هل يعتبر دخول الدول العربية إلى أسواق الدول المتقدمة من باب الإنجاز وإحراز موقع تنافسي؟ وفي حالة الحصول على حصة في أسواق الدول المتقدمة فبأي ثمن وبأية كلفة؟ ولأي مدى تتقبل الدول العربية بضائع مزجاة؟

هذه الأسئلة شغلت بال عمر بن الخطاب عندما منع حاطب بن أبي بلتعة من بيع الزبيب بسعر أقل من سعر السوق لئلا يضار الجالبون للمادة نفسها من الطائف. وبصدد آلية التسعير يقول ابن تيميه (... سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس فيه ولا شطط أي لا بخس فيه لحق البائع.

ولا تعدي فيه على المشتري). وإجمالا فإن التسعير في تقدير جميع الفقهاء لا يجوز إلا لضرورة ملحة، أو مصلحة راجحة يقدرها ولي الأمر العدل لا تدرك إلا به.

والمراد من آلية التسعير في هذا المجال الانسياق نحو الميزة التنافسية في السعر والجودة في حالتي الطلب والعرض، فالآلية التسعيرية والربحية والأجور نوقشت قبل قرون وبَّين الفقهاء آراءهم، إذ جمعت بين الميزات التفاضلية والتنافسية في آن واحد مع الموازنة بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة مؤطرة بإطار القاعدة الفقهية لا ضرر ولا ضرار.

أما بين منظري الاقتصاد الحديث، فقد أدرك الاقتصادي البريطاني ريكاردو أن كمية ونوعية عوامل الإنتاج المتوافرة في الدولة تقرر تبعا لها ماذا تنتج وتصدر وماذا تستورد وتستهلك وهذا هو مفهوم الميزة التفاضلية، أما تطوير مفهوم الميزة التنافسية الذي حل محل مفهوم الميزة النسبية بعد توحد الأسواق الدولية.

وسقوط الحواجز بينها فيعود إلى الاقتصادي الأميركي مايكل بورتر الذي بَين أن أسس المنافسة الحديثة تعتمد على الإنتاجية وليس على حجم المنشأة، وتعتمد الإنتاجية على كيفية قيام المنشآت بالمنافسة وفي أي مجال يتم هذا التنافس.

ولسنا هنا في معرض المقارنة في عجالة سريعة بين فقهاء الاقتصاد الإسلامي وبين منظري الاقتصاد الحديث فقد تناول الكتّاب والمؤلفون هذا البحث بإسهاب وثراء.

ولكننا هنا في معرض الإفادة من هذه المقارنة لنرى إذا كانت الدول العربية باستطاعتها المحافظة على مستوى التنافس في الحصول على حصة في أسواق الدول المتقدمة دون ضغوط ومعوقات صادرة من منظمات دولية.

فعلى الرغم من حصول بعض الاقتصادات العربية وخصوصا الخليجية على مواقع متقدمة قياسا بالأعوام السابقة نظرا لبيئتها الاقتصادية المستقرة وإصلاحاتها المؤسسية التي تعكس جدية الحكومات في السعي إلى تحقيق النمو السريع وفقا لما ورد في تقرير التنافسية العالمي 2005-2006 إلا أن هناك الكثير من التحديات التي تعيق تقدم المنتجات والصناعات الخليجية.

وتجعلها بعيدة عن إيجاد موطأ قدم لها بين الدول المتقدمة، فالكثير من صادرات الدول العربية الصناعية والزراعية تدخل إلى أسواق الدول المتقدمة بأسعار منخفضة نتيجة لضغط الأجور وضغط الأرباح.

والضغط على تكلفة الإنتاج إلى الحدود التي تتمكن بها الدول النامية ومنها العربية من الدخول إلى الأسواق العالمية لا يمكن مواصلته في الأمد الطويل لسببين رئيسيين:

الأول أن ضغط تكلفة الإنتاج سيكون على حساب المبالغة في استغلال الموارد الطبيعية والبيئية والبشرية والبنى التحتية من دون الحصول على مورد يكفي لتعويضها أو إصلاح ما استهلك منها أثناء العملية الإنتاجية.

وحتى الدول التي تتمتع بميزة نسبية في مجال الموارد الطبيعية أو عدد السكان أثيرت أمام صادراتها قضايا شائكة تتعلق بالإعانات والحفاظ على البيئة والحد الأدنى للأجور وتشغيل الأطفال وحقوق الملكية الفكرية.

وقد أثارت بعض الدول المتقدمة الأعضاء في منظمة التجارة العالمية موضوع الأجور مع بعض الدول النامية كالهند التي تعتمد في صادراتها من الأنسجة على ميزتها النسبية في وجود عمالة رخيصة.

ومن جهة أخرى بَيّن الاتحاد الأوربي وجهة نظره بشأن صادرات دول التعاون من البتروكيماويات بالقول بأنه وبقية الدول الصناعية المتقدمة المنتجة للبتروكيماويات بكلفة عالية سوف لن يسمحوا للمنتجات البتروكيمياوية من دول الخليج خصوصا بعد انضمام السعودية.

إلى منظمة التجارة العالمية من الدخول إلى أسواقها تحت شروط المنظمة لان هذه الصادرات مدعومة بشكل كبير من خلال تزويدها بالمواد الأولية من نفط وغاز بأسعار رخيصة جدا بسبب ما تتمتع بها هذه المنطقة من ميزة نسبية في هذه الموارد.

وأن الدول المنتجة لهذه السلع بتكاليف عالية سوف تسعى إلى حماية منتجاتها المحلية إما بمنع صادرات هذه الدول من الدخول إلى أسواقها بموجب شروط منظمة التجارة أو فرض رسوم جمركية عليها موازية للإعانات المدفوعة لها.

أما السبب الثاني فإن ضغط كلف الإنتاج من قبل الدول النامية من أجل الحصول على حصة في الأسواق العالمية سوف لن يترك لها ما يكفي لتطوير منتجاتها والإنفاق على الأبحاث والابتكارات الجديدة المطلوبة لمواكبة التطورات الفنية.

والتكنولوجية اللازمة لإرضاء المعايير والمقاييس التي تتبناها الدول المتقدمة والتي تزداد تعقيدا باستمرار مما يعني أن جزءا لا يستهان به من هذه السلع سوف يخسر أسواقه في الدول المتقدمة.

وهذه المعايير تتناقض مع الفكر التقليدي في الأوساط التجارية الدولية الذي اعتاد على ربط مفهوم التنافسية بسعر صرف تفضيلي أو صناعة مدعومة أو حتى معدل تضخم متدني أو ميزان تجاري إيجابي.

إلا أن التنافسية بمفهومها المعاصر ترتبط بإرادة الدولة الساعية إلى رفع إنتاجية الموارد المتاحة لها سواء كانت موارد بشرية أم موارد مادية.وتعرف التنافسية بأنها إمكانية البلد وقدرته على تحقيق معدل مرتفع ومستمر لنمو حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وأن الدول النامية تملك فرصة أكبر على تحقيق نمو أعلى لمعدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من الدول المتقدمة ذلك أن الخبرة تكون قد وصلت إلى الطاقة القصوى في استخدام مواردها، فقد تمكنت سنغافورة من الحفاظ على المرتبة الأولى في تقرير التنافسية العالمي ولعدة سنوات.

ويمكن قياس تنافسية الشركات من خلال عدة مؤشرات أهمها الربحية ومعدلات نموها عبر فترة من الزمن إضافة إلى استراتيجية الشركة واتجاهها لتلبية الطلب في السوق الخارجي من خلال التصدير.

أو عمليات التزويد الخارجي المتمثلة بالإنتاج لصالح شركة أجنبية تعمل في المجال نفسه، وهذا النوع من الإنتاج منتشر في قطاع البرمجيات حيث تعتمد الولايات المتحدة عليه بصورة كبيرة، لنقص المبرمجين لديها واعتمادها على بلدان أخرى كالهند.

ويشير تقرير التنافسية العالمي إلى أن الدول الصغيرة أكثر قدرة على الاستفادة من مفهوم التنافسية من الدول الكبيرة.

حيث تعطي التنافسية الشركات في الدول الصغيرة فرصة للخروج من محدودية السوق الصغير إلى رحابة السوق العالمي، وحاليا تتنافس الشركات فيما بينها بعد أن كانت المنافسة على مستوى الدول.

وعليه فإن الشركات التي تملك قدرات عالية، تكون قادرة على رفع مستوى معيشة أفراد دولها. وأن مستوى معيشة دولة ما يرتبط بشكل كبير بنجاح الشركات العاملة فيها.

وقدرتها على اقتحام الأسواق الدولية من خلال التصدير أو الاستثمار المباشر، ففي العقود الأخيرة كانت التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي المباشر في العالم ينموان بشكل أسرع من نمو الناتج العالمي.

والدول العربية ومنها دول التعاون بالدرجة الأولى بحاجة إلى تحسين وزيادة قدرتها التنافسية من أجل زيادة الإنتاجية، إذ ان الدول الصناعية الثماني لن تسمح بأن تقام في دول العالم الثالث صناعات مثل صناعاتها بعد أن قاموا بفتح المصانع في البلدان ذات العمالة الرخيصة.

إذن، المفارقة الأساسية بين الحرية التنافسية في أذهان منظري الاقتصاد الحديث وفقهاء الاقتصاد الإسلامي هي أن الحرية الاقتصادية في الدول المتقدمة تخلق واقعا غير تنافسي بين عوامل إنتاج متدنية الجودة لخفض الكلفة، وبالتالي إنتاج سلع منافسة من حيث السعر إلا أنها غير قادرة على الصمود .

والمنافسة من حيث الجودة في الأسواق العالمية والمحلية، فالميزة النسبية التنافسية من شأنها التركيز على تلبية حاجة المستهلك (جانب الطلب) من حيث النوعية والجودة.

وهذا يعود بنا إلى نهاية القرن التاسع عشر حيث استطاعت ألمانيا أن تتفوق وتهيمن اقتصاديا على بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكانت هيمنة تنافسية واضحة لما تتمتع بها الصناعات الألمانية من جودة تنافسية.

مما دعا الكاتب الإنجليزي أي. أي. ويلياميز بكتابة مقالة غاضبة عنوانها صنع في ألمانيا ابتدأ بعدم ارتياحه من هذه المنافسة الاقتصادية بقوله ان القلم الذي كان يكتب به المقالة ألماني الصنع.

باحث اقتصادي

E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae