تشوب مسلسلات السير الذاتية العديد من المشكلات التي تصل أحيانا إلى أروقة المحاكم، حتى صار يعتقد البعض أن ظهور هذه النوعية من الأعمال على الشاشة، هو مغامرة يحسب لها المنتجون ألف حساب، فكم من مسلسلات توقفت وبقيت مشاريع غير مكتملة، وكم من نصوص لا تزال حبيسة الأدراج بسبب عدم توافق الورثة مع طموحات الكاتب، واستحالة التقاء مصالح المنتجين مع أهواء أصحاب الحقوق »الحصرية« في التصرف بسير المشاهير من ذويهم وأقربائهم.
وفي حين أن كثيرا من المنتجين توجهوا إلى شخصيات تاريخية تغوص في القدم وأصبحت سيرها ملكا للعموم، فإن البعض منهم يصر على طرح أعمال تتحدث عن شخصيات معاصرة ولو لم ينالوا رضا كل الأطراف التي تحيط بها وبتاريخها الحديث.
وضربت السينما المصرية في السنوات الماضية عميقا في جذور السير الذاتية التي يعتبر من أبرزها قصة الزعيمين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات اللتين أداهما الراحل أيضا احمد زكي ولم يواجها اعتراضات تذكر.
أما في الدراما التلفزيونية فالوضع مختلف، إذ طرحت الدراما المصرية فيما مضى مسلسل »أم كلثوم«، ولقي المسلسل الذي كتبه محفوظ عبد الرحمن وأخرجته إنعام محمد علي صدى جماهيرياً كبيراً بعد أن أبدعت المعتزلة صابرين في أداء دور كوكب الشرق، وطغى نجاح العمل على أي تحفظات من الورثة.
لكن الحال كانت مختلفة في مسلسل »الرومانسية« الذي يروي قصة حياة الأديب يوسف السباعي، حيث وقعت خلافات بين أسرة السباعي والمؤلفة أميرة أبو الفتوح التي وضعت السيناريو للمسلسل، مستندة إلى وقائع حياة الأديب وبقليل من الفانتازيا التي تؤجج الدراما، ولكن يبدو أن هذا الجانب الفانتازي والمتخيّل وإن كان يشكل جزءاً بسيطاً من المسلسل إلاّ أن عائلة السباعي رفضته كلياً.
لكن اللقاء جرى بين الطرفين منذ البداية وأبدت المؤلفة تعاطفاً كبيراً مع رغباتهم بالإبقاء على صورة أديبهم كما هي وتمّ تعديل في السيناريو أكثر من مرة إلى أن أصبح جاهزاً للتنفيذ.
وفي رمضان الأخير هناك عملان يتناولان السيرة الذاتية لشخصيتين تاريخيتين، الأول هو المسلسل السوري نزار قباني عن حياة هذا الشاعر الشهير، والآخر هو المسلسل المصري »المرسى والبحار«، والذي يتعرض لحياة أحد أحفاد الزعيم المصري الراحل محمد كريم بطل المقاومة ضد الحملة الفرنسية.
وربما اختلفت طبيعة المسلسلين في رواية السيرة الذاتية للشخصيتين، فالمسلسل المصري يتناول خطين دراميين، الأول يستعرض قصة كفاح بطل المسلسل العربي يحيى الفخراني، الذي يمتلك أسطولاً من مراكب الصيد في الإسكندرية بعد رحلة كفاح كبيرة، ولكنه يتعرض لأزمات مالية متكررة بسبب فشله في تزويد المراكب بالتكنولوجيا الحديثة التي أصبحت من ضروريات الصيد.
وتلاحق (العربي) الديون المالية ويفقد الكثير من أعماله في ميناء الإسكندرية، في الوقت الذي يقرر ابنه الوحيد (فارس) السفر إلى أوروبا وتحقيق حلمه في العيش هناك.
والخط الدرامي الثاني، يتضمن أحلام (فارس) الذي يجسد شخصيته أيضا الفنان يحيى الفخراني في السفر إلى أوروبا، ورفضه فكرة ارتباطه بابنة خاله سميحة (سلوى خطاب)التي ترتبط به عاطفيا منذ أن انتقلت للعيش مع أسرته بعد وفاة والدها، ثم عدوله عن فكرة السفر أمام انكسار والده مادياً، وتحمل المسؤولية، وإصراره على تطوير أسطول الصيد وسداد ديون والده.
ورغم نجاح »المرسى والبحار« من الناحية الجماهيرية، إلا أن هذا النجاح لم يمنع أحفاد الزعيم المصري الراحل محمد كريم من رفع دعوى للمطالبة بوقف عرض المسلسل متهمينه بتشويه صورة عائلة جدهم الكبير، ومطالبين الشركة المنتجة بتعويض قدره مليون جنيه.
وتبدو الأمور أكثر تعقيداً وتشعباً في حكاية المسلسل السوري نزار قباني، والتي بدأت فصولها منذ أن قررت شركة »الشرق« لصاحبها نبيل طعمة إنتاج مسلسل يحكي قصة حياة الشاعر السوري الذي أثار جدلا في الأوساط الأدبية طيلة حياته.
وواجه المسلسل اعتراضاً شديداً من ورثة الشاعر حيث أقاموا دعوى قضائية في دمشق لوقف تصوير المسلسل، وأخرى في دبي لوقف عرضه، وحجة الورثة كما أوضحت زينب قباني، ابنة الشاعر، في بيان باسم العائلة، بأن نبيل طعمة منتج مسلسل نزار قباني وأصحابه، تخطّوا جميع الأعراف والقيم والحقوق الشرعية والقانونية.
وقالت أن أسباب رفض العائلة بالاعتراض على اعتماد قصة لكاتبة ناشئة، هي يولا بهنسي، ومن دون أي إذن مسبق. فيما نفى ورثة قباني تهمة الأطماع المادية التي تحدث عنها منتج المسلسل من أن العائلة طلبت مبلغا ماديا كبيرا ومبالغا فيه للإفراج عن القصة وطرحها تلفزيونياً.
وكتبت ابنة شقيق نزار قباني (رنا) مقالا في إحدى الصحف انتقدت فيها بشكل لاذع الحلقات الأولى من المسلسل وقالت في مقالها: ».. وبعد حلقة واحدة فقط، اعتراني شعور بالاشمئزاز لسطحية ما أرى، ولابتعاده عن الحقيقة، فالشخصيات التي يصورها المسلسل لا تمت بصلة إلى أفراد عائلتي كما عرفتهم، لا في الشكل ولا في المضمون«.
وتابعت: »عمي نزار الذي كان، مثل إخوته وأكثر أهل الشاغور، معروفاً بحس السخرية وروح النكتة والدعابة، يظهر أشبه بدب روسي ثقيل الدم، لا يعرف إلا الإطراق الطويل، ولا يتقن إلا التدخين، ولا يجيد النطق حتى يجيد كتابة الشعر«.
والحوار في المسلسل، كما تقول رنا قباني، »ركيك إلى درجة مبكية، وتزيد الطين بلة تلك الأنماط من المبالغة والتحريف والتشنيع والتشويه. هناك اختراع لقصص درامية ليست لها أية صحة، ومغامرات مليئة بالتقبيح لشخص لم يخفِ أبداً تاريخه العاطفي، وأقام علاقات فكرية وعاطفية هامة مع أديبات تأثرن به وأثرن فيه«.
ولا بد من الإشارة أخيراً إلى أن قضية مسلسل »نزار قباني« وكذلك مسلسل »المرسى والبحار«، لم يبت فيهما بعد ولا تزالان حتى اللحظة في انتظار حكم القضاء، إلا أنه ثمة عدد من المنتجين يعدون العدة لمعارك جديدة مع ورثة جدد ربما كان مسرحها القضاء أو الشاشة الصغيرة، ففي الانتظار قصص عن أسمهان وإسماعيل ياسين وعبد الحليم حافظ ومنيرة المهدية، فهل ترى النور؟!
نائل العالم
