لم تثن التراجعات التي شهدها سعر الذهب المحللين عن مواصلة تزيين السوق لتبدو في أبهي حللها، مرصعة بتوقعات مبشرة، ومزدانة بأفق ومقومات واعدة، ومظلله بروتوش تداري عيوبها. بل وحتى جرى توصيف التراجعات السعرية بأنها لا تعدو أن تكون سوى متاجرات جانبية، أي أنها لا تعبر عن المسار الأصلي لتحركات الأسعار.

واجتهد محللون في طلي توقعات سعر الذهب بألوان براقة تخطف الأبصار قبل العقول، حيث ذهبت تحليلات إلى استشراف أفق سعرية تتجاوز مستوى 500 دولار للأونصة، متكهنة بأن السعر سيبلغ 525 دولارا للأونصة قبل حلول نهاية العام الجاري، بل وحتى 550 دولارا للأونصة في المدى الطويل.

وذلك في ظل تزايد المخاوف حيال التضخم وأفق الاقتصاد الأميركي والقلاقل الجيوسياسية.وحفزت القفزات التي سجلتها أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة على ظهور تحليلات تتحدث عن فض علاقة الارتباط بين الذهب والدولار.

بحيث صار الأول أي الذهب معتمدا في صعوده على قواه الذاتية النابعة من قوة الطلب المادي والاستثماري وحجم الإمدادات، وبالتالي، لم يعد تراجع سعر العملة الأميركية بمثابة المحرك الرئيسي لصعود السعر .

توقعات مبشرة

وقدمت الأسعار المرتفعة دعما لشركات التعدين عن الذهب، مكنها من تغطية تزايد كلفة التشغيل والناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، بل وتمكنت هذه الشركات من تحقيق أرباح ضخمة.

وتسجيل فارق كبير بين تكاليفها النقدية والأسعار الفورية للذهب.فرغم إغلاق سعر عقود الذهب الآجلة خلال الأسبوع المنتهي في 28 أكتوبر على انخفاض، إلا أنه جنى على مدى الأسبوع مكسبا قيمته 6 دولارات.

وقد تراجعت أسعار عقود الذهب الآجلة تسليم شهر ديسمبر في بورصة نيويورك التجارية خلال اليوم المذكور إلى 471.20 دولارا للأونصة، وهو أدنى مستوى سجلته منذ 25 أكتوبر، ولكنها جنت خلال الأسبوع بأكمله مكسبا سعريا قيمته 5.70 دولارات أي بزيادة نسبتها 1.2%.

وفسر محللون،ومن بينهم دال دولينج المحلل في Trends IN Commodities، هذا التراجع بأنه يعود إلى البيانات الاقتصادية التي تحدثت عن تسجيل الاقتصاد الأميركي نموا قويا خلال الربع الثالث من العام.

وهو ما قدما دعما لسعر صرف الدولار، وألقى بضغوطه على سعر الذهب، ووصف هؤلاء المحللون هذا التراجع بأنه مجرد متاجرات جانبية، وأنه بمجرد انتهائها، سيسلك سعر الذهب مساره الأصلي المتجه نحو الصعود.

وعلى هذه الأرضية المتفائلة، ظهرت توقعات تستشرف مسارا سعريا مضيئا للذهب، فمن جانب قدر جيمس مور المحلل في Bulliondesk.com. أن السوق مهيأة للاندفاع نحو مستويات عالية، وأنه من المحتمل أن يتجه السعر نحو 475 دولارا للأونصة وحتي نحو مستوي 480 دولارا للأونصة.

واستدرك موضحا »نحن نمر بمرحلة تثبيت المراكز في السوق، حيث تشعر صناديق الاستثمار بالرضا عن مراكزها الطويلة (عمليات الشراء) في الذهب، وهي متمسكة بدفع السوق نحو الصعود مرة أخرى«.

ورصد بول ماريك نائب رئيس قسم السلع في RBC Capital Markets »تحقيق الذهب ثلاث قفزات في سعره خلال 45 يوما. وفي السياق ذاته قيم بيتر جرانديش محرر نشرة Grandich أن المضاربين على هبوط السعر يحاولون دفع السوق نحو التراجع.

ولكن السوق الآخذة في الصعود تمكنت من الحفاظ على قوة اندفاعها إلى أعلى. ومرة أخرى، صحح الذهب بعض المبالغات، وهو يتجه الآن نحو الصعود إلى ارتفاعات جديدة. وصارت تلوح أمام الأعين إمكانية أن يتجاوز الذهب مستوى 500 دولار للأونصة.

ورغم أن بعض المحللين رصدوا قلة النشاط في سوق الذهب بالهند خلال موسم شراء الذهب والذي يواكب الأعياد الهندوسية نتيجة لارتفاع الأسعار- حيث تعتبر الهند أكبر مستهلك للذهب في العالم، وتستورد ثلثي طلبها المحلي على الذهب سنويا بكمية تزيد على 800 طن- إلا أن المحللين الفنيين يرون أن سعر الذهب يمكن أن يصل إلى 500 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة.

بل وحتى 550 دولارا للأونصة في المدى الطويل، وذلك في ظل تزايد المخاوف حيال التضخم وأفق الاقتصاد الأميركي والقلاقل الجيو سياسية، ورصد محللون آخرون صعود الطلب المادي على الذهب في أوروبا، وهو ما قدم دعما لسعره.

وانضم بيير لاسوند رئيس شركة نيوموند إلى المتفائلين بآفاق سعر الذهب، فهو يرى أن ترشيح الدكتور بين بيرناك لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يعتبر حدثا في غاية الأهمية ما دام أن الأمر يتعلق بالذهب.

ووصف في مؤتمر صحافي عقده في 26 أكتوبر بهدف عرض النتائج المالية للشركة خلال الربع الثالث من العام، بيرناك بأنه ينتمي إلى مدرسة شيكاغو الاقتصادية المعروفة باهتمامها بقوى السوق والتضخم.

وتنبأ لاسوند بتعرض الاقتصاد الأميركي للتباطؤ وهو ماسيحفز الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على اتباع سياسة تقوم على التأقلم والتكيف.وقدر بأن الصين ستستمر في تحدي التوقعات من زاوية طلبها على الذهب.

وتوقع أن يستمر تعرض إمدادات الذهب للتحديات نتيجة لتراجع إنتاج شركة نيومونت والشركات الأخرى الرئيسية المنقبة عن الذهب. وهو الأمر الذي سيدفع سعر الذهب إلى مستوى 525 دولارا للأونصة قبل مطلع العام المقبل.

فض الاشتباك بين الدولار والذهب

حفزت أسعار الذهب المرتفعة على ظهور تحليلات تتحدث عن فض العلاقة التاريخية بين الدولار والذهب. وقدم المحلل آدم هاميلتون مثل هذا الطرح، واستشهد في تدليله على نجاعة فكرته بأن أسعار الذهب تصعد في كل أنحاء العالم، ولا ينحصر هذا الصعود على أسعار الذهب المقومة بالدولار.

وإنما يمتد إلى أسعار الذهب المقومة بالعملات الرئيسية الأخرى كاليورو والين والجنيه الاسترليني، وهو الأمر الذي يطلق مرحلة جديدة لسوق الذهب تتمثل أبرز معالمها في انفصال الذهب عن الدولار.

وأطلق هاميلتون على هذه المرحلة الجديدة تسمية »المرحلة الثانية« تمييزا لها عن المرحلة الأولى التي اتسمت بطغيان تأثير سعر الدولار على سعر الذهب، حيث ينخفض سعر الذهب مع ارتفاع سعر الدولار، والعكس صحيح .

وشرح هاميلتون فكرته بإشارته إلى أنه في الوقت الذي سجلت فيه أسعار الذهب المقومة بالدولار ارتفاعات قياسية في ظل سوق يتجه نحو الصعود،اتجهت أسعار الذهب المقومة باليورو والعملات الأخرى نحو الصعود.

وهو أمر يعد غاية في الأهمية، لكونه يدل على أن سعر الذهب صار يتمتع بقوة ذاتية مستقلة منذ شهر يونيو الماضي، الأمر الذي يعزز فرضية أن سوق الذهب الصاعد يمر بمرحلة جديدة وهي »المرحلة الثانية".

والتي تختلف عن المرحلة الأولى السابقة عليها والتي تميزت بطغيان أثر سعر الدولار على الذهب، حيث يكون صعود سعر الذهب مدفوعا بانخفاض سعر العملة الأميركية.

ولهذا، وفي السنوات الأخيرة، جنى الذهب مكاسب سعريه على أرضية تراجع سعر الدولار وهو عملة الاحتياطي الدولية، لكن في المرحلة الثانية يكون فيها صعود سعر الذهب مدفوعا بقوة الطلب الاستثماري العالمي، وهو ما جعل دواعي وأسباب صعود الذهب منفصلة عن صعود العملة الأميركية أو تراجعها .

وساق هاميلتون الحجج للبرهنة على صحة فرضياته، شارحا بأنه خلال المرحلة الأولى، مثل خفض قيمة العملة الأميركية المسيطرة محركا رئيسيا لصعود سعر الذهب.

وعليه،سجل الذهب نجاحات خلال السنوات الأخيرة معتمدا على تراجع الدولار، لكن ومنذ انفصال الذهب عن الدولار في المرحلة الثانية، فإن كل استراتجيات المتاجرة على الذهب والقائمة على الحسابات المتعلقة بالدولار مآلها الفشل سواء عاجلا أم آجلا.

وتعتبر المرحلة الثانية من وجهة نظر هاميلتون غاية في الأهمية بالنسبة للمستثمرين، بسبب أنه من المحتمل أن يتم جني المكاسب، اعتمادا على استراتيجيات متاجرة طويلة الأجل.

ولهذا،تعد الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب بمثابة الدعامة التي تنهض عليها المرحلة الثانية، حيث يجيء منحنى الطلب على الذهب معاكسا لوضع الطلب بالنسبة لبقية السلع إذ تشهد معظم السلع انخفاضا في الطلب، عندما تصعد أسعارها ولكن في حالة الذهب، يزداد الإقبال عليه، عندما تقفز أسعاره عاليا.

وهكذا، ستدفع عمليات شراء الذهب في آسيا أو الهند أو في أي مكان آخر وهي التي ترفع الطلب على الذهب، الأسعار نحو مستويات مرتفعة، بيد أن هذه الأسعار المرتفعة ستغذي اهتمام المستثمرين بما يدفعهم إلى ضخ المزيد من الاستثمارات، وهو ما يدفع السعر نحو مستويات اعلي. وبالتالي، فإنه كلما ارتفعت الأسعار، زاد الحافز على شراء الذهب.

وخلص هاميلتون إلى أن المرحلة الثانية تتميز بأنها أشبه ما تكون بالحلقة المفرغة، حيث تدفع الأسعار المرتفعة نحو توليد الطلب، وهو ما يقود إلى المزيد من الارتفاع في الأسعار.

وأنه بإمكان المستثمرين حول العالم امتطاء موجة صعود الذهب عن طريق الشراء المادي للذهب، حيث أنه لا يوجد شيء يغري على زيادة الطلب الاستثماري سوى ارتفاع الأسعار.

لا تأثير للنفط على ربحية شركات الذهب

وفي سياق إبراز ملامح الصورة المشرقة لسوق الذهب، خلص أسكوت رايت المحلل في Zeal Intelligence LLC إلى أنه على الرغم من أن أسعار النفط المرتفعة ساهمت في رفع التكلفة بالنسبة لشركات التعدين عن الذهب، إلا أن أسعار الذهب تقفز بوتيرة أسرع من ارتفاع التكلفة، وهو ما يعتبر دعما للتوسع في خطط التشغيل.

حيث انه لا يعد أمرا جديدا القول إن دوائر الأعمال والتجارة والمعتمدة على الطاقة قد تضاعفت تكلفتها للحفاظ على دوران عجلة أعمالها بسبب ارتفاع أسعار موارد الطاقة.

وشرح رايت مضمون ما توصل إليه من استنتاجات بإشاراته إلى أن التنقيب عن الذهب ليس بالمسألة الهينة والبسيطة، ولكنها عملية تحتاج إلى استثمارات رأسمالية ضخمة واستخدامات مكثفة لموارد الطاقة، حيث إن كل خطوة في عمليات التنقيب عن الذهب تحتاج إلى أنواع معينة من الطاقة.

وبالتالي يكون العديد من المستثمرين بحاجة لأن يكونوا مبدعين في تلبية احتياجاتهم من الطاقة، حيث انه لا يتوافر لدي مناجمهم رفاهية التواجد بالقرب من محطات الطاقة في المدن الكبرى، كما تحتاج المناجم إلى كميات ضخمة من الوقود المسال لتشغيل المعدات والآلات.

وأنه بمجرد استخراج خامة الذهب من الأرض، فهي بحاجة لأن تجرى عليها عمليات معالجة، وبعد ذلك وفي معظم الحالات، يتم نقلها إلى المصافي، وتحتاج أي خطوة من هذه الخطوات إلى موارد طاقة، وبالتالي فإن أسعار الطاقة تلعب دورا حيويا في زيادة نفقات الأعمال .

وهكذا، تعتبر أسعار الطاقة المرتفعة، من وجهة نظر رايت، أحد العوامل الرئيسية المسؤولة عن الزيادة في تكلفة إنتاج أونصة الذهب، فقد قفز متوسط التكلفة للأونصة الواحدة بنسبة 50% خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وفي عامي 2001 و2002، قدرت شركات التعدين عن الذهب متوسط التكلفة النقدية بحوالي 170 دولارا للأونصة، وفي هذ العام الجاري قدروا التكلفة بأنها بلغت 250 دولار لإنتاج أونصة واحدة .

وتابع رايت تحليله مشيرا إلى أنه في عام 2001، بلغ متوسط هامش الفارق بين التكلفة النقدية والسعر الفوري للذهب بالنسبة لشركات التعدين 100 دولار للأونصة، وزاد هذا الهامش كل عام على نحو تدريجي حتى عام 2004.

فعلى سبيل المثال بلغ متوسط الهامش 142 دولاراً للأونصة، وعلي الرغم من زيادة التكلفة النقدية بنسبة 31% خلال الفترة من عام 2001 و2004، إلا أنه كان هناك زيادة في الإرباح بلغت نسبتها 84 %.

وقد تراجعت الأرباح قليلا خلال النصف الأول من العام الجاري عن المستويات المسجلة في عام 2005، إلا أن الصعود الكبير في أسعار الذهب جعل من المتوقع أن تسجل شركات التعدين أرباحا تفوق تلك التي حققتها في العام الماضي.

وخلص رايت في تحليله إلى أنه مع هذه الزيادات الضخمة في الأرباح، فإنه حتى إذا ما استمرت التكلفة النقدية في الصعود، فلسوف تواصل شركات التعدين تحقيق إرباح ضخمة، ولسوف يستمر الهامش بين التكلفة النقدية والسعر الفوري للذهب في التزايد المتواصل.

كتب مجدي عبيد: