قانون العمل على عقوبة أخرى لصاحب المنشأة الذي لم يسدِّد أجور العاملين فيها أو الشخص المسؤول عنها وهي الحبس لمدة 6 أشهر والغرامة المالية التي تتراوح بين 3 إلى 10 آلاف درهم، أو إحدى العقوبتين، ولكن لم تُنفذ هذه العقوبات في كثير من حالات عدم التوقف عن سداد الرواتب.
وواجهت وزارة العمل في وقت سابق من هذا العام انتقادات حادة من 1300 عامل يعملون في إحدى شركات المقاولات الكبرى في الدولة، واتهموها باضاعة حقوقهم عقب امتناع المقاول عن سداد رواتبهم لمدة تزيد على 13 شهراً، ما أدى الى سوء أحوالهم المعيشية.
وسرعان ما ردت الوزارة بإيقاف التعامل الكلي مع المنشأة وفقاً لقرار حماية الأجور، وأحالت الشكوى إلى الإدارة المختصة على ان يتم إحالتها إلى الجهات القضائية إذا لم تستجب المنشأة للحل الودي وتدفع رواتب العمال المتأخرة.
دعم لا محدود
الشريعة السمحاء والقانون الإماراتي كلاهما يحميان حقوق العمال مثلما يحميان حقوق صاحب العمل. وتهتم المحاكم في الدولة بالدعاوى العمالية، فتقرب المواعيد بين الجلسات، وتعفي العمال من تسديد رسوم الدعاوى. ويكفل قانون العمل الإماراتي في نحو 200 مادة حقوق العامل.
ويحمي القانون العامل الى درجة انه وسواء كان على رأس عمله أو خارج العمل، فعليه خلال سنة من تاريخ تركه العمل أن يتقدم بشكوى إلى وزارة العمل يبين فيها حقوقه ومطالبه وتستدعي دائرة العمل المختصة طرفي النزاع،
وتتخذ ما تراه مناسباً ولازماً لتسوية النزاع بينهما ودياً، وإذا لم تتم التسوية الودية، تقوم دائرة العمل خلال أسبوع من تاريخ تقديم الطلب بإحالة النزاع إلى المحكمة المختصة وتكون الإحالة مصحوبة بمذكرة تتضمن ملخصاً للنزاع وحجج الطرفين وملاحظات الدائرة.
ويحمي الدين الإسلامي حقوق طرفي العمل بقوة فالنبي صلى الله عليه وسلم شدد على اعطاء الأجير حقه كاملاً بعد أن ينتهي من عمله، وقال »أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه«.
وفي حديث آخر: »قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يعطه أجره«. وفي الحديث دلالة على شدة جرم من ذكرهم الحديث وأنه تعالى يخاصمهم يوم القيامة نيابة عمن ظلموه.
تخبط وتخطيط
تحشر بعض الشركات نفسها في مواضع لا تحسد عليها نتيجة إهمالها التخطيط الاستراتيجي والقائها عنصر الإدارة خلف ظهرها وكأن الأمور تجري خارج نطاق الحسابات والاستحقاقات فتنسى تلك الشركات سواء أكانت شركات كبيرة أم صغيرة ان تحتفظ بسيولة كافية واحتياطات مالية
لكي تغطي الحاجات المهمة لدفع الرواتب وعدم تأخيرها حتى يتمكن العمال من العمل والإنتاج في ظل أجواء مناسبة ومواتية الأمر الذي ينعكس بصورة ايجابية على المنشآت نفسها وبالتالي يجب ان تضع في قمة أولوياتها سداد الأجور والرواتب في مواعيدها.
لكن بعض الشركات غالباً ما تستسهل خداع عمالها و»تخديرهم« بالوعود عندما تتأخر عن مواعيد تسليم الأجور لهم مستفيدة من عدم تطبيق العقوبات المنصوص عليها قانوناً فيما لو امتنعوا لأي سبب عن تسديد أجور عمالهم، ويفوت تلك الشركات ان في تراكم الرواتب شهراً بعد الآخر سيقود لاحقاً إلى عجزها عن السداد والعكس صحيح أي انها لو قامت بالسداد فلن تكون هناك مشكلة ولن تتراكم الأعباء المالية عليها،
مشيراً إلى ان هناك بعض الشركات تلجأ في بعض الأحيان إلى حجز راتب شهر أو شهرين تحسباً لمنع هروب العمال فجأة وهناك العديد من شركات المقاولات اشتكت مما وصفته بـ »سرقة عمالها منها من قبل شركات أخرى«، بينما تنفي شركات اخرى قيام العامل بالهرب،
لكن هذا لم يحدث لأن العمال جاؤوا إلى الدولة من اجل العمل وبالتالي فإن حصولهم على الراتب شهريا وبانتظام يوطد من علاقتهم وإخلاصهم للشركة ولصاحب العمل لأنه يعرف انه كلما عمل سيحصل على المقابل.
80% يؤيدون حبس وتغريم المقاول المخالف
أجرت »البيان« استفتاء شمل شركات مقاولات محلية في أبوظبي ودبي والشارقة، وتضمن الاستفتاء ثلاثة أسئلة، كان أولها على شكل مقترح يقول »هل تؤيد الزام المقاول بإيداع إجمالي رواتب العمال لكل مشروع قبل البدء به؟
« وأجاب 70% منهم بـ »لا« فمن وجهة نظرهم ان المشكلة الرئيسية التي يعاني منها المقاول هي العجز المستمر في السيولة المالية التي عادة ما يحتاجها للايفاء بالتزاماته المتعددة، ومنها تسديد فواتير مواد البناء وأعمال مقاولي الباطن وغير ذلك.
لكن 30% اجابوا على المقترح بـ »نعم« وكانت وجهة نظرهم تقوم على أساس ان حمل المقاول على ايداع اجمالي الرواتب الشهرية لعماله قبل الشروع بتنفيذ المشروع الذي تعاقد عليه يضمن عدم هدر حقوق العمال من قبل المقاول، على ان تتم هذه العملية بإشراف وزارة العمل.
وحول آراء عينة المقاولين الذين شملهم الاستفتاء حول »عقوبة الحبس والغرامة بحق المقاول المتسبب بتأخير صرف الرواتب« فقد أيد 80% منهم وقالوا إنها منصفة ورادعة في حال تطبيقها. بينما رفض 20% وشددوا على ان العقوبة جاءت لتعاقب المقاول فقط دون ان تكون هناك مساءلة أو بحث عن الأسباب التي دفعت بالمقاول الى المخالفة، لذا فقد رأوا ان العقوبة غير عادلة وغير منصفة.
وحول الأسباب والدوافع التي تجعل المقاول مخالفاً في نظر القانون بسبب تأخره في دفع رواتب عماله ما يتسبب بتظاهر هؤلاء والاضراب عن العمل وما يجره ذلك من تداعيات لا تخدم سوق العمل ولا سمعته فقد رأى 75 % ممن شملهم الاستفتاء ان الأسباب ناجمة عن سوء وإهمال وفوضى في إدارة شركة المقاولات.
أو تورطها بمشاريع أكبر من حجمها بدافع الطمع وجني أرباح كبيرة في طفرة عمرانية ليس مقدراً لها ان تستمر لعشرات السنين لذا فإن الطفرة الحالية تمثل فرصة ذهبية لكل الشركات لتحقق نمواً هائلاً شرط ان تتعامل معها بذكاء.
فيما رأى 25% منهم بأن الأسباب التي تجبر المقاول عن دفع أجور عماله تأتي على خلفية عجز مالي ناجم في كثير من الأحيان عن تأخر صرف مستحقات المقاول، الذي عادة ما ينتهي من تنفيذ المشروع أو أحد مراحله لكنه يبقى لفترة طويلة قد تمتد في بعض الأحيان لأشهر في انتظار صرف مستحقاته. وتساءل هؤلاء »لماذا لا يدفع المقاول اذا كان لديه ما يكفي من السيولة؟ المقاول لا يظلم عماله لأنهم سبب نجاحه وسبب ديمومته في السوق«.
كما تضمن الاستقتاء سؤالاً مفاده »هل تؤيد قيام العمال بالتظاهر احتجاجاً على تأخر صرف رواتبهم؟ »فأجاب 90% بـ »نعم« وقالوا بأنه قبل كل شيء حق يضمنه الدستور ويصونه القانون الإماراتي ويضمن لاحقاً لفت الانتباه الحكومي الى مخالفة من يعتقدون ان بإمكانهم الافلات بمخالفتهم. لكن 10% أجابوا بـ »لا« وقاولوا توقف العمال عن العمل والتظاهر سيضر بجميع الأطراف، من مالك المشروع ومقاول بل حتى العمال أنفسهم من وجهة نظرهم.
هل تؤيد الزام المقاول بإيداع إجمالي رواتب العمال لكل مشروع قبل البدء به؟
70% أجابوا بـ »لا« لأن شركة المقاولات بحاجة ماسة للسيولة المالية.
30% أجابوا بـ »نعم« فذلك يضمن عدم هدر حقوق العمال من قبل المقاول.
ما رأيك بعقوبة الحبس والغرامة بحق المقاول المتسبب بتأخير صرف الرواتب؟
80% أيدوا وقالوا انها منصفة ورادعة في حال تطبيقها.
20% رفضوا وقالوا ان العقوبة غير عادلة وغير منصفة.
لماذا يتأخر المقاول عن دفع أجور العمال؟
75% يعتقدون إنها ناجمة عن سوء وإهمال وفوضى في إدارة شركة المقاولات.
25% يرون بأنها نتيجة لعجز مالي ناجم عن تأخر صرف مستحقات المقاول.
هل تؤيد قيام العمال بالتظاهر احتجاجاً على تأخر صرف رواتبهم ؟
90% أجابوا بـ »نعم« لأنه حق يكفله القانون ويضمن مساءلة المخالف.
10% أجابوا بـ »لا« لأن الإضراب والتظاهر سيضران بجميع الأطراف.
كتب مشرق علي حيدر
