أعرب خبراء مصرفيون دوليون عن قلقهم من أن تدفق الأموال من الدول المستهلكة للبترول إلى الدول المصدرة له قد يثير المخاوف من أن يكون العالم على شفا كساد مثل الذي حدث في السبعينات، عندما ارتفعت أيضاً أسعار البترول.

لكن خبراء نقلت عنهم صحيفة »التايمز« البريطانية قالوا إن دول الشرق الأوسط في وضع أفضل حالياً لإنفاق هذه الأموال، مقارنة بربع قرن مضى عندما وقعت أزمة البترول في مطلع السبعينات.

وقالت الصحيفة إن مبيعات سيارات بنتلي ومجوهرات بيوت الجواهر العالمية هي مؤشرات مهمة على حجم ثروة دول الخليج، لكن الإشارات الأهم من ذلك تظهر بين خبراء البنوك من الارتفاع غير العادي لأسعار البترول الخام خلال العام الحالي، فالدول المصدرة للبترول كدّست أموالاً هائلة في البنوك لأنها لم تستطع إنفاق الأموال التي تدفقت عليها في السبعينات.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن تحصل الدول المصدرة للبترول في الشرق الأوسط وآسيا خلال العام الحالي على 600 مليار دولار (340 مليار استرليني) من مبيعات البترول. وسوف تنفق هذه الدول من هذه الأموال 350 مليار دولار لاستيراد السلع والخدمات من الغرب، وبذلك يكون الفائض 250 مليار دولار، وهي أموال تبحث عن مكان تستقر فيه.

فقد تكون الإيداعات محلية على المدى القصير، فضلاً عن الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية، وفق ما يقوله محسن خان مدير الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي. وأضاف خان أن الإيداعات ترتفع بشكل كبير حيث بلغت 80 ـ 100 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الحالي.

وحجم هذا الفائض النقدي يثير الدهشة في سوق النقد الأجنبي حيث تزايد الانفعال والإثارة بشأن ارتفاع العجز المالي بين المستهلكين الأميركيين المثقلين بالديون والذين يدخرون أموالاً كبيرة في دول آسيا النامية. وقد بلغ فائض الحساب الجاري لدى الدول الرئيسية المصدرة للبترول 84 مليار دولار في عام 2003 مقابل 289 مليار دولار حالياً.

غير أن بنك مورجان ستانلي الاستثماري توقع أن يصل حجم الفائض المالي لدى دول الأوبك (مجموعة الدول المصدرة للبترول) إلى مستوى الفائض لدى الدول الآسيوية، أي يصل إلى نحو 450 مليار دولار في الجانبين. ويعتقد صندوق النقد الدولي أن دول البترول في الشرق الأوسط سوف تتفوق على النمور الآسيوية بحلول نهاية العام الحالي في هذا المجال، حيث تصبح إيداعات هذه الدول هي المصدر الرئيسي للعجز الأميركي.

ويذكرنا التدفق والتكدس المالي لدى دول البترول حالياً بالركود الذي حدث في السبعينات والثمانينات عندما أدت القروض إلى الدول النامية إلى أزمة الديون الشهيرة.

ويقول خان من صندوق النقد الدولي إن تحويلات الأموال الهائلة من الدول الغربية إلى دول الخليج وسيبيريا تحمل مخاطر هائلة. ويوضح قائلاً: "بمجرد أن تبدأ التحويل من دخول الذين لا يستطيعون الادخار (أميركا) إلى الذين يستطيعون الادخار بكميات كبيرة (الدول المصدرة للبترول) يحدث الركود فوراً".

وقد يؤدي ركود الأموال وتكدسها إلى دفع الاقتصاد العالمي إلى الكساد مرة أخرى، ويشكل ذلك على المدى القصير تحدياً كبيراً للخزانة الأميركية، التي ستكون تحت ضغط هائل للدفاع عن العملة الأميركية أمام المستثمرين بالبترودولارات، أو الدولارات المكدسة من صادرات البترول.

وأعرب بنك مورجان ستانلي عن القلق من أن الدول المصدرة للبترول سوف تكون أقل مسؤولية من البنوك المركزية الآسيوية وتبدأ في بيع الدولارات في إشارة إلى عدم اهتمامها بدعم الدولار.

وإذا كان العالم حريص على تجنب ما حدث في الثمانينات، لابد من إعادة تدوير البترودولارات في أسواق الاستهلاك. ويعتقد خان أن دول الشرق الأوسط المصدرة للبترول مؤهلة بشكل أفضل حالياً لإنفاق هذه الأموال.

وقال خان إن القدرة على استيعاب هذه الأموال مرتفعة الآن، وأشار إلى أن مشاريع البترول والغاز الهائلة في قطر والسعودية وبنية النقل التحتية مثل سكة حديد الرياض ـ جدة.

وأضاف أنه كان هناك تدهور في البنية التحتية في الدول المصدرة للبترول، رغم أنها أنفقت عليها الكثير على مدى 30 عاماً. كما أن أسواق المال الجديدة في الخليج تشكل قناة للاستثمار، وموجة الخصخصة والإصدارات العامة في السعودية أيضاً توفر فرصاً استثمارية.

وحجم الإصدارات في البورصات الخليجية قد ارتفع بمقدار عشرة أضعاف خلال العام الحالي ليصل إلى 9.1 مليارات دولار، حيث تمول دول الشرق الأوسط نموها السريع. ومن المتوقع مزيد من الإصدارات أيضاً مثل إصدار موبيل للاتصالات الكويتية بمقدار ملياري دولار، والاتحاد للاتصالات (موبايلي) بمقدار نصف مليار دولار. وقد بلغ الإقبال على إصدار موبايلي 50 ضعف القيمة المطروحة عندما صدر العام الماضي وأثار نزاعات عندما نفدت طلبات الشراء.

الأموال تغمر دول الخليج وليس هناك دليل أكبر من دبي، التي بدأ معين بترولها ينضب وأخذت على عاتقها تحدي أن تكون المركز المالي الترفيهي في المنطقة. تضم دبي 23 مليون قدم مربع من المتاجر، وطلبت طيران الإمارات شراء 45 طائرة من ايرباص 380 العملاقة.

والمثال الآخر هو السعودية، فقد أنفقت 18 مليار دولار على معدات الدفاع في عام 2003، وتريد استبدال طائرات تورنادو القتالية.وتتركز غالبية النقد الخليجي في السعودية التي تتمتع بفائدة مزدوجة من ارتفاع أسعار البترول وارتفاع الطلب على الخام أيضاً.

ويقول مركز دراسات الطاقة العالمي إن إجمالي عائدات مبيعات أرامكو السعودية للبترول سيصل إلى 139 مليار دولار في العام الحالي مقابل 91 مليار دولار العام الماضي، وبالتالي يتراكم فائض نحو 65 مليار دولار لدى السعودية.

أين تذهب هذه الأموال؟

قد يستهلك سداد الديون المتراكمة من 10 سنوات 20 مليار دولار أو أكثر حسب توقعات ليو درولاس من مركز دراسات الطاقة العالمي، كما أن السعودية تقع تحت ضغط الاستثمار، حيث أن لديها خطة خمسية تتكلف 30 ـ 40 مليار دولار في مجالات البترول والبنية التحتية والإسكان. ومع ذلك فإن استثمار 6 ـ 8 مليارات دولار لن يؤثر في هذا الفائض النقدي الكبير.

ويقول لدولاس إن السعوديين سوف يمولون العجز الأميركي على المدى الطويل.

ويعتقد خان أن الدول المصدرة للبترول سوف تعيد تدوير الأموال بسرعة وهو يشجعهم على أن يفعلوا ذلك ويحثهم على بناء مدارس ومستشفيات وطرق.

ويضيف أنه ليس من عادة صندوق النقد الدولي أن يقول للدول أن ترفع إنفاقها، فعندما كان سعر البترول 20 دولاراً كان يقول للدول لا تنفقوا، وعندما بلغ 40 دولاراً، قال انفقوا بحذر، الآن وسعر البترول 60 دولاراً للبرميل يقول الصندوق انفقوا هذا المال وأنقذوا العالم.

ترجمة: أشرف رفيق