في بداية العام الحالي تم تطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة بالكامل، والتي تم تنفيذها تدريجيا منذ عام 1998من قبل سبع عشرة دولة عربية.وهي أول خطوة عملية جادة على طريق التعاون الاقتصادي العربي حيث تهدف إلى زيادة التبادل التجاري البيني الذي كان لا يزيد على 9% من جملة التجارة العربية الخارجية على الرغم من محاولات زيادتها في ظل جامعة الدول العربية.

ومنذ توقيع اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت بين الدول العربية عام 1953 وعلى الرغم أيضا من توقيع اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري عام 1981 بين الدول العربية .

وساعدت منطقة التجارة العربية الحرة فعلاً على زيادة التبادل التجاري بين الدول العربية في السنوات القليلة الماضية.

وان كان ذلك يتم بنسبة ضئيلة حيث كانت الصادرات البينية عام 1998 حوالي 13.3 مليار دولار زادت إلى 20.6 مليار دولار أمريكي عام 2002 ثم ارتفعت إلى 25.1 مليار دولار عام 2003 ولاتزال في تزايد حتى الآن. أما الواردات البينية فكانت 13.1 مليار دولار عام 1998 فزادت إلى 18.8 مليار دولار عام 2004 ثم ارتفعت إلى 20.5 مليار دولار عام 2003 .

وهو ما يوضح أن التدهور التجاري البيني سوف ينتهي قريباً وأن حاجز الـ 9% سوف يسقط ويبدأ في الزيادة المستهدفة لتبادل التجاري البيني طالما تم القضاء على أسباب هذا التدهور.

وبذلك يمكن القول إن الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة العربية الحرة التزمت بتنفيذ النصوص الواردة في اتفاقية المنطقة بعد أن شعرت بأهميتها.

وان كان الأمر لا يزال يتطلب استكمال بعض الجوانب القانونية وخاصة تلك المتعلقة بالاتفاق على قواعد المنشأ التفصيلية وإزالة بعض القيود التي ما زالت تطبقها بعض الدول العربية على التبادل التجاري.

وهي التي تناولها عدد من بحوث الاتحادات العربية النوعية المتخصصة بشأن معوقات المنطقة الحرة والتي يقوم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية حاليا بإعداد ملخص لها تمهيداً لعرضه على مؤتمر القمة القادم.

إن منطقة التجارة العربية الحرة ستظل مهددة بعدم تنفيذ أهدافها ما لم يتم التخلص من أغلب القوائم السلبية التي تضعها بعض الدول العربية للسلع المحظور تداولها عن طريق المنطقة لأسباب قد تكون سياسية أو عسكرية.

أو زراعية أو حتى اقتصادية، لأنه طالما هناك تعاون اقتصادي عربي وطالما هناك رغبة أكيدة في تحقيق وحدة اقتصادية عربية فان أي معوقات للتبادل التجاري العربي البيني يتعين أن تسقط لتحقيق هدف قومي وحدوي للشعوب العربية .

هدف شعرت كل الدول العربية حاليا أن عدم تحقيقه يقود البلاد العربية إلى الدمار والهلاك دولة بعد أخرى إلى أن ينخفض وزنها.

لقد لخص اتحاد المستثمرين العرب الإخفاق في تحرير التجارة العربية البينية بالكامل قبل إنشاء المنطقة الحرة في قيام بعض الدول العربية وضع عدد كبير من السلع في قوائم سلبية غير قابلة للتحرير خشية نفاذ سلع لا تتمتع بالمنشأ العربي لأسواقها وتمتعها بإعفاء لا تستحقه.

وبذلك فإن موضوع قواعد المنشأ كان من أهم معوقات التبادل التجاري البيني ، كذلك في وضع معوقات غير جمركية أمام تحرير التجارة كالمعوقات الإدارية والبيروقراطية والقانونية .

وبالتالي تدهورت التجارة العربية البينية قبل بداية إنشاء المنطقة، ولقد هددت منظمة التجارة العالمية بعدم الاعتراف بهذه المنطقة في حالة استمرار هذه المعوقات.

وهناك معوقات عدة أخرى أعلنتها بعض التقارير العربية التي اهتمت بهذا الموضوع ومن بينها تقرير البنك الأهلي المصري بالقاهرة الذي لخص فيه المعوقات المرئية التي لم تحاول بعض الحكومات العربية النظر إليها بل وكانت للأسف تتجاهلها بالرغم من أهميتها، ويهمني أن أذكر منها:

- ارتفاع تكلفة النقل البري والبحري في المنطقة العربية والقيود الإدارية المرتبطة بوسائل النقل ، حيث تتسم الإجراءات على المنافذ الحدودية وإجراءات الترانزيت بالتعقيد الملحوظ ، كما تستغرق فترات زمنية طويلة تؤدي إلى تلفيات بعض السلع المنقولة .

- القيود النقدية على التحويلات والمدفوعات التي تجري بين بنوك الدول العربية وتستغرق شهوراً في الوقت الذي أدت فيه التكنولوجيا والاتصالات الحديثة إلى إمكان إجراء هذه التحويلات في نفس اليوم الذي تتم فيه .

- المبالغة من جانب بعض الدول العربية في حماية القطاع الزراعي، بالإضافة إلى لجوئها الحظر على استيراد وتصدير بعض المنتجات الزراعية بين الدول العربية الأعضاء وعدم التعاون في إلغاء هذا الحظر.

- عدم وجود قاعدة صناعية متكاملة بين الدول العربية وعدم التنسيق في إنتاج بعض السلع بالشكل الذي يؤدي إلى تضارب في إنتاج السلع وتكرارها في الدول الأعضاء نتيجة عدم وجود تكامل سلعي إنتاجي .

- ارتباط بعض الدول العربية باتفاقيات تجارية مع الدول الأجنبية تتطلب معاملة خاصة بعيدا عن باقي الدول الأعضاء في المنطقة ، وعلى سبيل المثال فقد ارتبط عدد كبير من الدول العربية باتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوربي دون التشاور مع الدول الأعضاء الأخرى .

إن استمرار وجود هذه الاتفاقيات في طريق المنطقة العربية الحرة سوف يؤدي إلى التشكيك في نجاحها والقضاء على بارقة الأمل التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية حيث تزايد حجم التجارة العربية البينية بالشكل المعروض في بداية هذا المقال والذي نأمل جميعا في استمراره وتصاعده، وذلك بعد تدهور كبير استمر ما يقرب من نصف قرن .

وإذا كانت منطقة التجارة العربية الحرة قد أدت فعلاً إلى القضاء على تدهور حجم التجارة العربية البينية ، فإن الزيادة الفعلية والتي يطالب بها عدد كبير من الزعماء العرب.

وخاصة الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية والتي تقارب مع الزيادة الفعلية التي تمت بين الدول الأوروبية بعد إنشاء الاتحاد الأوربي، هذه الزيادة لن تتم إلا بعد تطبيق التكامل الاقتصادي العربي الذي ظل مجرد شعار دون تنفيذ طوال النصف قرن الأخير .

غير أن التكامل الإقليمي يتطلب شروطا حددها الدكتور ناصر السعيدي في الندوة التي نظمها صندوق النقد العربي بأبو ظبي خلال شهر فبراير الماضي، والتي تتضمن النقاط التالية:

أولا: أنه يتعين على الحكومات انتهاز السانحة لتوفير إطار مساعد يتمكن القطاع الخاص من خلاله القيام بدور القوة الدافعة نحو التواجد والمشجع على التكامل. ويقتضي ذلك تواجد رؤية ومعاهدة للتكامل الاقتصادي العربي.

ثانيا: يستوجب التكامل استثمارات في الهياكل التحتية المادية بغرض إزالة الحواجز المادية وتخفيض تكاليف النقل والاتصالات والتكاليف اللوجستية .

ثالثا: لابد للبلدان العربية أن تتخطى التكامل السطحي المتمثل في التجارة الحرة بالسلع فقط والتوجه نحو »التكامل العميق« وتنسيق المؤسسات والقوانين والقواعد التنظيمية بغية تسهيل هذا التكامل الشامل.

رابعا: يستوجب نجاح التكامل الاقتصادي الإقليمي استحداث آليات تسمح بالتغلب على مقاومة الانفتاح والتكامل الاقتصادي وعلى البلدان العربية أن تؤمن التمويل للمؤسسات للاستثمار والتنمية على الصعيد الإقليمي إلى جانب إنشاء صناديق تعاضد اجتماعية ، لكي تقوم بدور آليات لتمويل المرحلة الانتقالية .

خامسا: ينبغي أن تمثل مسيرة التكامل الاقتصادي العربي برنامج شراكة بين القطاعين العام والخاص يتم تصميمه على نحو يضمن تحقيق الإجماع .

ولا بد من أن يكون القطاع الخاص على علم باستمرار بمستجدات هذه المسيرة لأغراض الفعالية في تنفيذ الانتقال، وسيتطلب الانفتاح والتكامل الاقتصادي استثمارات ضخمة لتحقيق التغير الهيكلي والانتقال إلى اقتصاد السوق .

أقول إن المنطقة العربية الحرة الكبرى قد ساعدت فعلا على زيادة التبادل التجاري العربي البيني وستساعد أكثر على ذلك بعد القضاء على المعوقات المعروضة والتي تأكل فعلا وتدريجيا من منجزات هذه المنطقة .

خاصة وأن الزيادة المطلوبة للتبادل التجاري العربي البيني ستكون قاعدة أكيدة للوحدة الاقتصادية العربية التي ننشدها جميعاً ، على أن هذه الزيادة لن تتم إلا بعد تطبيق مشروع التكامل الاقتصادي بين الدول العربية وتفعيله بمساعدة المنظمات المتخصصة العاملة في مجالات التعاون الاقتصادي العربي.

كاتب اقتصادي مصري

y-elmasryooo@hotmail.com