أدت المعاشات السخية والوعود البراقة برعاية صحية فاخرة بشركة دلفى، أكبر الشركات الأميركية لصناعة أجزاء السيارات، إلى الانتهاء في محاكم الافلاس، برغم عائداتها السنوية التي تبلغ 28 مليار دولار، من أسواق تقوم على عمالة رخيصة مثل الصين. لكن ارتفاع تكلفة المواد الخام جعل هذه المعاشات والرعاية الطبية عبئاً ثقيلاً على كاهل الشركة.
وتبلغ تعهدات دلفى للمعاشات مستقبلاً 8.5 مليارات دولار منها 4.3 مليارات دولار لم توفرها الشركة لسدادها حينما يحين الموعد المقرر للسداد. والمبالغ المطلوبة للرعاية الطبية غير متوفرة في خزائن الشركة اكبر من ذلك.
ومن جانب آخر تتراوح التزامات شركة جنرال موتورز نحو دلفى بين 1.5 و11 مليار دولار لكن هذا الالتزام يصبح ضئيلاً إلى جانب التزاماتها بالمعاشات والرعاية الطبية للعاملين بها.
وهناك اقاويل في ديترويت ان جنرال موتورز ستنتهي إلى محاكم الافلاس وتوقع ستيف ميللر رئيس شركة دلفى ان يحدث ذلك لشركة جنرال موتورز خلال ثلاث سنوات، إلا اذا حظيت بتنازلات كبيرة من النقابات العمالية، وهو ما فشلت دلفى في الحصول عليه.
وقد خفضت مؤسسة ستاندارد آندبوور ترتيب شركة جنرال موتورز التي تتوقع انفاق 5 مليارات دولار في العام الجاري على الرعاية الطبية وحدها بارتفاع مليار دولار على العام الماضي ويضيف ذلك 1500 دولار على كل سيارة تنتجها جنرال موتورز أو يعني 3% من عائدات الشركة.
وغالبية هذه الأموال مستحقه لعمال سابقين في جنرال موتورز فهي تغطي تكاليف رعاية صحية لنحو مليون متقاعد من عمالها.
وما أصاب شركتي دلفي وجنرال موتورز ينطبق على بقية الشركات الأميركية، وتواجه فوردو كرايزلر أيضا مشكلات تكلفة الوعود السابقة للعاملين بها، حسب مجلة الايكونوميست.
وليس شركات السيارات وحدها هي التي تعانى هذه المشكلة بل ان شركات الطيران أيضا لم تسلم منها، وفي كل مرة تكون المشكلة هي المعاشات والرعاية الطبية، التي تؤدي إلى اعلان افلاس الشركات الأميركية.
ومرت صناعة الصلب الأميركية أيضا بنفس المعضلة من سنوات قليلة، لكنها لم تكن بنفس الحدة. وبدأ المحللون في وول ستريت يشعرون بالقلق من ان يكون الدور على شركات الاتصالات.
خاصة مع انتشار المحادثات الهاتفية الرخيصة عبر الانترنت التي تنخر في عائدات شركات الاتصالات الكبرى، فقد بلغت التزامات شركتي ايه تي آند تي وإس بي سي 20 مليار دولار للمعاشات والرعاية الطبية.
وتضطر هذه المشكلات الشركات الأميركية الأخرى ان تأخذ حذرها. ويخشى رؤساء الشركات من ان يتعرضوا للافلاس أيضا أو على الأقل تفقد شركاتهم ميزتها التنافسية بسبب ارتفاع التزاماتها نحو المعاشات والرعاية الطبية. ويخشى العاملون من فقدان المزايا التي يحصلون عليها عندما يتقدمون في السن ويتقاعدون.
ويخشى رجال السياسة من جانب آخر من ان ينتهى الأمر لان يتحمل دافعو الضرائب كل هذه الالتزامات ويشعر وزير الخزانة جون سنو بالقلق ان يصبح اختفاء صناديق المعاشات هو الأزمة المقبلة كما حدث في فضيحة البنوك في الثمانينات وتحمل الحكومة 200 مليار دولار لحل هذه المشكلة.
ووافقت الإدارة الفيدرالية للمعاشات على تحمل 6.6 مليارات دولار من المعاشات غير المعززة بصناديق مستحقة على يونايتد ايرلاينز مما اثار ادعاءات في الكونجرس بأن شركة الطيران تحاول التملص من مسؤولياتها.
على حساب دافعي الضرائب، وفاقت مسؤوليات إدارة المعاشات الفيدرالية حاليا اصولها مما يجعلها من الناحية الفنية مفلسة رغم ان لديها احتياطيات نقدية تجعلها تصمد لعدة سنوات.
والقلق بشأن المعاشات والرعاية الطبية يصرف نظر رؤساء الشركات عن عملهم الاساسي، وبدأ البعض يصف شركة جنرال موتورز بأنها مجرد صندوق معاشات وتأمين صحي والى جانب ذلك تنتج السيارات.
وتتركز أعباء الالتزامات بالمعاشات والرعاية الطبية في الشركات القديمة للصناعات التحويلية حيث هناك اعداد كبيرة من العمالة ونقابات عمالية قوية تتفاوض على مزايا سخية للعاملين.
وبالتالي هذه الشركات تعانى من ارتفاع التكلفة مقارنة بالشركات الاحدث مثل ساوث وست انجح شركات الطيران الأميركية التي ليس لها صندوق معاشات ومقابل منافسين في دول ليس فيها قوانين معاشات ورعاية طبية قوية او توفر الحكومة هذه الخدمات.
وتأتي غالبية المشكلات من وعود من الشركات بمعاشات متفق عليها غالباً ما تكون جزءاً مقتطعاً من راتب العامل. وأغلقت الشركات هذه الصناديق خلال العشرين عاماً الماضية على الأقل بالنسبة للتعيينات الجديدة.
وتفضل الشركات الآن نظام الاشتراك في وعاء ادخاري يدفع معاشاً للمتقاعدين حسب أداء استثمار هذه الأموال. ويوفر ذلك للشركة تأكيداً بحجم التكلفة، فيما يواجه المتقاعد معاشاً لا يعرف مقداره تحديداً.
وبرغم ذلك فان نحو ثلاثة أرباع الشركات المسجلة في مؤشر ساوث آند بور لديها صناديق معاشات واجمالي التزامات هذه الشركات 1.4 تريليون دولار حتى نهاية 2004، منها 13% أو 165 مليار دولار ليس لها مقابل من المدخرات.
وتقول الإدارة الفيدرالية للمعاشات ان حجم الالتزامات التي لا يقابلها مدخرات بلغ 450 مليار دولار حتى نهاية 2004. ويقول بنك كريدي سويس فيرست بوسطن ان غالبية هذه الأموال تلتزم بها شركات قليلة أولها شركات الطيران وصناعة السيارات.
ويقول تريفور هارسي الخبير في مورجان ستانلي ان ما يثير قلقاً مماثلاً هو تعدد صناديق المعاشات وتديرها النقابات العمالية، وبياناتها غير شفافة بالنسبة للإدارة الفيدرالية للمعاشات، لكنه من المؤكد انه لا يقابلها مدخرات كافية.
وليس من الواضح توزيع هذه الصناديق على الشركات، ويقول هارسي ان معاشات الشركات هي مؤشر على ما ينتظر برامج الولايات والحكومات المحلية للمعاشات التي تعاني بدرجة أكبر من عدم وجود مدخرات مقابلة.
ولا تعاني الشركات الأميركية وحدها من أزمة المعاشات بل تعاني الشركات البريطانية من المشكلة نفسها ومنها الخطوط الجوية البريطانية وشركة كوراس التي كانت البريطانية للصلب.
وساهمت المخاوف من الالتزامات بالمعاشات في فشل بيع ماركسي آند سبنسر وسميث دبليو إتش للتجزئة، وسببت مشكلات في صفقة شراء بيرنود ريكارد الشركة الايددوميك.
غير ان أميركا تتفرد بالدور الرئيس الذي يلعبه أصحاب الشركات في تمويل الرعاية الطبية، ويمول دافع الضرائب في غالبية الدول برامج الرعاية الصحية وبالتالي لا يكون هناك عبء على الشركات لكن تكلفة الرعاية الصحية في أميركا تجعل الشركات الأميركية تفقد ميزتها التنافسية أمام نظيرتها في بلاد أخرى.
كما قال ريك واجنر رئيس جنرال موتورز، ودلل على نظريته بإزدهار شركات السيارات في كندا في السنوات الأخيرة فيما عانت الشركات الثلاث الأميركية الكبرى وموردوها فاضطرت إلى نقل عملياتها إلى كندا بحثا عن المدخرات.
لكن تحمل الدولة للرعاية الصحية يعني ارتفاع الضرائب مقارنة بأميركا، إلا ان تكلفة الرعاية الصحية بالفعل تضرب بالشركات الأميركية. وليس هناك التزاماً قانونياً بتخصيص أموال للرعاية الصحية، وتدفع الشركات الرعاية الصحية للمتقاعدين من التدفق النقدي الجاري مما يضيف إلى تكاليف الشركات مقارنة بمنافساتها الأجنبية.
ويقدر كريدي سويس فيرست بوسطن ان ثلثي الشركات المسجلة في مؤشر ستاندارد آندبور لديها التزامات رعاية صحية مقدارها 300 مليار دولار منها 80% لا تغطيها مدخرات.
وتقول اوليفيا ميتشل الأستاذة في كلية وارثون ان تقديرات التزامات الرعاية الصحية تعتمد على التخمين مقارنة بالمعاشات، فالشركات تعد بدفع تكلفة الرعاية الصحية كيفما كانت بغض النظر عن التكلفة الحقيقية.
على الأقل المعاش هو نسبة من الراتب الاجمالي ويقول دامبيامويو الخبير الاقتصادي في جولدمان ساكس ان الخطأ جاء في المعاشات من ان الشركات عانت من انخفاض أسعار الأسهم وسعر الفائدة عقب عام 2000 .
مما قلل من قيمة أصول صناديق المعاشات، وثانيا أخفقت الشركات في تقدير المخاطر على أصولها وحجم التزاماتها وبالتالي كان لانخفاض سعر الفائدة تأثير اكبر على التزامات المعاشات أكثر من الأصول.
وثالثا لم تقدر الشركات جيداً العمر المتوقع لموظفيها وبالتالي حجم الالتزامات. وتستخدم شركات أميركية حتى وقت قريب تقديرات العمر المتوقع لعام 1983 فيما ارتفع هذا الرقم كثيراً الآن.