منذ عرض أولى حلقات مسلسل نزار قباني على قناة دبي الفضائية وتتوالى ردود الأفعال الساخنة على مستوى مشاهدي الفضائيات العربية وزادت سخونة هذه الردود مع اقتراب المسلسل من نهايته وخاصة مع ثورة أسرة الشاعر الكبير على صناع العمل الدرامي، فهناك من انتقد المسلسل وتضامن مع ثورة الأسرة.
وهناك من رأى في المسلسل عملا جديرا بتخليد اسم نزار على الشاشة المرئية وهناك من لم يكمل متابعته.
وفي القاهرة لم تقتصر ردود الأفعال الساخنة من نقاد ومؤلفي الأعمال الدرامية وكتاب السيناريو المصريين بل شملت الشعراء والمبدعين أيضاً.
الشاعر احمد الشهاوي الذي كان مقربا من نزار وكشف رسائله إلى الملوك والقادة العرب منهم حافظ الأسد وجمال عبد الناصر وآخرون قال من الصعب ان يلم مسلسل واحد بحياة الشاعر نزار قباني عبر مسيرته السياسية والعشقية والغربة والمنفى الاختياري واغترابه في مدينتين بوهيميتين هما جنيف ولندن وعمله دبلوماسيا في القاهرة ومدريد وقد تأثر تأثرا كبيرا بهاتين المدينتين خاصة مصر.
حيث كانت من أوائل البلدان التي قدمته شاعرا كما ان القاهرة شهدت موت ابنه توفيق الطالب في القصر العيني وهذا الفقد المبكر لابنه أثر فيه تأثيراً كبيراً أكثر مما أثرت فيه وفاة زوجته بلقيس أو رحيل أمه وأبيه ولعل رحيل توفيق هو ما جعله يترك القاهرة التي كان له فيها بيت وأصدقاء وأهل كما انه من الصعب ان يجمع مخرج في مسلسله خلافات نزار مع زعماء سياسيين او علاقته برؤساء دول.
ويضيف الشهاوي: جاء المسلسل خاليا من هذه العلاقة الشائكة كما انه استغرق في علاقات نزار العاطفية بشكل مبالغ فيه و لم يعتمد المسلسل على سيرة مدونة أنجزها كاتب بعدما رفضت أسرة نزار السماح بعرض المسلسل على الرغم من ان هناك أكثر من كتاب أنجز عن نزار كان يمكن الاعتماد عليه لانجاز سيناريو محكم يمكن ان يلم بحياته، ويضيف الشهاوي: المسلسل مليء بالثغرات والثقوب والفجوات وكان يمكن تفادي ذلك إذا تم الاعتماد على مدونة لا تغفل جوانب أساسية من حياته.
وأرى أيضا أن المسلسل أغفل جوانب مهمة من الجدل الذي أثير حول قصائده ومن ضمنها اتهامه بالسطو على أشعار شعراء شباب، بالإضافة إلى قيامه بالكتابة لآخرين.
الكاتب والسيناريست محمد صفاء عامر يقول يجب التأكيد أولا انه عندما يتم تحويل عمل أدبي رواية او قصة إلى عمل درامي يخضع العمل لرؤية المخرج وليس بالضرورة ان تتطابق رؤية المخرج مع رؤية مؤلف الرواية او القصة وابرز مثال على ذلك عندما سئل نجيب محفوظ عن أعماله التي تم تحويلها إلى سينما قال إن هذه الأعمال يسأل عنها المخرج.
اما أنا فأسأل عن الرواية غير أنه في أعمال السيرة الذاتية يجب على كاتب السيناريو تحري الدقة في الأحداث والمواقف المؤثرة في حياة الشخصية وهذه أطر تكاد تكون ثابتة بعد ذلك لا ضير في إضافة شخصيات خيالية ويكون العمل مزيجا بين الواقع والخيال لإبراز هدف يريد توصيله وفي حالة مسلسل نزار قباني نجد بعض الأحداث التاريخية في غير محلها مثل تاريخ تقسيم فلسطين وهجرة الفلسطينيين إلى سوريا.
