تعاني الشركات العاملة في الهند، المحلية والأجنبية، من نقص العمالة الفنية الماهرة، حيث لا تستطيع الحصول عليها بسهولة والاحتفاظ بها، برغم ارتفاع الأجور المستمر ومع تقدم الاقتصاد الهندي بسرعة كبيرة، فإن هذه الفترة تعتبر عصيبة بالنسبة لشركة لارسن آندتوربو مثلاً ومقرها مومباي، وهي اكبر شركة مقاولات وهندسة في الهند حالياً.
الشركة شهدت ارتفاعاً بنسبة 35% في مبيعاتها العام الماضي، مع رفع مدينة دلهي ميزانية الانفاق على الطرق والموانىء وارتفاع استثمارات المؤسسة الهندية في مزيد من المصانع والمباني التجارية لكن رئيس لارسن آندتوربو ليس سعيداً مع ذلك، بسبب صعوبة الحصول على مهندسين اكفاء لآداء كل العمل المنوط بالشركة، برغم رفعها للأجور بنسبة 25% إلى نحو 5700 دولار سنوياً.
ولا يزال يخسر أنيل مانيبهاي نايك رئيس شركة لارسن آند توربو، العمالة الماهرة التي تذهب إلى صناعة البرمجيات والشركات متعددة الجنسيات المنافسة له في الهند أو شركات منافسة في الخليج العربي تدفع ضعف هذا الأجر ويقول نايك الجميع يكبرون بسرعة وتواجه الهند نقصاً في المواهب والعمالة الماهرة،
وفق ما نقلته مجلة بيزنس ويك، هل يعني ذلك نقصاً في العمالة في الهند؟ بالطبع نعم، فالشركات من جميع انحاء العالم تهرول للاستفادة من العمالة الرخيصة الكثيرة في الهند، لكن السوق المحلية الهندية هي الضحية، النمو الاقتصادي الهندي سريع ويشكل طلباً غير مسبوق على العمالة الماهرة الموهوبة.
ويقول شيريش سانخي الشريك في شركة مكنزي للاستشارات في مومباي ان محركات الخدمة وقطاعات التصنيع تسير معاً في الوقت نفسه، ويؤدي ذلك إلى نقص في العمالة.
والشركات متعددة الجنسيات مثل بيبسكو وجنرال الكتريك وسيتي بنك وأكسنتور هي أحد أسباب المشكلة، تريد هذه الشركات الاستفادة من النمو الاقتصادي الهندي فساعدت في رفع الأجور بشكل صارخ خاصة في قطاعي التعهد والتقنية.
توفر هذه الشركات من سنوات للهنود أعلى الأجور وفرص العمل في الخارج ووضعاً متميزاً، لكن مع توغل الشركات المحلية والأجنبية في قطاعات جديدة مثل تجارة التجزئة والهندسة الصناعية، ترتفع أجور العمالة والعروض المقدمة لهم الآن تعادل رواتب المديرين في بعض الشركات الهندية، رواتب نظرائهم في الشركات متعددة الجنسيات.
ليست التقنية فقط
بدأ النقص في العمالة الماهرة في الهند من العام الماضي في قطاعي التكنولوجيا والتعهيد، وارتفعت الأجور في هذين القطاعين بنسبة 25% سنوياً وارتفعت أجور المديرين في قطاع التقنية بنسبة 30% والآن تجد الشركات بما فيها الأجنبية صعوبات في العثور على مديرين.
حتى شركة جنباكت أكبر شركة تعهيد هندية التي تملك جنرال الكتريك 40% منها، كان عليها أن تبتكر لكي تحافظ على العمالة التي لديها، فقد أنشأت ستة مراكز لها في ست مدن لتوظيف العمالة في وظائف التعهيد المختلفة التي تحتاجها.
ويقول برامود بهازين رئيس تنفيذي جنباكت إن النقص في المهارات هو أكبر تحد يواجه صناعة التعهيد، ولذلك وظفت جنباكت 650 موظفاً جديداً من المراكز لكن إنتاجها يزيد بنسبة 30% سنوياً.
ومع توسع الاقتصاد المحلي الهندي، ينتشر نقص العمالة إلى قطاعات أخرى خلاف التكنولوجيا، فأجور العمال نصف الماهرين في مصانع المنسوجات في مدينة كومبانور مثلاً ارتفعت بنسبة 15% في العام الحالي.
وارتفعت أجور مشرفي العمال بنسبة 20% في العام الماضي وارتفعت أجور العاملين في البنوك 25% ، وارتفعت أجور الطيارين أيضاً بالنسبة نفسها.
بصفة عامة ترتفع الأجور في الهند بنسبة 12.8% في المتوسط مقابل معدل تضخم 5.5% وفق أرقام مدير الاستشارات والموارد البشرية، التي حذرت من أن استمرار ارتفاع الأجور قد يصيب الانتعاش الاقتصادي الهندي بأضرار وتواجه كثير من الصناعات مشكلات في العثور على العمالة الماهرة،
وتعوض احتياجاتها بدلاً من ذلك بتوظيف عمالة نصف ماهرة وتدربها فيما بعد، وبدأت الشركات الخاصة في عرض برامج تدريبية على الجميع من المضيفات الجويات إلى المهندسين. ويزداد عدد الكليات الخاصة، ودخل 450 ألف طالب كليات الهندسة باختلاف تخصصاتها في العام الحالي، مقابل 250 ألفاً العام الماضي.
وقال دومنيك برايس رئيس مكتب جي.بي مورجان في الهند إن الهند لديها قوة عمل متعلمة هائلة الحجم وسوف يؤدي تسلحها بمهارات جديدة إلى ثورة في الأجور. غير أن الاحتياجات كبيرة أيضاً.
والمتوقع أن تحتاج المصانع الهندية إلى 73 مليون عامل بحلول 2015 حيث ان أعداداً متزايدة من الهنود أصبحت قادرة على شراء سيارات وجرارات وبرادات كهربائية. ويبلغ هذا العدد المطلوب ضعف ما هو مطلوب الآن من عمالة، حسب تقديرات مؤسسة مكنزي.
وسوف تشتري الطيران الهندية 440 طائرة جديدة تضيفها إلى أسطولها بحلول 2010، مما يعني 3200 وظيفة جديدة للطيارين، وسيضيف قطاع تجارة التجزئة 2.5 مليون وظيفة جديدة بحلول 2010، حيث ان محال السوبرماركت ومراكز التسوُّق التي ستظهر في الأعوام الثلاثة المقبلة تصل إلى 250 مركزاً.
وفي الوقت الحالي، لا توجد عمالة كافية لملء هذه الوظائف ومن الطيارين الجدد الذين تحتاجهم صناعة الطيران التجاري الهندية، هناك نقص بمقدار 100 طيار حالياً، وفي قطاع التجزئة هناك أزمة عمالة أيضاً في الوقت الحالي وسوف يعرقل ذلك مخططات شركات مثل وول مارت كانت تريد أن تستفيد من ثروة الهنود المتزايدة.
وقال عمار راج سنغ مدير شركة جاما للخدمات الاستشارية ومقرها نيودلهي إن النقص في العمالة سوف يكون عائقاً كبيراً أمام توسع الشركات متعددة الجنسيات في الهند وأدى هذا النقص إلى اقتناص العاملين بشكل غير قانوني، فقد فقدت الخطوط الجوية الهندية الحكومية وإير إنديا نحو 200 طيار ذهبوا للعمل في شركات طيران الخدمة منخفضة التكلفة خلال العام الماضي.
اتجاه للخارج
وتبحث بعض الشركات عن حلول لنقص العمالة خارج البلاد. وتغري كثير من الصناعات العاملين الهنود المغتربين في الخارج بالعودة إلى الوطن، خاصة العاملين المهرة في الغرب في مجالات بدأت تزدهر في الهند مثل تجارة التجزئة والأبحاث الدوائية.
وعندما فشلت شركة ولسبون للمنسوجات في العثور على عمالة تستطيع تشغيل الآلات في مصنعها الجديد في جوجارات، اتجهت إلى شركة نورث كارولينا للاستشارات لتقوم بتدريب عاملين لها. ودفعت الشركة مليوني دولار لتكاليف التدريب، وهو ضعف ما كانت تدفعه الشركة لأخرى محلية لتدريب العمالة، لكن ولسبون قالت إن النتائج أفضل مع الشركة الأجنبية.
وتقوم شركات أخرى بتدريب عمالة في مجالات تخفق المدارس والكليات في تدريبهم فيها، وقال فيدبرا كاسن رئيس شركة بنتالون للتجزئة لا بد أن تملأ الشركات الفراغ الذي تتركه المدارس الحكومية.
لكن البعض يقولون إن هذا غير كافٍ، ولا بد أن تعدل الحكومة مناهج التعليم لتفي باحتياجات الهند الحديثة. وقال راما بيجايوركار مستشار التسويق في مومباي إنه من دون تغييرات في مناهج التعليم لن تتحقق مصالح الشركات في الهند، وهي تحتاج مزيداً من العمالة الماهرة المدرّبة في المجالات المطلوبة لها حالياً.
ترجمة: أشرف رفيق
