تواجه منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" معضلة كبيرة تتجسد معالمها حول ما إذا كانت الوعود التي تقطعها على نفسها بزيادة مستويات الإنتاج، تهدف حقا إلى تهدئة ارتفاعات الأسعار أم إنها تعد نوعا من المواءمة السياسية للضغوط التي تتكالب عليها، خصوصا من قبل الدول الغربية المستهلكة للنفط .

ويبين التراجع الحالي في أسعار النفط مدى حجم المأزق الذي تجد فيه »أوبك« نفسها خلال كل اجتماع تعقده للنظر في مستويات الإنتاج، فهي تتعرض لضغوط تطالبها بزيادة الإنتاج لتهدئة الأسعار.

وفي الوقت ذاته تكون مطالبة بأن تكون سياساتها الإنتاجية مبنية على أساس المقومات الأساسية للسوق، أي على أسس تجارية وفنية وليس على أسس سياسية.

وأدى القلق بشأن محدودية الطاقة التكريرية في أعقاب إعصار كاترينا إلى إرسال أسعار النفط إلى مستوى يتجاوز 60 دولاراً للبرميل لكن الأسعار تراجعت.

وذلك على الرغم من استمرار القلق بشأن وتيرة التعافي من المضاعفات السلبية التي خلفتها الأعاصير، وما إذا كانت الإمدادات ستكون كافية لتلبية الطلب الذي من المقدر أن يتصاعد خلال موسم الشتاء في نصف الكرة الشمالي.

ويتعقد حجم المأزق الذي تواجهه "أوبك" في ظل وجود إمداد مفرط في النفط الخام قد برهنت موجات الأعاصير التي ضربت سواحل المكسيك على صحته، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرحه بعض المحللين في الوقت الراهن هو: كيف يمكن مطالبة "أوبك" بزيادة الإمداد لسوق لا يحتاج لهذا الإمداد؟

ويتفاقم حجم المأزق بتزايد حدة الانتقادات الموجهة لدول المنظمة بأنها لا تفي بالتعهدات التي تقطعها على ذاتها بزيادة الإنتاج.

كما لو كانت هذه الدول تمتلك العصا السحرية لزيادة الإنتاج في غمضة عين، لكن الواقع من وجهة نظر البعض يتمثل في حالة التشدد الحادة التي يشهدها سوق البنية التحتية للإنتاج النفطي بمشتملاتها من معدات حفر وحفارات وخطوط أنابيب، بل ويرصد محللون وجود نقص حاد في القوى العاملة من مهندسين وجيولوجيين..

تهدئة الأسعار أم مواءمة الضغوط؟

لقد تجلت هذه المعضلة خلال اجتماع أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط والذي عقد في فيينا بتاريخ 19 سبتمبر، حيث كان السؤال المحوري المطروح حينذاك.

هو ما إذا كان من الأفضل للمنظمة أن تقوم برفع حصص الإنتاج كنوع من المواءمة السياسية مع الضغوط التي تتكالب عليها، أم تمتنع عن اتخاذ أية أفعال، و تدع للأسعار المرتفعة مهمة القيام بدور الملطف لصعود الطلب.

وبإعادة عقارب الساعة قليلا إلى الوراء يرصد محللون أن دول أوبك تعرضت لضغوط مكثفة خاصة من قبل المسؤولين البريطانيين لرفع مستويات الإنتاج، كما أن الأسواق تكهنت بأن يرتفع إنتاج دول أوبك بمقدار 500 ألف برميل يوميا ليصل إلى 28.5 مليون برميل يوميا.

وظهرت حالة الحيرة بشأن التحرك الذي ينبغي أن تتخذه حيال تلك الضغوط، في الخطاب الافتتاحي الذي أدلى به الشيخ أحمد فهد الصباح رئيس أوبك ووزير النفط الكويتي حيث أشار إلى أن الدول الأعضاء سيفحصون بعناية اتخاذ إجراءات إضافية للمساعدة في استقرار السوق وتهدئة الأسعار عند مستويات معقولة ومتواصلة .

وألمح بأنه من المهم أن تحظى جهود أوبك لتعزيز استقرار السوق بكامل دعم الدول المنتجة خارج أوبك من أجل أن تصبح هذه الإجراءات فعالة بقدر الإمكان.

ويبدو أن دول أوبك في نظر بعض المحللين صارت راغبة في الحفاظ على أسعار نفط تعادل 50 دولارا للبرميل من نوع خام غرب تكساس القياسي. وحدد المحللون ثلاثة أسباب تجعل دول منظمة أوبك تقبل الدفاع عن هذا المستوى من الأسعار . وهي:

أولا: وجود القليل من الدلائل التي تشير إلى أن الطلب على النفط سيتراجع بفعل هذا المستوى من الأسعار.

ثانيا: أن تراجع سعر صرف الدولار في مواجهة اليورو قد أضعف القوة الشرائية لدول منظمة أوبك.

ثالثا: أن أسواق النفط والأسهم صارت تتقبل سعرا للنفط يبلغ 50 دولار للبرميل، وصارت تشعر بالراحة لهذا السعر أكثر مما كان كثيرون يعتقدون منذ عام أو عامين.

ورغم أن دول أوبك أكدت مرارا أنه لا توجد مشكلة في الإمداد وإنما المشكلة تكمن في محدودية الطاقة التكريرية، إلا أن هذه التقديرات لم تردع الدول المستهلكة عن مواصلة الضغوط من أجل استخلاص التزامات محددة بزيادة الإنتاج .

صواب تقديرات أوبك.

لقد برهنت أحداث الأعاصير التي ضربت سواحل خليج المكسيك على سلامة وصحة تقديرات أوبك، حيث أنه في منتصف شهر سبتمبر الماضي وافقت وزارة الطاقة الأميركية على بيع 11 مليون برميل يوميا من الاحتياط الاستراتيجي البالغ قوامه 30 مليون برميل يوميا إلى الشركات الأميركية.

وذلك في إطار تحرك من جانبها هدف إلى تلطيف حدة ارتفاع الأسعار في أعقاب موجة الأعاصير التي ضربت سواحل خليج المكسيك.

ويرصد محللون هنا من بينهم روبرت موريس المحلل في Bank of America Securities LLC أن عدم وجود الكثير من المشترين لهذه الكمية التي طرحت للبيع أكد حقيقة ان المشكلة تكمن في عدم وجود طاقة تكريرية مناسبة، وليس في وجود نقص في النفط الخام.

وفي الإطار ذاته، قال بول هورسنيل المحلل في Barclays Capital Inc أن المشكلة لا تكمن في تيسر النفط الخام من عدمه، ولكنها تكمن في عدم كفاية المشتقات النفطية، وهي مشكلة موجودة قبل إعصار كاترينا ولكنها تفاقمت بعد الإعصار.

ولاحظت مذكرة تحليلية أعدها هورسينيل ان أسعار المنتجات النفطية تراجعت بوتيرة أسرع من تراجع أسعار النفط، وذلك على الرغم من أن المقومات الأساسية للسوق تبين أن هناك نقصا في المنتجات النفطية.

وزيادة في المعروض من النفط الخام، بما يعكس القيود الموضوعة على مصافي التكرير لزيادة طاقتها الإنتاجية والحجم الضخم من النفط الذي قامت الحكومة الأميركية بطرحه على الأسواق .

حيث تمت تجزئة نفط الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي بالتساوي بين النفط الحلو الخام والنفط المر الثقيل، بحيث بلغت كمية كل من النوعين 15 مليون برميل يوميا، لكن المصافي قدمت عروضا لشراء 10.8 ملايين برميل يوميا من النفط الحلو ، وطلبت فقط شراء 200 ألف برميل يوميا من النفط المر .

وأشارت المذكرة التحليلية إلى أن الطاقة الإنتاجية الاحتياطية المتبقية لدول منظمة أوبك من النوع الثقيل، وهو ما يطرح السؤال عن الأسباب والمبررات لممارسة الضغوط على دول أوبك لطرح نفط من النوع الثقيل الذي لا تحتاجه الأسواق.

مشكلات زيادة الإنتاج

ورغم العوائد السخية التي جنتها دول أوبك من النفط، إلا أن هذه العوائد لم تنحصر عليها فحسب، بل جنت الشركات النفطية الرئيسية أرباحا قياسية خلال الربع الثالث من العام الحالي، وهو ما يعزز منطقية النداءات الأخيرة التي أطلقتها المنظمة بشأن ضرورة أن تستخدم الشركات أرباحها في زيادة الطاقة التكريرية للمساعدة في تخفيف الضغط على أسعار النفط .

ويتجسد هذا في التصريحات التي أطلقها عدنان شهاب الدين القائم بأعمال السكرتير العام لمنظمة أوبك، إذ أشار إلى أن الفرصة باتت سانحة لهم للاستثمار في زيادة الطاقة التكريرية، بالنظر إلى وجود حاجة للمزيد من المنتجات المكررة .

وتعتبر شركة "إكسون موبيل" نموذجا صارخا يبين حجم المكاسب التي جنتها الشركات الكبرى من ارتفاع الأسعار خلال الربع الثالث من العام فقد صعدت أرباحها بنسبة 75% إلى 9.9 مليارات دولار، وارتفعت الإيرادات بنسبة 32 % لتصل إلى 100.7 مليار دولار . وأوضحت الشركة أن قطاع شركات الطاقة في طريقه لتحقيق أرباح قيمتها 96 مليار دولار .

ووفقا لمؤسسة استاندرد آند بورز فإن هذه الأرباح ستتتجاوز الأرباح التي حققتها الشركات الصناعية والاتصالات في الولايات المتحدة، كما أعلنت شركة »رويال دوتش شل« أن صافي دخلها عن الربع الثالث بلغ 9 مليارات دولار.

وكذا أعلنت شركة »بريتش بيتروليم« أن أرباحها بلغت 6.5 مليارات دولار خلال الربع الثالث، وحققت أيضا شركة كونكو فيليبس أرباحا قيمتها 3.8 مليارات دولار عن الربع ذاته. وبهذا، تسبح صناعة النفط والغاز على بحيرة من الأموال.

حيث من المقدر في نظر بعض المحللين أن تسير الشركات النفطية الرئيسية وبشكل جماعي على مسار تحقيق أرباح تزيد على 100 مليار دولار خلال العام الحالي. وعلى الرغم من الوفرة الضخمة في السيولة النقدية إلا أنه ليس من السهولة على دول أوبك والشركات النفطية على حد سواء، تحقيق الزيادات في الإنتاج بين عشية وضحاها.

ويرصد محللون هنا وجود اختناقات في مجال توسيع البنية التحتية للإنتاج النفطي إذ أن هناك عجزا حادا في أطقم الحفارات وآلات الحفر وطلمبات الضخ ومعامل التكرير وخطوط الأنابيب ومنصات الاستيراد وأوعية التخزين، إلى جانب النقص في أطقم الحفارات والمهندسين والجيولوجيين والمتعاقدين والموردين.

ولهذا تتعرض الصناعة لضغوط قوية لتلبية هذه الاحتياجات التي تعتبر أساسية في أية خطط لتوسيع الإنتاج .ويدلل ريتشارد ماسون محرر نشرة Land Rig على الصعوبات التي تعترض الاستثمارات في مجال النفط بإشارته إلى أن رسم استئجار الحفار في اليوم الواحد صعد إلى 15 ألف دولار من 9 آلاف دولار منذ عام مضى.

كما تضاعفت رسوم استئجار سفن الحفر في المياه العميقة إلى 300 ألف دولار يوميا بل وتعترض الصناعة مشكلة العثور على جيولوجيين ومهندسين جدد لشغل الأماكن التي سيخليها الجيل الحالي ببلوغه سن التقاع، ففي الولايات المتحدة.

وعلى حد تقدير المحلل ماك روبين، تتراوح أعمار حوالي نصف العاملين في صناعة الغاز والنفط بين 50 و 60 عاما، في حين تتراوح أعمار 51 % فقط من العاملين بين 20 و35 عاما.

ويبلغ متوسط العمر في الصناعة 48 عاما، وهو ما يعني أن الصناعة في اتجاهها لأن تواجه العديد من التحديات في إحلال عاملين جدد محل هؤلاء الذين سيبلغون سن التقاعد خلال السنوات القليلة المقبلة.

وتعود جذور هذه المشكلة إلى فترات الطفرة والانهيار التي شكلت هذه الصناعة، فعلي الرغم من الارتفاع الحالي في الأسعار ، إلا أن الصناعة لا تزال تعاني من المضاعفات التي خلفها انهيار الأسعار في عام 1998 و1986.

والتي دفعت بالسعر إلى 10 دولارات. وأفضي هذا الانهيار في الأسعار إلى إرسال العديد من الشركات الصغيرة إلى حافة الإفلاس، وكرد فعل من جانبها، قامت هذه الشركات بخفض التكاليف وتقليص ميزانيات البحوث وتجميد الاستثمارات .

وهكذا، تجد أوبك نفسها واقعة بين مطرقة الضغوط التي تطالبها بزيادة الإنتاج وسندان حالة التشدد التي يشهدها سوق معدات التنقيب عن النفط واستخراجه. وبالتالي، سيكون السؤال المطروح على اجتماع أوبك المقبل على غرار الاجتماعات السابقة: هل سيتم قطع وعود بزيادة الإنتاج لتهدئة السوق أم لمواءمة الضغوط السياسية ؟!

كتب مجدي عبيد: