أكثر ما نلاحظه حين نلتقي بشخص اعتدنا رؤيته عبر شاشة التلفزيون، اختلافه عن صورته، الاختلاف هذا بين المعرفة الشخصية والصورة التلفزيونية، يشعرنا بأن الشخص الذي كنا نخال أننا نعرفه، هو شخص آخر، لكننا لم نشعر، حين التقينا بمارسيل غانم، بأننا لا نعرفه.
ولم نعرف ان كان سبب ذلك قدرته على أن يكون طبيعيا في برنامجه الذي يقدمه منذ أكثر من عشر سنوات، ام قدرته على أن يكون، في الحياة، شبيها بالصورة التي يظهر بها علينا عبر الشاشة الصغيرة كل يوم خميس.
الاثنان معا. فالبرنامج، هو أيضا، شكل شخصيته، تماما كما شخصيته شكلت البرنامج. هما، أي مارسيل غانم وبرنامجه، كبرا معا، كما صديقين أو أخوين. تغيرا معا، وأصبحا معا.
مواضيع كثيرة طرحت على مارسيل غانم في حوارنا الطويل معه أشياء كذبت وأخرى بقيت بين الذاكرة، وكانت هذه السطور:
»البرنامج جعلني أشعر بنفسي في مرحلة ما. ولكنني أعيش حاليا سلاما داخليا وأصبحت على قناعة ان الهدف هو الإنسان« بهذه الكلمات يصف غانم النضوج الذي وصل إليه بعد 10 سنوات.
ولا يخفي سعادته بالنجاح الذي حققه باستمرار برنامجه على رغم التقلبات السياسية وخطورة العمل الصحافي طوال المرحلة السابقة واحتلاله المرتبة الأولى بين البرامج بحسب شركات الإحصاء.
لقد أسدل الانسحاب السوري من لبنان في 26 أبريل الماضي الستار على حقبة وأطلق مرحلة أخرى. الفاصل بين الحقبتين دفع غانم والقيمين على برنامج »كلام الناس« إلى تركيز العمل في الفترة المقبلة على خطين: جزء يتعلق بالماضي والمحاسبة على الأخطاء، وآخر ينفتح على آفاق المستقبل والمتغيرات.
عن هذه الخطوة الجديدة يقول »هناك شيء جديد في البلد، لم تعد هناك تدخلات وسلطة أمنية مركزية تحاسب وتراقب. ولكن للأسف تسارع التطورات يدفعنا إلى تأجيل هذا العمل . لا يمكن البدء بإطلالة جديدة للبرنامج إذا كنا ما زلنا نعيش التطورات اليومية التي لها علاقة بتداعيات 14 فبراير«.
لست بطلا
تسربت أخبار كثيرة وإشاعات عن تدخل للأجهزة الأمنية اللبنانية ـــ السورية في الشاردة والواردة في لبنان. ولم يكن الإعلام بمنأى عن هذه الاملاءات.
»يمكن ان أقول انني كنت ارفض ولم اخضع للضغوط.
ولكن الحال ان أحدا لم يتصل بي إطلاقا. لم أكن بطل حريات ولا جباناً. كل وسائل الإعلام في لبنان عملت من ضمن هوامش اللعبة« بهذه العبارات يرد غانم على الإشاعات وهو ينفي نفيا قاطعا ان يكون قائد جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية التي كانت عاملة في لبنان أملى عليه ضيوف البرنامج.
ربما هذا الهامش الإعلامي يضيق حينا ويتسع أحيانا. وما بين السماح والمنع بقيت أفكار ومقاطع وربما حلقات في الأدراج ولم تعرض سيتمكن المشاهد اللبناني والعربي من رؤيتها في حلقة خاصة في المستقبل القريب. »تطور الظرف السياسي بات يسمح بذلك« بحسب غانم.
البعض يحمل عليه انه يبتسم أكثر من اللازم ربما خلال حلقاته. أما هو فيرى أن تقديمه مادة سياسية جافة لمشاهدين صغارا وكبارا، من عمر 12 عاما وحتى الثمانين يتطلب منه الليونة حينا والحسم حينا آخر.
ويقول »عندما تقتضي الظروف ان أكون حازما وحاسما على الهواء أكون كذلك، وإذا مررت في لحظة تقتضي الضحك أو الابتسام أو طرح سؤال بطريقة ما، أقوم بذلك«.
يلفت غانم إلى انه يتصرف بعفوية ومهنية على الهواء. وهو يعطي مثالا مقدم البرامج الأميركي لاري كينغ الذي يضحك على الهواء ثم يكمل برنامجه بشكل عادي. ويعتبر انه ليس عليه ان يقمع نفسه ولا يبتسم أو يتأثر بموضوع ما.
ويكشف غانم عن انه خضع لفترة اختبار لمدة شهر عبر فريق متخصص في الاستفزاز قبل بدء برنامجه، وعمل على تنمية قدرته على ضبط انفعالاته، وعدم الرد على الشتائم والسباب.
اتكال على الغباء
من مشاريعه المستقبلية انه يريد تدريب السياسيين في العالم العربي ولبنان على الاختصار بالكلام والدخول مباشرة في صلب الموضوع. لأن المشكلة الكبيرة بنظره هي الإسهاب في الكلام من دون الدخول في صلب الموضوع.
ويقول غانم »أصبح الضيف يتكل على غباء بعض الصحافيين وأنهم لا يحضرون ملفاتهم. واخطر شيء عندما يستخف الضيف بقدرات المحاور، فيستسهل الدخول في اللغات الخشبية«.
يضيف »بعض الضيوف لا يشارك في »كلام الناس« ويستسهل المشاركة في برامج أخرى حيث الحوار اقل سخونة، فيما انا احضر ملفي بدقة أكثر من غيري. أنا أعيش هاجس برنامجي.
لا اخرج يومي الأربعاء والخميس من المنزل وانكب على التحضير والدخول في أجواء الحلقة. »افلفش« أوراقي في أنحاء المنزل وابدأ في ترتيبها بحسب المحاور. ربما يرى البعض أنني أبالغ ولكن هذه طريقتي«.
نصر الله الأذكى
في مسيرته الإعلامية المرئية التي تمتد لأكثر من عقد استضاف غانم مئات الضيوف. اما الضيف الذي كان أذكى منه فهو الأمين العام لـ »حزب الله« حسن نصر الله والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عندما كان وزير خارجية مصر. هناك أشخاص، حسب غانم، حادي الذكاء وسريعي البديهة يعرفون كيفية امتصاص السؤال.
يتحدث غانم عن إحدى حلقاته ويقول في مقابلة لي مع نصر الله طرحت عليه سؤالا بصيغ مختلفة عن مصير سلاح المقاومة بعد الانسحاب الإسرائيلي ولم احصل منه على جواب. قال لي لماذا تحاول استدراجي إلى إجابة لن تحصل عليها؟ أرى أن هذا هو عملي ان احصل من الضيف على إجابة على سؤال يدور في هواجس الناس.
لم يستدرجه احد لسؤال فخ لكنه يتذكر انه استدرج الوزير السابق محمد يوسف بيضون انطلاقا من بعض التحليل لأجواء جلسة مجلس الوزراء.
فتحدث بيضون عن محضر جلسة مجلس الوزراء كاملا. ظن أنني اعرف ما حدث. عند استعمال وثيقة يظن الضيف انك تمتلك وثيقة أخرى. هذا جزء من المناورة أثناء إدارة الحوار وهذا شيء مهم جدا.
ولديه أرشيفه الخاص الذي يستند إليه دوما، فضلا عن مجموعة مصادر معلومات، لم يخذلها يوما، حسب قوله، وهو يعرف كيفية تصفية المعلومات وانتقاء المعلومة الأفضل، ولا يجد حرجا في الاستفسار أحيانا كثيرة عن المعلومات خصوصا في الملفات الاقتصادية.
نوعية الموضوع
لم يعد تركيز مارسيل غانم على نوعية الضيوف بقدر ما هو على الموضوع المطروح. الضيف يساعد في تسويق العرض التلفزيوني، ولكن علينا الاتكال أيضا على المادة.
والنقد الذاتي يرافقه بعد كل حلقة . وهو يعتبر انه فشل مرات عدة وكان يمكن ان يستخرج من الحلقة معلومات أفضل، وحلقات كثيرة كان يراهن عليها فيتضح له أنها كانت »من أسخف الحلقات«. لا يحب ان يخطئ ولكنه يستفيد من الأخطاء في معالجة المواضيع ويستفيد من خلل سابق في التحضير للحلقة المقبلة.
مؤسسة للناس
فريق »كلام الناس« مؤلف من أشخاص عدة ومكتب المراجعات يعمل بشكل دائم ليكون هناك تواصل بين المواطن والمسؤول. العديد من المشكلات لا تطرح على الهواء وتحل مع المعنيين.
ويكشف غانم انه على أبواب تحويل عمله إلى مؤسسة تعنى بملاحقة شؤون الناس بشكل مجاني في لبنان والعالم العربي، بعد سيل المراجعات التي يتلقاها البرنامج ومنها مثلا مراجعة من إحدى الفلسطينيات في الصومال تطلب حلا لمشكلة صعبة مع سفارة بلادها.
وبعد سنوات من العلاقات مع السياسيين هل يفكر غانم في دخول المعترك السياسي؟ يشير غانم الى ان احد السياسيين الراحلين عرض عليه دخول المعترك السياسي ورفض ذلك معتبرا ان الناس تثق بالإعلاميين أكثر من السياسيين. وهو يريد المحافظة على ثقة الناس به، لم يفصح عن اسم الشخصية التي قدمت إليه العرض، ولكن فهم انه رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
غانم الذي لم يحقق بعد ما يطمح إلى تحقيقه، حسب قوله، يريد العودة إلى الشارع وخدمة قضايا الناس. ربما سيحمل آلة التصوير بنفسه في المستقبل وينزل إلى الشارع للبحث عن موضوع. رسالته ربما ألا يكون مقدم برامج.
بيروت ـــ كبريال مراد وفراس زبيب: