دعت دراسة حديثة إلى إعادة التفاوض بشأن منطقة التجارة العربية الكبرى بغرض التوصل إلى اتفاقية تكامل عربي إقليمي رقعتها أوسع وتشمل التجارة بالخدمات تماشيا مع »الجاتس« وتحرير تدفقات رأس المال والاستثمار وحرية تنقل العمالة وحرية التأسيس.

واقترحت الدراسة لتحقيق هذا التوجه أن تقوم الدول العربية بتوقيع إطار لاتفاقية شراكة لا تقل شموليتها من حيث المحتوى والنظام والأفضليات عما ورد في اتفاقيات يوروميد الثنائية التي تم التفاوض بشأنها مع الاتحاد الأوروبي مشيرة إلى انه يمكن لهذا الإطار ان يوفر منطلقا للتكامل العميق يستند على تنسيق القوانين والقواعد التنظيمية، بما فيها سلسلة من »اتفاقيات الاعتراف المتبادل« مع التركيز على تسهيل التجارة وإزالة الحواجز المعيقة لتدفقات رأس المال والعمالة.

وأكدت الدراسة الصادرة عن صندوق النقد العربي واعدها د. ناصر السعيدي وزير الاقتصاد والتجارة ووزير الصناعة اللبناني سابقا ضرورة القيام باستثمارات ضخمة في البنية التحتية بمشاركة القطاع الخاص للتوصل إلى انجاز شبكة عربية متكاملة للنقل والاتصال والطاقة والاتصالات الفضائية تشكل حجر الزاوية في تقديم هيكل معلوماتي يمهد لدخول الاقتصاد والمجتمعات العربية في العصر المعلوماتي

مشيرة إلى انه ينبغي أن تتكامل الشبكة عبر العالم العربي في اتجاهين استراتيجيين وأولهما باتجاه الاتحاد الأوروبي والشبكة الترانس أوروبية وثانيهما باتجاه آسيا لتمكين الصين وجنوب شرق أسيا واليابان من الوصول إلى مصادر الطاقة في المنطقة.

وأشارت إلى أهمية المساعدة وتمويل السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداعمة لتقارب الدخل موضحة ان ازدياد انفتاح البلدان العربية والتكامل سيستوجبان إجراء التكيف ويحتمل أن يؤديا إلى تباعد اكبر بين مستويات الدخل بين البلدان الشريكة في الفترة الأولية نظرا إلى أن البلدان الفقيرة في العالم العربي هي أيضا اقلها انفتاحا مما يقتضي إصلاحات أكثر رقعة في السياسات.

وترتيب الأولويات لتطوير الأسواق المالية ووضع أسس تكاملها وتكامل نظم المدفوعات في البلدان العربية لاستحداث نظام تارغت عربي وإقامة البنية التحتية لنظام عربي لسعر الصرف.

ودعت إلى إنشاء مجموعة من المؤسسات لمساعدة ودعم التكامل الاقتصادي وبالأخص فإنه من المهم أن يتم دعم اتفاقية التكامل العربي الإقليمية بآلية مالية لتشمل إقامة بنك الاستثمار والتنمية الإقليمي والنظر في ابتكار صناديق التكييف الهيكلي والمساعدة في تمويل دخول العالم العربي إلى العصر المعلوماتي وتحوله إلى اقتصاد يقوم على المعرفة نظرا لأن فجوة المعلومات التي تفصل العالم العربي عن اقتصاد الدول الصناعية شاسعة وربما مازالت تتسع بالرغم من بعض التقدم المحرز مؤخرا.

يقظة عربية

وتوقعت الدراسة أن تكون السنوات الــ 50 المقبلة مختلفة، مع كبير الأمل، عن السنوات الــ 50 الماضية بالنسبة للبلدان العربية وتكاملها الاقتصادي والمالي مشيرة إلى ان تضافر عدد من العوامل قد يحدث يقظة عربية فالتهديدات الخارجية والتعرض للتمييز قد تشكل قوة ناشطة تدفع نحو خلق الأسواق والتكامل الاقتصادي.

ويتوفر طريقان إلى الأمام ويتمثل الطريق الأول في الوضع الذي تعيشه البلدان العربية وتهمل فيه التكامل الإقليمي وتبقي على سياسات تجارة تفتقر إلى الهيكلة ودون التمتع بقوة التفاوض التي توفرها الكتلة التجارية مما يؤدي إلى أرباح محدودة من خلق التجارة وإلى الخسارة الناجمة عن تحول التجارة ولاسيما بالنسبة لاقتصاد الدول الآسيوية ذات النمو السريع

وعلى رأسها الصين. أما الطريق الآخر فيتجسد في التكامل الاقتصادي الإقليمي المستند إلى التكامل العميق. ويتعين على البلدان العربية توقيع مجموعة موحدة من اتفاقيات الشراكة فيما بينها وبنطاق ومضمون لا يقلان عما ورد في الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي.

فمن شأن مثل اتفاقية الشراكة هذه التي تغطي العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية أن تفترض ضمنا العدد الكبير من الاتفاقيات الإقليمية والثنائية القائمة.

ومن شأن انهيار الحواجز العميقة للتجارة والاستثمار وتنقل الأشخاص ان يؤدي تدريجيا إلى قيام يقظة عربية وخلق سوق قوامها 300 مليون مستهلك ومنتج وسيتيح لهم فرصة الاستفادة من كبر الحجم والنطاق.

وستؤدي هذه اليقظة العربية من خلال التكامل الاقتصادي الإقليمي إلى النمو الاقتصادي والتوظيف وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتقليص الفرق والسماح للبلدان العربية ببلوغ أهداف الألفية للتنمية.

وذكرت الدراسة أن الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 والحرب التي تلتها على أفغانستان والحرب على العراق وتداعياتهما وضعت البلدان العربية أمام تحدٍّ حيث ان »الحرب على الإرهاب« المعلنة قد أدت إلى تعرض البلدان العربية والإسلامية للتميز المتجسد في تزايد العراقيل والحواجز المعيقة للأعمال

وانسياب رؤوس الأموال وحركة تنقل العمالة والناس غير أن هذه التحديات وهذا التمييز يوفر فرصة تاريخية أمام التكامل الاقتصادي العربي حيث إن التحديات الخارجية كثيرا ما تخلق الفرصة للتوحد الداخلي.

فلقد شجعت الحرب بين العراق وإيران دول مجلس التعاون الخليجي على اتخاذ الخطوات الأولية نحو التوحد. كما أدت المواجهات التي طرأت في فترة ما بعد الاستعمار خلال الخمسينات ومطلع الستينات إلى محاولات للتوحد بين مصر وعدد من البلدان العربية وبالفعل،

فقد جاء إنشاء جامعة الدول العربية في عام 1945 أيضا كمحاولة لتطوير »صوت« مشترك للعالم العربي ومخططات لإقامة سوق عربية مشتركة. وفي الماضي القريب شجع بروز التكتلات التجارية الكبيرة واتفاقيات التجارة والتكامل الإقليمي البلدان العربية على التحرك نحو منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. إلا انه بالرغم من طابعها المشجع لم تفلح أي من هذه المبادرات في إحداث قدر اكبر من التكامل.

وأكدت الدراسة ان نجاح التكامل الإقليمي يتطلب توافر منطلقات أساسية عدة. وأولها انه يتعين على الحكومات انتهاز السانحة لتوفير إطار مساعد يتمكن القطاع الخاص من خلاله القيام بدور القوة الدافعة نحو التوحد والمشجع على التكامل ويقتضي ذلك تواجد رؤيا ومعاهدة للتكامل الاقتصادي العربي.

وثانيا، يستوجب التكامل استثمارات في الهياكل التحتية المادية ترمي إلى إزالة الحواجز المادية وتخفيض تكاليف النقل والاتصال والتكاليف اللوجستية.

وثالثا، لابد للبلدان العربية أن تتخطى التكامل السطحي المتمثل في التجارة الحرة بالسلع والمتجسد بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (جفتا)، والتوجه نحو »التكامل العميق« وتنسيق المؤسسات والقوانين والقواعد التنظيمية بغية تسهيل التكامل الاقتصادي الشامل.

ونظرا لكون معظم الدول العربية ذات اقتصاد صغير الحجم، فإن التفاوت في التشريعات والنظم القانونية والتنظيمات والقواعد والمعايير يؤدي إلى ارتفاع كلفة المعاملات وتقليص التجارة البينية.

أبوظبي ـ عبدالفتاح منتصر