تؤكد المنظمة البحرية الدولية على أهمية تطبيق الدول لإجراءات أمنية مشددة في موانئها والسفن التجارية التابعة لها من اجل تأمين هذه الموانئ والحيلولة دون تعرضها لأية أحداث إرهابية أو حتى استخدام السفن لهذه الأغراض وتحويلها إلى قنابل تفجيرية تطفو فوق سطح البحر. وقد تزايدت هذه التشديدات من جانب المنظمة العالمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما استخدمت الطائرات التجارية بصورة مماثلة.

ولهذا الغرض وضعت المنظمة البحرية الدولية وبمشاركة الدول الأعضاء فيها عددا من اللوائح والقوانين والإجراءات والأنظمة الأمنية التي يجب إتباعها في الموانئ وعلى ظهر السفن التجارية التي تزيد حمولتها على 500 طن فيما عرف باسم »المدونة البحرية الدولية« أو الـ ISPS وتم تحديد أول يوليو من عام 2004 كموعد نهائي لتطبيق بنود وإجراءات هذه المدونة.

وان كانت المنظمة البحرية الدولية IMO لا تلزم الدول الأعضاء بتنفيذ وتطبيق هذه اللوائح الا إن من مصلحة الدول تطبيقها من تلقاء نفسها كما ان بإمكانها ان تضيف إليها ما تراه مناسبا لتحقيق أمنها وسلامتها من ناحية ومن ناحية أخرى حرصا على سمعتها دوليا حيث تتحقق المنظمة البحرية الدولية من هذه التطبيقات بطرقها الخاصة وغير المباشرة.

وتحصل الموانئ والسفن التجارية التي تطبق هذه الإجراءات على شهادة الـ ISPS وتدخل ضمن ما أسمته المنظمة بـ »اللائحة البيضاء« أو الـ »White List«. وقد دخلت معظم الموانئ العالمية الأعضاء بالمنظمة البحرية والتي يزيد عددها على 9 ألاف ميناء ومنها معظم الموانئ العربية ضمن هذه »اللائحة البيضاء«

وأشاد بهذا مسؤولون بالمنظمة ومنهم كريس تريلواناى مسؤول برنامج الـ ISPS والذي يؤكد ان موانئ المنطقة قد التزمت بالموعد المقرر لتنفيذ المدونة وتتبع الآن إجراءات أمنية جيدة في موانئها وتتعاون حكوماتها بشكل طيب مع المنظمة.

ورحب بأي تعاون إقليمي من شأنه تحقيق الأمن في الموانئ والسفن التجارية وقال في تصريحات لـ »البيان« خلال مشاركته مؤخرا في الملتقى الأمني البحري العربي الذي عقد بدبي: نحن لا نلزم أحدا بالتطبيق لكننا نقدم المشورة والدراسات والنصيحة ونساهم في الدورات التدريبية لرجال امن الموانئ البحرية والسفن وكل ما من شأنه مواجهة الإرهاب والقرصنة البحرية والهجرة غير المشروعة وبما يحقق في النهاية أمن المنشآت البحرية.

وكان الملتقى الذي نظمته شركة البعد الثالث قد عقد على مدى أربعة أيام وتم خلاله مناقشة العديد من بنود المدونة البحرية الدولية وتطبيقاتها والمستجدات التي تطرأ عليها يوميا خاصة فيما يتعلق بضرورة اقتناء احدث التقنيات الأمنية التي تحقق امن المنشآت والسفن.

يقول عبداللطيف النابلسي مدير عام شركة البعد الثالث ان هناك العديد من التحديات التي تواجه قضية الأمن البحري، وطرح المؤتمر معايير حديثة ومتقدمة في مجال الإدارة الأمنية للموانئ والسفن وشركات الملاحة وذلك لتطوير أداء الإدارات الأمنية البحرية في مجال التطبيقات العملية والتقنية المتوافقة مع المدونة البحرية الدولية كما قدم الملتقى ـــ على أيدي نخبة من الخبراء ـــ مجموعة من الحلول الأمنية المعتمدة على منظومة تقنيات وبرامج أمنية متطورة جدا في مجالات الكشف عن المتفجرات والمواد الخطرة والتسلل وأساليب الحماية الأمنية الشاملة وكشف الوثائق وجوازات السفر والمستندات المزورة.

وإذا كانت أكثر من 95% من موانئ العالم قد طبقت بنود المدونة ودخلت ضمن »اللائحة البيضاء« باعتراف المنظمة البحرية الدولية نفسها وعلى لسان كريس تريلواناى،

إلا أنها ليست جميعا كذلك وفق المعايير الأميركية حيث وضعت الولايات المتحدة شروطا ومعايير إضافية متشددة للغاية في الموانئ التي يسمح لها بالتصدير مباشرة إلى الموانئ الأميركية وأسمت هذه الموانئ التي تنطبق عليها هذه المعايير »موانئ بيضاء« أو الـ »White Ports«. وما ينطبق على المنطقة العربية ينطبق على مناطق أخرى عديدة في العالم باستثناء الموانئ الأوروبية التي يسمح لغالبية موانئها بالتصدير إلى أميركا.

ولا يعنى هذا ان أميركا تغلق الباب في وجه بقية الموانئ »غير البيضاء« في نظرها، فبإمكان هذه الموانئ ان تصدر إلى الولايات المتحدة ولكن عبر »ميناء ابيض« معترف به.

وعلى سبيل المثال إذا كانت دولة ما في المنطقة أو في آسيا لا يوجد بها ميناء معترف به أميركيا فبإمكانها ان ترسل بضاعتها أولا إلى ميناء جبل علي أو سنغافورة أو احد الموانئ المعترف بها من قبل السلطات الأميركية وهناك يخضع للعديد من إجراءات التفتيش ثم تلصق عليه مواد معينة وبعدها يسافر مباشرة إلى الميناء الأميركي دون ان تدخل السفينة ميناء آخر.

قد يرى البعض في هذا التشدد الأميركي عرقلة لحركة التجارة إلى الولايات المتحدة أو تأخير في التخليص الجمركي، لكن كريس كريس تريلواناى مسؤول برنامج ال ISPS في المنظمة البحرية الدولية يقول ان جميع دول العالم وافقت على المدونة البحرية الدولية بما فيها الولايات المتحدة

لكنها قد وضعت شروطا إضافية وهذا من حقها ومن حق أي دولة ان تضيف كما تشاء من شروط وإجراءات مثلما هي تطبق بنود المدونة بالشكل الذي تريده وحسب إمكانياتها لكن بما يحقق امن المنشآت البحرية في نهاية المطاف كما أنني لا اعتقد ان من مصلحة الولايات المتحدة ان تبطئ التجارة إليها أو تحدها.

اللواء ركن بحري توفيق أبو جندية وكيل أول وزارة النقل في جمهورية مصر العربية ونائب رئيس مجلس إدارة ميناء دمياط أكد ان جميع الموانئ والسفن التجارية المصرية قد طبقت معايير وبنود المدونة البحرية الدولية وجميعها لديها شهادات المواءمة مشيرا إلى ان اللجنة العليا لأمن الموانئ في مصر معنية بوضع الخطة الأمنية لكل ميناء.

و يلتمس أبو جندية العذر للولايات المتحدة فيما وضعته من شروط إضافية على إجراءات المدونة البحرية الدولية نتيجة لما تعرضت له في سبتمبر 2001 ويقول من حقها ان تحدد الكيفية التي تحقق بها أمنها وعلى أية حال هي لم تغلق الباب في وجه بقية الموانئ التي لم توافق عليها إلى الآن عبر »ميناء أبيض«

وقال ان ميناء دمياط في طريقه للتصدير مباشرة إلى الموانئ الأميركية وقد قطع خطوات كبيرة في هذا الصدد حيث زارتنا لجنة أميركية منذ ثلاثة أشهر وأشادت بما نطبقه من إجراءات أمنية وتبقى بعض الإجراءات البسيطة من خلال الاتصالات والزيارات.

وأشاد أبو جندية بتنظيم الملتقى الأمني البحري العربي الثالث ونوعية المشاركين فيه والقضايا التي يناقشها. وفى محاضرة له استعرض التطبيقات العملية للمدونة البحرية الدولية التي تم اتخاذها في ميناء دمياط.

وفى لقاء لـ »البيان« أشار إلى ان المنظمة البحرية الدولة التي أنشئت قبل سنوات طويلة قامت بهدف تنظيم كافة الأمور المتعلقة بحركة التجارة البحرية الدولية وعناصرها السفينة والميناء والبحر.

ومن اجل هذا الغرض وضعت العديد من الاتفاقيات التي تنظم هذه الحركة منها اتفاقيات لمكافحة التلوث البحري والقرصنة ومنع تسلل الهاربين على متن السفن »الهجرة غير الشرعية« ومنع تهريب البضائع والمواد غير المشروعة عبر الموانئ

ومنع اى تهديد قد يحدث للسفينة أو من السفينة للميناء كما وضعت اتفاقيات لتسهيل التجارة البحرية. لكن الشيء المهم هو ـــ يضيف اللواء ركن بحري توفيق أبو جندية ـــ هو كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وتيسير التجارة البينية وهو ما سعت إليه المنظمة البحرية الدولية.

وفى السياق نفسه وضعت المدونة البحرية الدولية عددا من القواعد لضمان حد أدنى لتامين السفن والموانئ وبالتالي تامين حركة التجارة الدولية البحرية. ووفق المدونة ،فان كل سفينة وكل ميناء لابد ان يكون خطة أمنية لمنع وقوع التهديدات ومنع التخريب ومن تهريب المواد غير المشروعة ومنع المتسللين والهاربين.

ويضيف : هذه المدونة وضعتها المنظمة الدولية والدول الأعضاء وحدد لتطبيقها 1 يوليو 2004 ولا يسمح بعد هذا التاريخ لأي سفينة ان تدخل أي ميناء تجارى إلا إذا كانت حاصلة على شهادة المواءمة الدولية ويعتقد ان أكثر من 95% من موانئ العالم طبقت هذه البنود.

العميد الركن على محيي الدين المعلم عضو لجنة الأمن البحري في لبنان قال ان الملتقى شكل فرصة طيبة للتعرف على احدث المستجدات بمجال الوسائل المستعملة لتحقيق أمن المنشآت البحرية والطرق التي تتبعها العديد من الدول لتطبيق بنود المدونة البحرية الدولية بالإضافة للتعاون مع الأشقاء العرب.

وقال ان المدونة تم وضعها بعد أحداث 11 سبتمبر وعلى أثرها تم اتخاذ إجراءات أمنية في المرافق البحرية بمختلف دول العالم خوفا من استخدام جهات إرهابية للسفن التجارية للقيام بعمليات إرهابية وتفجيرها في الموانئ. ولهذا تقرر اتخاذ إجراءات أمنية في المرافق البحرية وفى السفن من ضمنها استحداث وظيفة ضابط أمن مدني ـــ من أفراد الطاقم ـــ لكل سفينة وكذلك في الموانئ.

وقامت المنظمة البحرية العالمية بوضع »لائحة بيضا ء« تضم الدول والسفن التي تطبق مضمون المدونة والتي تتخذ تدابير أمنية في المرافق والسفن التجارية وتتحقق المنظمة من ذلك بصورة غير مباشرة من خلال الوكالات البحرية المتخصصة.

وقال العميد الركن على محيي الدين ان معظم الدول العربية التزمت بتطبيق المدونة في موعدها المحدد ونحن في لبنان طبقناها بالفعل في الوقت المحدد وتم اتخاذ إجراءات عديدة في هذا الصدد بالمرافق البحرية والسفن التجارية ونتعامل مع السفن غير اللبنانية حسب مضمون المدونة وأشار إلى ان العمل على بنود واشتراطات هذه المدونة استغرق سنة كاملة قبل تطبيقها مشيراً إلى انه في لبنان 32 ميناء تجارياً ونفطياً.

كتب وجيه عبدالعاطي