تنتشر في العاصمة الأندونيسية جاكارتا مصانع السيارات التي تحمل أسماء شهيرة مثل تويوتا، وهوندا وديهاتسو، وهي الشاهد الوحيد الباقي على النظرة الحماسية التي خص بها المصنعون الأجانب أندونيسيا.
ففي سبعينات القرن الماضي، نالت أندونيسيا حظوة، كونها أول دولة في آسيا يقع عليها اختيار صانعي السيارات اليابانيين، لاقامة مصانع تجميع متكاملة، منطلقاً إلى صادرات رخيصة.مازالت المصانع تعج بالعمال. غير أن الأرقام تراجعت في السنوات الأخيرة، في ظل منافسة حامية الوطيس في غير مكان من المنطقة.
وتحولت تلك المصانع الآن إلى سد حاجة اندونيسيا بنصف مليون سيارة سنوياً.
وعلى الرغم من تحاشي كثير من المصنعين أجانب كانوا أو محليين لاندونيسيا في السنوات الأخيرة، ملقين بالمسؤولية على مشاكل تنظيمية، وتطبيق متراخ للقانون، ولوائح أجور مرتفعة، فإن واحداً فقط يراهن على البلاد.
بين أسماء كبيرة لصانعي السيارات، وفي منطقة كئيبة من السقائف المعدنية، والمباني المكتبية المنخفضة ينهمك 1000 عامل في شركة أنكور أسكو الاندونيسية، في توريد الفولاذ ومحاور عجلات الألمنيوم إلى كبار المصنعين.
كما تقوم الشركة بتصدير العجلات إلى صانعي السيارات في آسيا وأوروبا. وأكدت التزامها بالبقاء في اندونيسيا بتشييدها مصنعاً في جاوة الغربية.
وحول هذا الموضوع قال رئيس انكو اسكوا التنفيذي هادي قاسم معرباً عن ثقته بالتصنيع المحلي من حيث الجودة، نحن أفضل من الهند والصين« مضيفاً: »تستطيع الصين أن تبيع أكثر رخصاً، ولكن الجودة ليست على ذلك القدر«.
وقال قاسم إنه اضطر لدفع تعرفة 7.5 في المئة لاستيراد نوعية من الفولاذ لا تقوم بتصنيعها مصانع الفولاذ الأندونيسية وأن النظم الحكومية فرضت عليه عبئاً آخر من النفقات غير اللازمة، غير أنه يمثل واحداً من أعداد متزايدة من المصنعين وغيرهم من المستثمرين، الذين يراهنون على قدرة اندونيسيا على المنافسة.
وذلك برغم المشاكل الناجمة عن استشراء الفساد والإرهاب والصدمات الاقتصادية المفاجئة كانخفاض الروبية 22 في المئة في أغسطس الماضي قبل أن تسترد عافيتها.
ويأتي الاتجاه العام متمثلاً في أرقام تظهر انتعاشاً مستديماً للاستثمار مبشراً بتعزيز نمو متوسط الأجل بحدود 7 في المئة سنوياً، وفقاً لتوقعات البنك الدولي، ففي تقرير اقتصادي نشر مطلع شهر أكتوبر، سلط البنك الضوء على أرقام تظهر نمواً استثمارياً بمعدل يزيد على عشرة في المئة، على مدى ستة أرباع متوالية وهي الفترة الاطول منذ ثمانينات القرن الماضي.
وأضاف البنك أن واردات الرساميل العينية ما بين شهري يناير وأغسطس من هذا العالم، نمت بمعدل 36 في المئة وهي نسبة تدعو للذهول. وفي السياق قال أندروستير المدير الإقليمي للبنك الدولي في اندونيسيا، »إن المهم في نهاية اليوم. هي النتائج وهي جيدة حتى الآن«.
وتابع لو سألنا أحداً قبل عام هل ستقنع بنمو استثماري بمعدل 15 في المئة سنوياً، وارتفاع الاستثمار إلى الناتج الاجمالي المحلي بأقل من 20 ليصل إلى 23 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي خلال العام الأول.
هل تعتبر ذلك نجاحاً؟
ويجيب »ستير« عن ذلك من تلقاء نفسه: »أظن أن الجميع تقريباً سيقولون إن ذلك طيب جداً بالنسبة لعمل سنة أولى« وقد حاز مديرو الاقتصاد الاندونيسي على ثناء المراقبين، لاتخاذهم قرارات جريئة لإنهاء الاقتصاد في مساره التنموي الثابت.
وكان أجدرها ذكراً، قرار حكومة الرئيس سوسيلو بامبانغ يودويونو، التي مضى على تشكيلها عام واحد، الخاص بخفض الدعم على الجازولين والديزل، والكيروسين، والتي ارتفعت أسعارها إلى العنان بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط العالمية والتي هددت باستنزاف ثلث الميزانية، وهي خطوة وصفها »ستير« بأنها »مؤشر قوي داخل الإدارة ككل، وبأنها في السبيل إلى اتخاذ قرارات صعبة«.
وكانت أسعار الجازولين رفعت 88 في المئة والكيروسين الذي تستخدمه عامة الشعب للطهي ارتفع بنسبة 186 في المئة، رغم مخاوف من قلاقل شعبية وهي الزيادة الثانية هذا العام، ورغم ذلك فإن الاندونيسيين يشترون وقودهم بأسعار تقل عن الأسعار العالمية.
كما لوحظت إصلاحات أقل أهمية رافقت اقتطاع الدعم الحكومي للوقود وتخفيفاً للصدمة الناجمة عن أسعار الوقود عن حزم من المساعدات الاجتماعية والإصلاحات التجارية. ومن ضمن الإجراءات الاقتصادية كانت خفض التعرفة وضرائب النقل، والرسوم، وإزالة بعض العوائق الروتينية في الجمارك.
إن الخشية من الانتفاضة الجماهيرية رداً على ارتفاع أسعار البترول نكصت على عقبيها ويمكن إرجاع ذلك جزئياً إلى التعويضات المالية المباشرة لأكثر من 15.5 مليون عائلة قصيرة.
غير أن التحديات تبقى كبيرة، فلقد أوهنت الزيادات السعرية في البترول وارتفاع معدل التضخم وأسعار الفائدة من زخم النمو الاقتصادي بحيث توقع البنك المركزي الاندونيسي بانك أندونيسيا، بتباطؤ النمو إلى 5.7 متوقع هذا العام وخفض توقعاته للعام المقبل.
في حين كانت التوقعات بزيادة التضخم إلى 12 في المئة في نهاية العام ويعزى ذلك بصورة كبيرة إلى عدم اتخاذ البنك المركزي لأي إجراء تجاه أسعار الفائدة العام الماضي. ويذكر ان الحكومة كثيراً ما تصارع لتطبيق أجندتها نظراً للقصور البيروقراطي، أو المقاومة والوقت الذي تستغرقه في تمرير تشريعاتها أمام البرلمان.
ومن جانبهم، اتهم ناقدو الحكومة ووزراء الاقتصاد بعدم استغلال التفويض الذي منحه الناخبون إياهم العام الفائت بما يكفي من الحزم ويشار إلى أن يودبونو هو الرئيس الأول الذي ينتخب عن طريق الاقتراع المباشر وثمة أقاويل، باحتمال إعادة تشكيل وزاري للتخلص من أعضاء الطاقم الاقتصادي.
وفي مقابلة، رد أبوريز ال بكري«، الوزير المنسق للشؤون الاقتصادية على منتقديه، بقوله انه يحارب البيروقراطية متعهداً في الوقت نفسه، بالمضي قدماً بالإصلاحات، تشجيعاً للتجارة والاستثمار، ومعلنا، عن خدمة يأمل الإعلان عنها في شهر يناير، ومن ضمن البنود المدرجة على جدول أعماله، إقرار المزيد من خفض التعرفة.
وكان تعيين »بكري« الرئيس السابق لأكبر الائتلافات العائلية في أندونيسيا، لرئاسة وزارة الاقتصاد، أثار موجة من الاستغراب بسبب المخاوف من تضارب محتمل للمصالح. وكان بكري، قايض نجاحه التجاري ليظهر علمه بما هو مطلوب ان يُعمل.
ولدى إبلاغه بشكاوى قاسم، صانع الإطارات، حول التعرفة على واردات الفولاذ. قطع بكري وعداً بأنه سوف يلغي تلك التعرفة متحلياً بالشجاعة إزاء ذلك. قائلاً: إنني كرجل أعمال سابق أقول، أنه لا معنى هناك، في الإبقاء على التعرفة، في بلد ليس فيه صناعة محلية.
ترجمة: وائل الخطيب
