أنهى الرئيس الأميركي جورج بوش »لعبة مضاربة« الأسواق على الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطيي الفيدرالي الأميركي الذي سيخلف آلان غرينسبان الرئيس الحالي والذي قضى في المنصب زهاء 18 عاما، ترك خلالها بصمات على الاقتصاد الأميركي، وضعته بين مصاف الرموز المالية العالمية ذات العيار الثقيل. ووقع اختيار الرئيس الأميركي على بيرناك رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، وعضو مجلس محافظي مجلس الاحتياطي الأميركي.
واستقبلت الأسواق نبأ التعيين بطريقتها الخاصة، إذ ارتفعت أسعار الأسهم والسندات، وتراجع الدولار، وهي ردة الفعل نفسها للسوق على نبأ تعيين غرينسبان عندما خلف بول فولكير،حيث هبط آنذاك الدولار بنسبة 1.7 %، وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز بنسبة 0.5%،
وارتفعت هوامش العوائد على سندات الخزينة بما يتراوح بين 25 و35 نقطة. ويعكس هذا الاستقبال حالة عدم اليقين التي تسود السوق بشأن الشخصية الجديدة التي تتولى إدارة دفة السياسة النقدية الأميركية، حيث اعتادت الأسواق تكوين صورة نمطية عن هذه الشخصية على نحو تدريجي وبناء على الطريقة التي بها يتفاعل مع السوق.
وعلى هذه الأرضية، تطرح التساؤلات ذاتها التي لازمت الفترة الأولى من تعيين غرينسبان في منصب رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتدور هذه التساؤلات في مجملها حول ما إذا كان الشخص الجديد قادرا على ملء الفراغ،
أو بعبارة أخرى، ووفقا لمصطلحات السوق، ما إذا كان الشخص الجديد قادرا على انتعال حذاء سلفه وتلاحق التساؤلات ذاتها بيرناك، خاصة حول قدرته على ملء الفراغ الذي سينشأ عن تقاعد شخصية من العيار الثقيل من نوع غرينسبان، ومدى قدرته على الاضطلاع بمسؤوليات هذا المنصب المهم في العالم.
وواصلت السوق لعبة المضاربة في اتجاهات أخرى، وصارت تكهنات السوق تنصب حول نوعية السياسات النقدية التي سوف يتبعها بيرناك المعروف في الأوساط المالية والأكاديمية بأنه من المناصرين لنظرية »وضع رقم مستهدف للتضخم« كإطار للسياسية النقدية، وتقوم هذه السياسة على فكرة بسيطة،
مؤداها أن يقوم البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي) بالإعلان عن رقم مستهدف للتضخم في المستقبل، ويستخدم كل المعلومات وأدوات السياسة النقدية المتاحة لتحقيق هذا الهدف، وتقوم دول عدة مثل كندا وفنلندا ونيوزيلندا واسبانيا والسويد والمملكة المتحدة بتجربة أنماط متعددة من سياسات معدل التضخم المستهدف. ويعتبر هذا الإطار مغريا بوجه خاص لأنه يعطي البنك المركزي أو الحكومة هدفا محددا تماما ويحدد الأدوات اللازمة لتحقيقه.
وعلى المنوال نفسه، وكما هو معتاد ومألوف، واصلت السوق لعبة المضاربة في اتجاه التكهن بما ستكون عليه معدلات الفائدة الأميركية، وتثور توقعات بأن يواصل البنك رفعه للفائدة لتصل الى 4% خلال اجتماعه في مطلع نوفمبر الجاري، مع احتمال قيام البنك بإجراء رفع آخر للفائدة خلال شهر ديسمبر لتصل الى 4.2%.
وتسود السوق توقعات بأن معدل الفائدة سيرتفع الى 5% خلال العام المقبل وتتوازى مع هذه التوقعات تكهنات تشير بأنه من المحتمل بشكل كبير أن يواجه الاحتياطي الفيدرالي ضغوطا تلجمه عن مواصلة سياسة رفع الفائدة خلال العام المقبل،
وأنه من المتوقع أن يمتنع بيرناك عن إجراء المزيد من الرفع في أسعار الفائدة خلال العام الأول من توليه منصبه ما لم تطرأ أحداثا تغير من صورة الاقتصاد الأميركي. وفي السياق ذاته، تثور توقعات بأن الرئيس الجديد للبنك سيواجه خلال عامه الأول أزمة اقتصادية ومالية ضخمة على غرار أسلافه بمن فيهم غرينسبان نفسه.
نهاية لعبة المضاربة
جاء قرار الرئيس بوش بترشيح بيرناك ليخلف آلان غرينسبان في منصب رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ليضع نقطة النهاية للعبة السوق في التكهن بالشخصيات التي من الممكن أن تكون مرشحة لتولي هذا المنصب، لاسيما وان موعد 31 يناير 2006، وهو موعد نهاية فترة تولي غرينسبان لمنصبه، يعد من الأحداث البالغة الأهمية في أجندة أعمال الأسواق المالية،
فعلى مدار عقديين كاملين تقريبا تربع آلان غرينسبان على قمة هرم السلطة في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والذي يعد أكثر البنوك المركزية في العالم أهمية، وخلال تلك الفترة ظهر جيل كامل من التجار والمستثمرين الذين تطورت أعمالهم، لا يعرف أحدا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سوى غرينسبان.
وقد أثرت قرارات غرينسبان ليس على الأميركيين فحسب، ولكن على كل مستثمر في الأصول المقومة بالدولار سواء أكان شركة أو شخصا. فعلى سبيل المثال، في سوق العملات الأجنبية، يتم التداول على 1.9 تريليون دولار يوميا،
ويتم 89 % من هذه الصفقات بالدولار الأميركي. وهو الأمر الذي يوضح التأثير الضخم الذي مارسه آلان غرينسبان على الأسواق المالية العالمية، حيث دأبت الأسواق على فحص وتحليل كل شيء يصدر عنه بدءا بالشهادات التي يدلي بها أمام الكونغرس، ومرورا بكلماته في المناسبات المختلفة، وانتهاء بتحليل ما لم يقله أو يتفوه به.
ومنذ توليه منصبه، تمكن غرينسبان أن يبحر بالاقتصاد الأميركي الى شاطئ الأمان، رغم العواصف العاتية التي واجهته، بدءا بانهيار سوق الأسهم في عام 1987، والارتفاع الفائق في أسعار النفط خلال حرب الخليج الأولى في عام 1991، ومرورا بانفجار فقاعة ناسداك لأسهم تكنولوجيا المعلومات، وانتهاء بأحداث الحادي عشر من سبتمبر بما خلفته من مضاعفات سلبية على الاقتصاد الأميركي.
وفي خضم هذه الأزمات الصعبة، تمكن غرينسبان من قيادة الاقتصاد الأميركي الى بر الأمان، بأسلوب يتميز بالهدوء والعقلانية، الأمر الذي وضعه في مكانة سامية ليس بالنسبة للمستثمرين سواء كانوا صغارا أم كبارا فحسب، وإنما كذلك بالنسبة للشخصيات السياسية العالمية.
وما عزز مكانته الفريدة أنه تمكن خلال فترة توليه منصبه كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أن يجعل الاقتصاد الأميركي يسجل نموا متواصلا على مدى ستة عشر عاما من إجمالي سبعة عشر عاما قضاها غرينسبان في هذا المنصب، وهو الأمر الذي أكسبه احترام الأسواق المالية أكثر من أي شخص آخر.
ولكونه عمل كرئيس للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في ظل أربع رئاسات اميركية، بما في ذلك الرئاسة الحالية، استطاع غرينسبان أن يحافظ على استقلاليته بيسر وسهولة.
وعليه، اعتقد البعض أن انتهاء مدة رئاسته للاحتياطي الفيدرالي الأميركي يتيح الفرصة للرئيس الأميركي بأن يقوم بالتقاط أي شخص يرغب في التعاون معه، وأن يتجنب اختيار المنتقدين لسياسته الاقتصادية، وهو ما يضر في نظر البعض بالولايات المتحدة ومصداقية الدولار في الخارج،
باعتبار أن هذا المنصب يحتاج الى وجود فواصل تفصل بين من يتولاه والعمل السياسي بحيث لا يلقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفس مصير وزارة الخزانة التي فقدت الكثير من مصداقيتها والتي بات ينظر إليها على أنها لا تعدو شيئا سوى انها أداة تنفيذية للإستراتيجية الكبرى للرئيس نتيجة للخلط بينها وبين العمل السياسي.
وتبرز أهمية الحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في ضوء ما تعاني منه الميزانية الأميركية من عجز ضخم، وهو ما يجعل الإدارة الأميركية مهتمة بالحفاظ على معدل الفائدة عند مستوى منخفض لكي تحول دون وصول تكلفة خدمة الدين الى مستويات فلكية.
ولهذا يحبذ السياسيون مستويات فائدة منخفضة، وتلك هى إحدى حقائق الحياة اليومية على حد قول سوزان فيليبس عضوة مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وبالتالي فان خفض الفائدة يشكل خطرا على الاقتصاد الأميركي، من ناحية أنه قد يؤدي الى فقاعة تكون قابلة للانفجار على المدى الطويل.
وهذه الخلفية والمؤهلات التي تمتع بها غرينسبان، جعلت السوق شغوفا بالتكهن بشأن الشخصيات التي يمكن أن تخلفه في هذا المنصب المهم. وتصدر المرشحين لخلافة غرينسبان ثلاثة شخصيات رئيسية، وهي بين بيرناك محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وجلين هيبارد عميد مدرسة كولومبيا للأعمال، ومارتين فيلدستين الاقتصادي بجامعة هارفارد.
وما يجمع هذه الشخصيات الاقتصادية الثلاث هو فهمهم الحذق للكيفية التي تدار بها الأمور في واشنطن، علاوة على قاسم آخر مشترك وهو أن كل واحد منهم قدم المشورة والنصيحة للرئيس بدرجات متفاوتة، وهو أمر قد ينظر إليه على أنه ينطوي على مخاطر محتملة تتعلق بمستقبل استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي،
وتشتمل مواصفات من يتولى هذا المنصب أن تتوافر لديه القدرة على التعامل مع الاضطرابات المالية في أي وقت وفي أي مكان، وان يتمتع بالمصداقية في دوائر المال والأعمال، وان يجيد سياسيا فن بناء الإجماع، كما أنه من المرغوب أن يمتلك خبرة في مجال الأعمال،
وأن كان توافر هذا الشرط ليس ضروريا، وفي رأي لورانس ماير العضو السابق في مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يحتاج رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن يكون راغبا في التقيد بالقواعد في الأوقات العادية، ولكنه لا يتردد في التخلي عنها والعمل بغيرها في ظل الظروف غير العادية.
اختيار بيرناك
وفاز بيرناك في سباق الترشيح لهذا المنصب ليسطر مرحلة جديدة من حياته المهنية التي بدأت عمليا بحصوله على درجة الدكتوراه، حيث قضى فترة طويلة من مشواره المهني يعمل في تدريس الاقتصاد والشؤون العامة بجامعة برينكتون، ونال بيرناك القسط الأكبر من الشهرة خلال عمله في مجلس محافظي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي،والذي خدم فيه منذ 5 أغسطس 2002،
وبوصفه عضوا في المجلس فقد تم تصعيده سريعا خلال فترة وجيزة، وتعتبر خطبه وأحاديثه الأكثر تحليلا من جانب المتابعين لشؤون بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وذلك بعد خطب آلان غرينسبان.وتتضمن مواقفه الأكثر شهرة، إيمانه الصارم بالسياسات النقدية التي تستهدف التضخم، وهو ما يعارضه غرينسبان.
كما أنه معروف في الصحافة باسم »بين المطبعي« وهو لقب موضع انتقاد شديد من جانبه، لأنه وعد بوضوح بطبع النقود كوسيلة لزيادة السيولة، وتوليد التضخم، وساهم بيرناك في تشكيل معالم الجدل السياسي بخصوص خفض معدل التضخم، وساعد في صنع القرارات الخاصة بخفض معدلات الفائدة الى 1% وهو أدنى مستوى على مدى 45 عاما.
وتشير الأعمال الأخرى لبين بيرناك الى تحمسه لإدراج أكثر من مؤشر في النماذج المستخدمة في تحديد السياسة النقدية من اجل إنجاز استقرار اقتصادي أكثر كفاءة، وقد درس هذه الإمكانية على مدى أعوام، وكتب أوراقا بحثية توضح أساليب التنفيذ الممكنة.
ومع تهيئه لتولي منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، نظر كثيرون الى هذا الأمر على أنه مجرد منصب انتقالي أولي، يتم اختباره فيه قبل أن يقوم الرئيس الأميركي جورج بوش بتعيينه رئيسا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وذلك أسوة بغرينسبان الذي تولى ابان عهد الرئيس الأميركي فورد منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين.
تكهنات حول السياسة النقدية
ولكن قرار بوش بترشيح بيناك لم يخمد نزعة السوق نحو التكهن بالنهج الذي سيتبناه الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وتثور في هذا الصدد العديد من التوقعات التي يمكن إيجازها في التالي:
أولا: هناك اتجاه يقدر بأنه من المحتمل أن يتبني بيرناك سياسة نقدية تستهدف التضخم، مما يضع بنك الاحتياطي الفيدرالي في مصاف البنوك التي تستهدف التضخم كالبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا.الأمر الذي سيجعل السياسة النقدية أقل مرونة وأكثر تشددا من السياسة الحالية،
كما يجعلها أكثر شفافية بالنسبة للجمهور، وهو ما قد يعزز الآمال في تحقيق المصداقية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. ويفسر هذا الاتجاه عبارات الترحيب والثناء التي أمطرها رئيس البنك المركزي الأوروبي ومحافظ بنك انجلترا على بيرناك، إثر إذاعة خبر ترشيحه بأنها تعبر عن تقديرهما بأن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي يعد أهم البنوك المركزية في العالم سيصبح عضوا في نادي الدول المتقدمة التي تضع رقما مستهدفا للتضخم كإطار للسياسية النقدية.
ثانيا: تكهنت المذكرة التحليلية الأسبوعية الصادرة عن مؤسسة investica.co.uk أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيظل مهتما بضغوط التضخم على المدى القصير وذلك في ضوء تزايد المخاوف من أن يؤدي الصعود في أسعار النفط على النحو الذي شهده شهر سبتمبر الى زيادة ضغوط الأسعار، وهو ما سينجم عنه ارتفاعات في معدل التضخم خلال الأشهر القليلة المقبلة،
كما توقعت أن يكون نمو الاقتصاد الأميركي عرضة للتراجع لدرجة معينة، كنتيجة لانخفاض معدل نمو إنفاق المستهلك، وذلك على الرغم من ان اعادة أعمار المناطق التي ضربتها موجة الأعاصير سوف تعوض التراجع في إنفاق المستهلك. وبالتالي سوف يواجه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مهمة صعبة في إحداث التوازن بين متطلبات كبح التضخم، ومتطلبات تعزيز النمو الاقتصادي.
وقدرت المذكرة بأنه سوف يكون هناك المزيد من القيود السياسية على مواصلة سياسة رفع الفائدة الأميركية، خاصة مع تولي شخص جديد منصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي محل آلان غرينسبان الذي ستنتهي فترة رئاسته في مطلع العام المقبل.
وتخلص المذكرة الى أن هناك احتمالا كبيرا بأن يقوم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بإجراء المزيد من الرفع في معدل الفائدة خلال اجتماعه المقبل في بداية شهر نوفمبر المقبل. كما أن هناك احتمالا بنسبة 50 % أن ترفع الفائدة مرة اخرى في شهر ديسمبر. وبالتالي توجد فرص حقيقية بألا تشهد الفائدة الأميركية أية زيادات خلال عام 2006.
ثالثا: برز اتجاه يرى في اتباع بيرناك سياسة نقدية تستهدف التضخم من شأنه ان يحرم البنك من أدوات متعددة ومتنوعة، حيث ستكون قيادة بيرناك لبنك الاحتياطي الفيدرالي نحو سياسة نقدية تضع هدفا واضحا لمعدل التضخم، فان هذا من شأنه ينطوي على مخاطرة التركيز المفرط على التضخم، من خلال تتبع الأرقام الوثيقة الصلة بالتضخم سواء على مستوى الأسعار أو مستوى الأجور،
وذلك على حساب تجاهل أهداف البنك الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة الخاصة بتحقيق أعلى معدل توظيف ممكن واستقرار الأسعار، وفي هذه الحالة، فإنه إذا ما إذا كان رقم التضخم المستهدف تجاوز مستوى 2.0 %، يمكن توقع أن يكون هناك رد فعل إيجابي من جانب الدولار على أرضية توقع المزيد من رفع معدل الفائدة، ولكن في حالة انكماش معدل التضخم، فان الأمر سوف يكون على غرار عام 2003 عندما أقترح بيرناك أن تقوم طائرة هيلكوبتر بإلقاء الدولارات.
ويخلص هذا الاتجاه الى أن هناك حالة من عدم التأكد بشأن نوعية السياسة النقدية التي سيتبعها بيرناك، ففي الماضي وقف بيرناك بقوة مع موقف خفض سعر الفائدة الى 1% لتجنب خطر الانكماش، أو تهاوي مؤشر سعر المستهلك. ومع ذلك، فهذا ليس معناه أنه من الحمائم، فهو من المحتمل أن يكون مصمما وبنفس تصميم الاخرين على وضع السدادة على صعود مؤشر سعر المستهلك،
وهذا ما يجعله ينسجم مع هدفه الخاص بوضع سياسة نقدية تستهدف التضخم، وهو في حالة ما إذا تم تبنيها بشكل واضح، فإنها ستولد المخاوف بشأن فقدان بنك الاحتياطي الفيدرالي جانبا من مرونته، ومع ذلك هناك نقطة مثيره للجدل وتتعلق برقم التضخم المستهدف،
حيث يفضل أعضاء لجنة السياسة النقدية وضع أرقام مستهدفة للتضخم على المدى المتوسط، حتى يحافظوا على مرونة السياسة النقدية، وبالتالي، فإن تبني رقم مستهدف للتضخم سيعتمد على مدى التوافق داخل لجنة السياسة النقدية.
خامسا: وفي المذكرة التحليلية الصادرة عن مؤسسة stpac Institutional Bank ، قدرت بأن البعض قد ينظر الى بيرناك على أنه من الحمائم، على اعتبار أنه يعد من المؤيدين لمبدأ محاربة الانكماش في بداية عام 2003،
وفي وقت لاحق من هذا العام وعلي وجه التحديد في شهر يوليو، قال »حتى لو تعافى الاقتصاد سريعا خلال الفترة المتبقية من العام، فان قلة النشاط الاقتصادي قد تقود الى انكماش متواصل«، ولكن في الوقت الحالي تتصاعد مخاوف التضخم وليس الانكماش.
سادسا : قدرت آراء بأن ترشيح بيرناك يعبر عن استمرارية النقدية الأميركية، حيث يرى آليكس بيزيلين المحلل في Ruesch International أن بيرناك هو استمرار لغرينسبان، حيث ينطوي الأمر على مخاطر إذا ما جيء بشخص لا تعرفه الأسواق. وفي الإطار ذاته توقع دافيد ويس كبير الاقتصاديين في Standard & Poor's أن يتبع بيرناك مسلكا مماثلا للنهج الذي اتبعه غرينسبان فهو من المؤيدين لغرينسبان خلال فترة تواجده في مجلس محافظي البنك ومتعاطف مع وجهات نظره بشأن معظم قضايا السياسة النقدية.
أزمة العام الأول
ويبدو أن الرئيس الجديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيواجه مناخا اقتصاديا مليئا بالصعوبات، فمن جانب تثور المخاوف بشأن صعود معدل التضخم، حيث ارتفعت أسعار المستهلك 1.2 % في سبتمبر الماضي، دافعة بذلك معدل التضخم السنوي الى 4.9 % وهو أعلى معدل منذ 15 عاما، وارتفعت أسعار المنتج بنسبة 1.9 %، وهو أعلى معدل لزيادة شهرية على مدى 20 عاما،
وأرتفع مؤشر القوة الشرائية على أساس شهري بنسبة 0.3 %، وتثور مخاوف من حدوث قفزة في تكاليف الطاقة ومواد الخام، وهو ما سيؤدي الى تغذية الضغوط التضخمية خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي هذا الإطار أظهر مؤشر ظروف الأعمال الذي يضعه بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا صعود التضخم على نحو كبير، حيث قفز مؤشر الأسعار الى 67.6 نقطة من 52.7 نقطة، وهو اعلى مستوى يسجل على مد ربع قرن.
ومن جانب آخر، سيواجه الرئيس الجديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي آفاقا للنمو الاقتصادي محفوفة بالمخاطر، حيث لدى البنك تفويض مزدوج بأن يعمل على الحفاظ على استقرار الأسعار وأن يعمل على تحقيق أعلى معدل توظيف ممكن، وسوف يكون البنك في موقف صعب، إذا ما حدث ارتفاع في معدل التضخم،
في وقت يتعرض فيه النمو الاقتصادي الى التراجع، حيث سيكون البنك واقعا تحت وطأة نوعين متضاربين من الضغوط، وبالتالي، من المحتمل أن يواجه النمو وضعا صعبا ناجما عن مستويات إنفاق المستهلك، خاصة فيما يتعلق بمعدل الادخار الذي يقف بالفعل عند مستوى متدن، ومن ثم، سـتؤدي أية صدمة على مستوى الدخول الى خفض معدل نمو الانفاق.
حيث واصل مؤشر ثقة المستهلك تدهوره على مدى الأسابيع القليلة الماضية، ومع توفر القليل من الدلائل والعلامات التي تشير الى التعافي من صدمة موجة الأعاصير التي ضربت الساحل الأميركي، وبالتالي تبرز المخاوف بشأن مستويات ثقة المستهلك واتجاهات إنفاق المستهلك، خاصة، إذا ما تواصلت أسعار الطاقة المرتفعة، إذ سيترتب عليها، انخفاض حاد في دخول الأسر الأميركية.
وفي الغالب يواجه رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال العام الأول من توليه منصبه أزمة ضخمة، فقد تولي آرثر بيرنيز منصب رئيس البنك بدءا من مطلع فبراير 1970 ليشهد ركود السوق في عقد التسعينات، ونشوب أول أزمة نفطية في عام 1973، وعندما خرج من منصبه في 6 أغسطس 1979، واجه خليفته بول فولكير مشكلة تصاعد معدل التضخم برفع معدلات الفائدة،
وقد نجح في كبح ضغوط التضخم، ولكن الاقتصاد الأميركي تعرض لدورة الركود خلال الفترة 1979- 1982، بل واجه غرينسبان نفسه خلال العام الأول من تولية منصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أزمة انهيار سوق الأسهم في عام 1987.
وبالتالي،وفي ظل عجز الموازنة الغير عادي في الوقت الحالي، وعدم اليقين بشأن آفاق الوضع الاقتصادي، لن يكون الأمر بالمفاجأة أن يواجه رئيس بمجلس الاحتياطي الفيدرالي أزمة ضخمة خلال العام الأول من توليه منصبه.
كتب مجدي عبيد

