قرأت قبل أيام معدودات خبراً طريفاً مفاده أن بيل فريست رئيس الأغلبية (الجمهوري) في مجلس الشيوخ الأميركي أمر بتنظيم جلسة استماع في المجلس للاستفسار عن أسباب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية.
بما يتضمنه ذلك من دعوة كبار المسؤولين في شركات النفط والتكرير الأميركية وخبراء الطاقة في البلاد إلى عرض آرائهم في هذا الشأن خصوصاً بعد وصول سعر غالون البنزين إلى نحو ثلاثة دولارات وتوقع الحكومة استمرار ارتفاع سعر وقود التدفئة خلال الشتاء الحالي.
وبما أن باع اللوبي النفطي في ردهات الإدارة الأميركية الراهنة طويل جداً فقد اقترح عدد من الشيوخ الجمهوريين تقديم حوافز واغراءات لشركات النفط كي تقيم معامل تكرير جديدة للخام في مناطق التجمعات السكنية الكبيرة (مثل ولاية كاليفورنيا مثلاً) أو توسيع المصافي القائمة.
وإذ بمجموعة أكسون- موبيل تعلن أرباحاً للفصل الثالث من العام الجاري بقيمة وصلت إلى نحو عشرة مليارات دولار وهي أرباح لم تحققها شركة أميركية في تاريخ الولايات المتحدة حتى الآن رغم الأعاصير التي ضربت مناطق استخراج الخام وتكريره.
وثارت ثائرة الشيوخ الديمقراطيين فاعترضوا على تقديم الحوافز المقترحة نظراً إلى أن شركات النفط التي تحقق مثل هذه الارباح الهائلة قادرة على تمويل مشاريع التكرير الجديدة بنفسها من دون حاجة لحوافز مالية تزيد إرهاق الموازنة التي تنوء أصلاً بعجز اسطوري.
ويعتبر أميركيون كثيرون ارتفاع سعر البنزين من أهم المآخذ على حكومة الرئيس جورج بوش كما يتبين من استبيانات الرأي، لذا من المفيد أن يخرج جمهوري مهم مثل فريست باقتراح يرمي في أحد أهدافه إلى إعطاء الانطباع بأن الجمهوريين الذين يسيطرون على مجلس الشيوخ (والنواب أيضاً) يتفهمون قلق المواطن العادي.
ويشعرون بألمه لكن التفهم والمشاركة بالألم لا يعنيان أن مجلس الشيوخ يفكر بإجبار شركات النفط على خفض أسعار المشتقات أو تمرير جزء من الأرباح الهائلة إلى المستهلك فقطاع النفط في عصر المديونية الكبير (ثمانية آلاف تريليون دولار) »مقدس« هذه الأيام وهو أهم من أن يُسمح لمجلس الشيوخ أو النواب المساس به .
وفريست أدرى بالمشكلة وحلها لكن شركات النفط العاملة في نظام رأسمالي مثل النظام الاقتصادي المعمول به في الولايات المتحدة لا تخلّ بهذا النظام إذا رفضت إقامة مصافي نفط جديدة أو توسيع المصافي الموجودة فهي ليست في السوق للتخفيف عن المواطن بل لجني أكبر أرباح ممكنة من عملياتها النفطية واستثماراتها في هذا القطاع.
ولا يوجد في القوانين الأميركية ما يجبرها على توظيف أموالها لزيادة طاقة التكرير لأنها ستزيد بذلك العرض مما سيضعف الأسعار لذا فإن الوضع العادي بالنسبة لها هو توازن العرض والطلب لكن الوضع الأمثل هو زيادة الطلب على العرض بنسبة معقولة لأن ذلك يمكّنها من تقاضي سعر أعلى.
ومن المهم في هذه الأيام العصيبة التي تعيشها الإدارة الأميركية خروج مسؤول جمهوري مثل فريست لنصرة المستهلك الأميركي العادي لكن ارتفاع سعر الخام، ومشتقاته.
في دولة مثل الولايات المتحدة لا يدعو إلى أي قلق حقيقي فمقابل القطاعات الاقتصادية والشرائح الاجتماعية التي يمكن أن تتضرر من ارتفاع سعر الخام والمشتقات هناك قطاعات اقتصادية وشرائح اجتماعية تستفيد جيداً من مثل هذا الارتفاع، بل إن الاستفادة الأميركية الأمثل تتحقق عندما يرتفع سعر الخام لا عندما يهبط.
وربما جاء هذا القول مخالفاً لما يعتقده كثيرون، بمن فيهم بعض خبراء الطاقة، لأنهم يعرفون أن الولايات المتحدة تستهلك نحو ربع الانتاج العالمي من النفط (20 مليون برميل يومياً من نحو 84 مليوناً) وهي تستورد 60% مما تحرقه.
لكن يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة من الدول المهمة التي تنتج النفط ولديها احتياطات ثابتة قابلة للاستخراج تصل إلى 22 تريليون برميل تتركز في ثلاث ولايات هي تكساس والاسكا وكاليفورنيا فمن الطبيعي أن ترتفع قيمة هذه الاحتياطات الهائلة عندما يرتفع سعر الخام.
أما العامل الثاني فهو أن شركات النفط الأميركية من أهم شركات النفط في العالم وهي تسيطر منفردة أو بالاشتراك مع مجموعات نفطية أخرى على احتياطات ثابتة هائلة في كل أنحاء العالم وتتحكم بقسم معتبر من عمليات التكرير والتوزيع والتسويق.
ولذا فإن الأرباح الكبيرة تتحقق عندما يرتفع سعر النفط فتصب الشركات هذه الأرباح في استثمارات إضافية تنتج بدورها أرباحاً جديدة تعزز السيطرة على قطاع النفط عالمياً.
لكن السيطرة على قطاع النفط لا تأتي فقط من اتساع عمليات شركات النفط الأميركية في النشاطات البترولية كافة فوزارة الخزانة الأميركية تسيطر على القسم الأعظم من التجارة النفطية الدولية لأنها مقومّة بالدولار الأميركي الذي كانت تستطيع طباعة أطنان منه بتكلفة الورق والحبر.
ثم أخرجت هذه التكلفة من الحساب نتيجة التداول الالكتروني للدولار في أسواق القطع الأجنبي والتعاملات التجارية الدولية فباتت طباعة الدولار مجانية تقريباً وبات الدولار أهم صادرات أميركا إلى جانب بعض المنتوجات التقنية (أي الأسلحة ونظام ويندوز وأشياء أخرى).
إن الدولارات التي يتعامل بها الناس (والحكومات) خارج الولايات المتحدة تساوي ثلاثة أضعاف الدولارات التي يتعامل بها الأميركيون في بلادهم لذا فإن الدولار عملة أميركا لكن الخسائر الأكبر التي تنجم عن تراجع سعر صرفه إزاء عملات مثل اليورو هي من نصيب المتعاملين الدوليين بهذه العملة.
والمستثمرين فيها (وأهمهم اليابان والصين وبعض الدول النفطية وبقيمة اجمالية تبلغ 3400 مليار دولار) بل أن القيمة الفعلية لديون أميركا الخارجية تتراجع عندما تهبط قيمة الدولار.
لقد راكمت الحكومات الأميركية خلال العقود الثلاثة الماضية الجزء الأعظم من الديون الفيدرالية وديون الولايات التي تقترب الآن من ثمانية آلاف تريليون دولار وباتت تعتمد على الاستثمارات الأجنبية لتمويل عجزي الموازنة والميزان التجاري.
وهما يزيدان على ألف تريليون دولار. وتتطلب خدمة هذه الديون 300 مليار دولار سنوياً فيما تحتاج الولايات المتحدة إلى تمويل جزء من استثماراتها الخارجية بالاقتراض.
ولذا فإن عليها تأمين تدفق مالي خارجي بقيمة أربعة مليارات دولار كل يوم تحصل عليه حالياً في صورة أساسية من الصين وبعض الدول المصدرة للبترول وكلا هذين الطرفين يملكان أذونات خزينة خاصة يحصّلان منها عائداً لكنها غير قابلة للتداول .
وهناك عوامل كثيرة تتحكم بسعر برميل النفط الذي أغلق في نيويورك الجمعة الماضي على 61.22 دولارا يذكرنا كثيرون دائماً بأنها تتضمن العرض والطلب وعلاوات الارهاب والفشل الأميركي حتى الآن في إخراج العراق من محنته .
وهي وغيرها عوامل مهمة جداً لكن أهمها على الاطلاق من وجهة نظر العم سام في الوقت الراهن هو ضمان تمويل العجز والاستثمارات الخارجية وخدمة الديون.
وطالما استمرت هذه الحاجة فإن تراجع سعر برميل النفط دون 50 دولاراً أمر مستبعد تماماً حتى إشعار آخر ومهما قال المنظّرون الاقتصاديون.
*كاتب ومحلل اقتصادي
adel@bishtawi.com