أما غير ذلك فإبراز جانب معين من شخصية نزار واغفال جانب آخر فهذا يعود إلى رؤية للمخرج يريد توصيلها ولا ترقى إلى درجة التشويه فهذا بالأساس عمل درامي وليس عملا تسجيليا حتى يمكن رصد ونقل الواقع كما هو ويكفي ان هذا العمل قدم مضمونا جيدا على عكس الأعمال المصرية الحالية التي لا تحمل أي مضمون فالدراما السورية هذا العام نجحت إلى حد كبير، وعن نفسي أحرص على متابعتها يومياً حيث نجح السوريون في تقديم دراما بعيدة عن الإسفاف.
أما الكاتب والسيناريست أسامة أنور عكاشة فقال نحن نتحدث عن عمل درامي يحمل رؤية ووجهة نظر وليس تأريخا واكتفى عكاشة بالقول ربما الأخطاء التي تضمنها مسلسل نزار قباني من الناحية التاريخية تكون في السيناريو المكتوب لكن الإخراج جميل والعمل ممتع وكان ينبغي ان يكون هناك جزء آخر لإعطاء شخصية نزار حقها دراميا.ً
ويرى الأديب يوسف أبو رية وهو متابع جيد للدراما الرمضانية ان مسلسل نزار قباني تضمن عيوبا كثيرة فقد غرق في تصوير جانب ولع الرجل بالنساء في حين تغافل عن جوانب كثيرة مثل عدم التركيز على الجوانب السياسية وبواعث تمرد شخصية مثل نزار وتنازع ميوله فمن المعروف ان شخصية نزار كانت تتراوح مابين الفوضوية والراديكالية.
ويؤكد أبو رية ان نزار قباني حالة إبداعية خاصة وكان من المفترض ان يقدم عنه عمل متفرد يبرز كل جوانب شخصيته سواء الرومانسية أو السياسية والدبلوماسية وثورته على القيم البالية وخروجه عن كل ما هو تقليدي كما ان نزار لاقى هجوما حادا من الصديق قبل العدو في مسيرته الشعرية.
من جهتها تقف الناقدة ماجدة خير الله في خندق المدافعين عن المسلسل وفي رؤية تحليلية للمسلسل تقول كان الهاجس الأعظم في حياة نزار قباني كيف يحول الحب إلى فكر جديد هو مبدعه ومنهج حياة هو رائدها، كان يعشق المرأة ويحترم حريتها في الحب والاختيار تبدأ أحداث المسلسل بسنوات الطفولة التي شكلت وعي وإدراك الطفل نزار قباني وقد حرص المخرج أن يضع في تترات المسلسل لقاء بين نزار في مرحلة الشباب التي يؤديها بعبقرية الممثل تيم الحسن وشخصية نزار كهلا التي يؤديها الممثل سلوم حداد.
وكأن سنوات الشباب بما تخللتها من أزمات وقصص حب وصراع سياسي وإحباطات وتكسر الأحلام قد أسلمت مرحلة الكهولة كل مفردات الشخصية التي بقيت معنا حتى بعد رحيل الشاعر وتقفز الأحداث في سلاسة إلى مرحلة الشباب بعد أن يلتحق نزار قباني بالسلك السياسي ويعمل في السفارة السورية في القاهرة.
وتبدأ رحلته مع الشعر ليصيب المجتمع العربي بما يشبه الصدمة نتيجة جرأته الشديدة وخروجه عن كل الأعراف فلأول مرة نستمع إلى ألفاظ مثل النهود والحلمات في قصيدة معاصرة، تحمل نزار عواصف الهجوم عليه كما تحمل الثناء ورغم انغماسه في علاقات عاطفية متعددة إلا أنه كان شديد الحرص على متابعة أحوال عالمنا العربي الذي كان يعاني من مؤامرات خارجية وصراعات داخلية وزادت الأمور تعقيدا مع بداية الحكم العسكري على سوريا والانقلاب الدموي على الرئيس شكري القوتلي بواسطة حسني الزعيم ورجاله ولم يلبث هذا الزعيم أن تعرض هو الآخر لانقلاب عسكري وإلى محاكمة فورية انتهت إلى إعدامه، في هذه الأجواء المشحونة بالتوترات بدأ نضج نزار قباني.
وتضيف خير الله بعض منا كان يحب أشعار نزار قباني ويتابع بعض الأغنيات المأخوذة عن أشعاره ولكن متابعة المسلسل قد تدفعك إلى عشق هذا الرجل من خلال الرجولة والرقة والحدة أيضا وهو يلقي الشعر بأسلوب فريد في العذوبة ويمتاز بصوت رخيم مؤثر.
القاهرة ــ محمد الصادق:


