شهد منتصف سبعينات القرن الماضي؛ ظهور أول جهاز فيديو في العالم على يد خبراء شركة »JVC« العالمية، ولعل من عاش تلك الفترة يتذكر ذاك الجهاز الضخم الذي يتبع شريط الفيديو من الأعلى، ثم دخلت شركة »ديكسون« البريطانية مجال منافسة إنتاج أجهزة الفيديو لتعرض أول أجهزتها عام 1978م بمبلغ 800 جنيه استرليني، لتعقبها شركة »سوني« اليابانية وشركات الإلكترونية الأخرى.
وأضحى الفيديو، واحداً من مظاهر الحياة العصرية، التي تتباهى بها منازل المترفين في جميع أنحاء العالم تلك الأيام، وأصبح جهاز الفيديو هوساً وحلماً جميلاً يراود عشاق الفنون بمختلف أنواعها، واستمر هوس الشراء لدى الناس؛ حتى وصلت مبيعات أجهزة الفيديو في العالم إلى 200 مليون جهاز عام 1990م، ليبدأ بعدها بالتراجع في منتصف التسعينات بعد ظهور نظام »DVD« الفائق الجودة، وانتشار الساتالايت والفضائيات التي شغلت الناس وجعلتهم أكثر التصاقاً بالبيوت.
كانت مقدمة الموضوع »حكاية مختصرة« لتاريخ ظهور أجهزة الفيديو وتطور تقنيات الصورة في العالم، ولا نسعى من خلال جولتنا في تاريخ ظهور الفيديو إلى إجراء تقرير اقتصادي، أو بحث اجتماعي يدور في نفس الأفق، بل ما نحاول استطلاعه من خلال جولة »البيان« في محلات بيع وتأجير الفيديو والـ»دي في دي«، هو التعرف على المدى الذي وصل إليه تأثير انتشار الفضائيات ووسائل المتعة والمعلومات الأخرى كالإنترنت وغيرها.
وما هي طبيعة الأفلام التي يسعى المشاهد في الدولة لاقتنائها ومشاهدتها، وهل أعلنت الفضائيات والإنترنت ووسائل المعرفة والتسلية الأخرى »موت الفيديو« أم أن الأمر مبالغ فيه قليلاً، بل أن دولة مثل السعودية التي ليس فيها صالة سينما واحدة!! تعتبر المستهلك الأكبر لشراء وتأجير أشرطة الفيديو في المنطقة، وللتعرف على سوق الفيديو في أبو ظبي والاقتراب من أرقام هذا المجال، ورغبات واتجاهات المشاهدين، قمنا بجولة ضمن محلات التأجير والبيع.
يُقر عاطف الرشيدي أحد موظفي »فيديو المستقبل الوطني« في أبو ظبي بتأثر مجال بيع وتأجير أشرطة الفيديو؛ بثورة الفضائيات والإنترنت بصورة واضحة، فبعد أن عمل في هذا المجال لأكثر من عقد من الزمن؛ شاهد فيها وفرة البيع والتأجير، يرى أن النسبة قد انخفضت إلى ما يقارب 50% من حجم المبيعات لفترة منتصف التسعينات، ورغم ذلك فإنه يرى بأن سوق الفيديو سيبقى إلى أجل غير مسمى.
أما رغبات زبائن سوق الفيديو فيصنفها الرشيدي بقوله: تأتي بالمرتبة الأولى أفلام الرعب التي تحقق أعلى معدلات البيع والتأجير بالنسبة للأفلام الأجنبية، ثم »الأكشن« والكوميديا والأفلام الرومانسية والتاريخية، ويأتي في المرتبة الأولى في الطلب على أفلامه ضمن صنف »الأكشن« النجم العالمي توم كروز يليه فان ديزل وبروس والاس.
أما في مجال الأفلام الكوميدية الأجنبية فإن جيم كيري وويل سميث ومارتن لورانس يتصدرون هذه القائمة، وبالنسبة للأفلام العربية فإن الكوميدي هو الطاغي على نسبة البيع والتأجير، ويتصدر القائمة »اللمبي« محمد سعد، مع حفاظ »الزعيم« عادل إمام على مكانته يليه محمد هنيدي.
حين نستعرض قائمة الأفلام العربية ــــ الإنتاج الحديث ـــ في أي محل فيديو نجد أن معظمها إن لم تكن كلها ذات صبغة كوميدية، ويعزو أحمد عبد الستار أحد هواة شراء أشرطة الفيديو والـ»دي في دي«، ذلك إلى أجواء الإحباط والكبت السياسي الذي تمر به المنطقة العربية.
وأضاف: حين نراجع تاريخ السينما العربية نجد أنها كانت متنوعة جداً في السابق بين الفيلم الغنائي والكوميديا العفوية والرومانسية الجميلة وغير ذلك، أما اليوم فنرى أن أغلب الإنتاج يتجه نحو الكوميديا السطحية والتهريج الذي يصوّر حالة الغيبوبة، التي تعيشها الأمة والتي أشبهها بحالة »تسطيل« مزمنة تشبه إلى حد بعيد أجواء أفلامنا.
نعود إلى نسب بيع وتأجير الفيديو في أبو ظبي، حيث نجد أن نسبة الإيجار تشكل حوالي 65% من دخل المحلات المختصة بين تذهب النسبة الباقية إلى البيع، ويرى البعض أن سبب تخلف نسب البيع، يعود إلى تأخر بعض الأفلام لمدة طويلة حتى تنزل إلى سوق الفيديو، بسبب قضايا حقوق الطبع وغير ذلك.
وتختلف محلات الفيديو فيما بينها بالنسبة لجذب الزبائن للاشتراك، فبعضها يعير ما بين 30 ـــ40 فيلم فيديو بقيمة اشتراك تصل إلى 100 درهم فقط، بينما يعتمد الجزء الآخر من هذه المحلات على نظام التأجير الشهري الذي يدفع مقابله الزبون مبلغاً بسيطاً من المال لا يكون مقيداً فيه بعدد معين من الأفلام بل بالوقت، حيث يحق له تأجير عشرات الأفلام خلال مدة مقدارها شهر واحد.
ربما نكون أخّرنا قليلاً الحديث عن جزء كبير من تصنيفات أفلام الفيديو المطلوبة بشدة في الإمارات لأننا أردنا الحديث عنها بتوسّع، وهي الأفلام الهندية التي تبلغ نسبة 50% من بيع وتأجير الفيديو على مستوى الدولة حسبما يرى العديد من أصحاب محلات الفيديو الذين اتصلنا بهم.
يقول عاطف الرشيدي: لقد كانت الأفلام الهندية الكلاسيكية تقوم على قصة ذات بعد وحبكة واحدة تكاد تكون متشابهة، وهي قصص حب مأساوية تتقاطع فيها رموز الخير والشر بسذاجة أحياناً، أما الأفلام الهندية الحديثة فهي تتناول القضايا الاجتماعية والإنسانية المعاصرة بجرأة كبيرة، وتكاد تقنياتها الفنية من حيث الصوت والصورة تتفوق على الأفلام الأميركية، وبسبب الوجود الكبير للجالية الهندية في الإمارات فإن النسبة الأكبر من بيع وتأجير الأفلام الهندية تتصدرها هذه الجالية، يأتي بعدها الزبون الإماراتي بالدرجة الثانية ثم الجاليات العربية المختلفة؛ وأشير إلى الجالية المصرية التي تعشق الأفلام الهندية القديمة.
أما أهم النجوم الهنود الذين يسأل الزبائن عن أفلامهم فهم: شاروك خان، وأمير خان والنجمتان برينكا شوبرا وكارينا، أما نجوم الأمس مثل: أميتاب وراجو كابور وأمجد خان فإن أغلب من يشتري أو يؤجر أفلامهم فهم من كبار السن، وتتجاوز هذه الأفلام نسبة 50% من حجم سوق الفيديو في الإمارات، تأتي بعدها الأفلام الأجنبية بنسبة 40%، أما الأفلام العربية فهي تصل بالكاد إلى نسبة 10% فقط.
لعل دولة الإمارات تأتي بالدرجة الأولى ضمن دول منطقة الشرق الأوسط التي تهتم بقضايا حقوق الطبع والتوزيع، وتتخذ الأجهزة المختصة إجراءات غاية في الشدة بشأن المخالفين لقوانين الحقوق، وتقوم دائرة الرقابة بحذف العديد من المشاهد المثيرة التي تحفل بها الأفلام الأجنبية، ومع ذلك فإن العديد من الزبائن ـــ ولا يقتصر الأمر على فئة الذكور ـــ يستفسرون عن وجود أفلام مثيرة بقصد الشراء في بعض المحلات، ويجيبهم البائع بالنفي. ولكن هذا الزبون يجد مبتغاه قريباً من محل الفيديو، حيث يقف ـــ أو تقف ـــ أحد تجار الشنطة الآسيويين الذين يبيعون أفلام »دي في دي« منسوخة تجاوزاً لا على قانون حقوق الطبع والتوزيع فقط، بل على أخلاق المجتمع والتربية.
أبوظبي ـــ محمد الأنصاري:


