أشارت الأرقام والإحصائيات الصادرة عن هيئة »تنمية« أن ظروف الباحثين عن عمل في مدينة دبي ليست بأفضل حالاً من المدن الأخرى، إذ يوجد فيها أكثر من ثمانية آلاف باحث عن عمل مسجلين لدى »تنمية« منهم أربعون شخصاً حاملون لشهادات عليا كالماجستير والدكتوراه.

تم رفض توظيفهم لأنهم من أصحاب المؤهلات العالية، بينما يواجه حملة البكالوريوس والدبلوم والثانوية العامة الرفض والتسويف بحجة نقص المهارات العملية والخبرات والمؤهلات.

ما يدفعهم للقبول بأي وظيفة، إن وجدت، وبأي راتب مهما كان ضئيلاً، على أمل أن يطوروا خبراتهم مستقبلاً ويصبحوا قادرين على فرض شروطهم في الراتب.

وعند الحديث عن انتشار البطالة وازدياد أعداد الملتحقين بطابور الباحثين عن العمل، أصبح من الضروري الالتفات إلى تلك الفئة التي باتت تعاني من عزوف المؤسسات والدوائر عن توظيفهم، معلنة بذلك عن خسارتها في استقطاب الكوادر البشرية الطموحة وعدم رغبتها في مساندة المواطن .

وتحمل الأعباء التي أثقلت كاهله من خلال تيسير وظيفة بسيطة تؤمن له الحياة الكريمة، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن مستقبل أعداد المواطنين في مقاعد الدراسة ومدى استيعاب سوق العمل لتلك الأعداد.

وعن إشكالية التخطيط والإعداد للقوى العاملة ومدى خطورة هذه الظاهرة التي باتت تزيد من اتساع الفجوة بين المطالبة بالتوطين من قبل الجهات وبين مشقة المواطن ومعاناته في البحث عن عمل يؤمن له الحياة الكريمة.

ويعينه على مواجهة تحديات العصر. بالإضافة إلى مصداقية الأرقام والإحصائيات التي نشرت في وسائل الإعلام وتناقلتها الأفواه.

في إطار الكشف عن ملف البطالة والباحثين عن العمل والسعي لتحقيق الأهداف الإستراتيجية التي من شأنها النظر في تلك القضية بعمق وإيجاد الحلول لخفض معدل البطالة، عكف المسؤولون في هيئة تنمية الموارد البشرية الوطنية »تنمية« للوصول إلى إصدار التقارير والمؤشرات السنوية حول الشباب حديثي التخرج والباحثين عن العمل.

وتشير التقارير إلى وجود 27 ألف شخص عاطلين عن العمل خلال العام الماضي. وبالنظر في التقارير الناتجة عن الإحصائية السنوية لعام 2004 للمتقدمين بطلبات عمل إلى »تنمية« حسب الشهادات العلمية منذ إنشاء الهيئة حتى الآن.

يتضح ارتفاع عدد الباحثين عن العمل من ذوي المؤهلات والكفاءات العالية والحاصلين على شهادات عليا منهم.وتشير الإحصائية إلى اختلاف التخصصات الدراسية للمتقدمين بطلبات عمل لدى مكتب تنمية دبي حيث بلغ إجمالي الباحثين عن عمل والمسجلين لدى مكتب دبي 8160 شخصا.

وبلغت نسبة الخريجين (حملة البكالوريوس والدبلوم العالي) في عدة تخصصات إلى 23% منهم أشخاص يعملون ويبحثون عن وظيفة أخرى ومنهم لم يسبق لهم العمل. وبلغ إجمالي حملة الثانوية العامة 45% من المجموع الكلي للباحثين عن عمل والمسجلين لدى مكتب »تنمية« دبي.

»البيان« التقت الباحثين عن عمل خلال ورشة عمل نظمها مكتب تنمية دبي حيث بلغ عدد المشاركين 25 شخصا لم يسبق لهم العمل للكشف عن معاناتهم وسعيهم للحصول على وظيفة تؤمن لهم الحياة الكريمة وتساعدهم على رفع الأعباء المترتبة على عاتق أسرهم.

الظروف حرمته من الجامعة والعمل

سالم إبراهيم ـــ مواطن لديه ظروف اجتماعية خاصة حالت دون أن يكمل دراسته الجامعية ويضيف:

إنني ومنذ سنتين أحاول البحث عن وظيفة سواء في القطاع الخاص أو الحكومي ولجأت إلى الهيئة بعد سنتين من البحث عن وظيفة وكان اهتمام الهيئة بجميع المتقدمين.

واضحاً من حيث تقديم الدورات والاتصال بنا بشكل متواصل، وأضاف أن الكثير من الشباب يفضلون العمل في قطاع الحكومة علي العمل في القطاع الخاص لأسباب معلومة منها توفر رواتب ومميزات أفضل.

وساعات عمل اقل ونظام دوام أكثر استقرارا وظيفيا بينما القطاع الخاص هو فقط اختيار نسبة قليلة من طالبي الوظائف ومع وجود هذه القلة الباحثة في القطاع الخاص مازال الكثير من أصحاب العمل في هذا القطاع غير مهتم بتوظيف المواطن .

ولا حتى بتحسين بيئة العمل لجذب الكثير من المواطنين العاطلين عن العمل والذي يشكلون عالة على أسرهم حتى بعد تخرجهم في ظل هذا التطور الاقتصادي وارتفاع المعيشة والغلاء وازدياد أعداد الخريجين من أبناء الدولة.

عاطلون عن الحياة

ويقول احمد الشحي حاصل على دبلوم مصرفي وباحث عن وظيفة، إن وضع شباب الدولة العاطل عن العمل أصبح يؤرق الكثير من الأسر فقد أصبح الكثير من الشباب العاطل يقضي وقته في المقاهي .

وفي أمور تافهة قد تدفعه إلى الانحراف، وخريج الثانوية غير متشجع ومحبط في أن يكمل تعليمه الجامعي في ظل رؤيته لنماذج من حملة الشهادات العليا العاطلين عن العمل.

وضاف: أتساءل كثيرا لماذا توجد هذه البطالة في دولة مازالت في بداية نهوضها الاقتصادي ومشاريعها الجديدة أي دورنا نحن شباب الوطن لنضع بصماتنا على كل مشروع ينهض ويحمل اسم دولتنا.

وهناك الكثير من الشباب المواطن مستعد أن يعمل في أي قطاع سواء خاص أو حكومي ومستعد أن يبدأ ولو بوظيفة بسيطة حتى يحقق الخبرة والتميز في المجال المهني. وأتمنى أن تلتفت الدولة لتناقضات سوق العمل في القطاعين.

وتقول هنا الصافي، حاصلة على بكالوريوس في علوم الإحصاء من جامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية اخترت هذا التخصص لعلمي أن هناك قلة من الحاصلين على درجة البكالوريوس في هذا التخصص.

وخوفاً من أن انضم لقافلة العاطلين عن العمل في الدولة ولكن بعد تخرجي صدمت بواقع سوق العمل الذي تتكدس فيه الكثير من التخصصات من أصحاب حملة الشهادات العليا والماجستير.

وسوق العمل الذي غالبا ما يبحث عن الخبرة وهو سوق متناقض يطلب الخبرة ويستورد من خارج الدولة من هم أقل خبرة ليوظفهم ويصرف على تدريبهم متجاهلاً حملة الشهادات العلمية المتخصصة من أبناء الدولة.

حتى الرفض غائب

وتشير فاطمة محمد حاصلة على الثانوية إلى أن الكثير من الدوائر الحكومية عندما نقدم طلبات لديها لا يتم التعامل مع الطلب بصورة مناسبة يختصر معها الباحث عن وظيفة الرجوع إلى الدائرة نفسها أو الوزارة للسؤال عن نفس الطلب، فتقول:

لماذا يجعلون طلبات الباحثين عن وظيفة تتراكم لديهم وعند سؤالهم عن الطلب لا يوجد سوى التجاهل منهم ولماذا لا يكون الرد بعد بضعة أشهر أو حتى سنة حتى يسهلون علينا عملية البحث والاتجاه إلى أماكن أخرى في حالة لا يوجد لديهم شواغر.

أساليب تعجيزية ضد المواطن

حصلت فاطمة يوسف على الشهادة الثانوية منذ سنتين، وتبحث عن عمل في القطاعين الخاص والحكومي منذ أن تخرجت، وتقول: أصبح من الصعب الحصول على وظيفة في وقتنا الحالي بالرغم من وجود الكثير من المؤسسات التي تحرص على استقطاب المواطنين، وتؤهلهم للخوض في المجال المهني.

ولكن المشكلة تكمن، على حد قولها، في الدوائر الحكومية والخاصة على حد سواء، حيث تتبع كلاهما أساليب تعجيزية للمواطن كالحصول على شهادات معينة وغالبا ما تكون صعبة، الأمر الذي يؤدي إلى التحاقهم بمعاهد للحصول على تلك الشهادات التي تخولهم للعمل. وأضافت:

بالرغم من حصولي على شهادة الثانوية العامة، بذلت جهودي لصقل مهاراتي واكتساب المزيد من الخبرات وذلك من خلال الدورات التي التحقت بها منها دورة محاسبة وكمبيوتر ولكني ما زلت انتظر الفرصة للحصول على وظيفة.

ويرى عباس محمد أن السبيل الوحيد للعمل في هذا الوقت هو التسلح بالعلم واكتساب العديد من الخبرات من خلال المشاركة في الأعمال التطوعية. حصل عباس على شهادة الإعدادية ومن ثم التحق بالجيش وشاءت الظروف أن يترك العمل لظروف خاصة.

ويؤكد بأنه كان من المواظبين على العمل آنذاك مع إشادة الكثيرين بحسن سلوكه والتزامه، ويأمل بأن يحصل على وظيفة في أية جهة حكومية أو خاصة لتوفير الراحة النفسية. ويطمح في إكمال دراسته عند التحاقه بالعمل مؤكدا أهمية ذلك في وقتنا الراهن.

وحصلت فاطمة عبد الرحمن على شهادة الثانوية العامة في عام 2003 وكانت تحلم بإكمال دراستها العليا ولكنها تفاجأت بعدم إدراج اسمها ضمن اللواتي تم قبولهن في الجامعات والكليات. ومنذ ذلك الوقت تعاني من عدم قدرتها إكمال دراستها.

وعدم حصولها على وظيفة، ناهيك عن معاناتها من رفض الجهات بتعيينها بالرغم من كفاءتها ومهاراتها التي اكتسبتها من خلال الدورات التدريبية كدورة الأعمال المكتبية باستخدام الحاسب الآلي، ودورة السكرتاريا واللغة. وتهوى فاطمة التصوير وقد تصقل هوايتها عند حصولها على العمل، فهي تطمح بتطوير مهاراتها واكتساب الخبرات في هذا المجال.

وتقول فاطمة: ارغب في العمل لدى أية جهة وبأي راتب لإعالة أسرتي ولتحقيق الراحة النفسية كما أني احلم بإكمال دراستي لمواكبة التطور الذي نشهده في بلادنا.

وتطمح نورة سعيد في إكمال دراستها عند حصولها على الوظيفة التي ستخولها للدراسة في أية جامعة أو معهد متخصص. وحصلت نورة على شهادة الثانوية العامة منذ سنة .

وقد سعت للحصول على وظيفة من خلال المتابعة المستمرة لدى الجهات التي تقدمت بطلب وظيفة لديهم وتأمل بالالتحاق في القطاعين الحكومي أو الخاص مشيرة إلى أهمية العمل لدى الجهتين لما توفره كل منهما من امتيازات وخبرات. منها دورة المحاسبة وكيفية استخدام الحاسب الآلي ولا تزال تنتظر الفرصة للحصول على وظيفة.

وأشار عيسى الزعابي مدير مكتب تنمية دبي أن »تنمية« تولي اهتماما بتوعية الباحثين عن عمل في جميع مكاتبها بطرق ووسائل البحث عن وظيفة وتوفير الدورات في حدود وإمكانيات الهيئة حيث بلغ إجمالي عدد من تم توظيفهم من المواطنين الباحثين عن عمل منذ إنشاء الهيئة وحتى ديسمبر 2004 حوالي 3100 كما تم تدريب حوالي 2900 شخص.

وأضاف أن هيئة التنمية تعمل جاهدة على تكثيف خدمات الإرشاد المهني والبرامج التعريفية حول سوق العمل ومتطلباته وسلوكياته فمكاتب الهيئة الفرعية تعقد لقاءات دورية تعريفية مكثفة للباحثين عن عمل بهدف توعيتهم حول متطلبات سوق العمل بالدولة.