يستحق مسلسل "الدريشة" الدرامي المحلي اهتماماً إعلامياً أكبر على حساب الأعمال الكوميدية التي تركز عليها الدراما الإماراتية عموماً من خلال إطلالاتها الرمضانية القليلة.
فلطالما تفوق الكويتيون خليجياً في البحث والتمحيص في القضايا الاجتماعية، وأشبعوها سرداً وتفصيلاً وكانوا جريئين بطروحاتهم، لا يخشون قول الحقيقة وإن ازدادت مرارتها، وهو ما أعطى المسلسلات الكويتية الصدى والصدارة في كل أصقاع الوطن العربي.
وإذا حاولنا سبر أغوار مسلسل »الدريشة« لمؤلفه جمال سالم ومخرجه البحريني مصطفى رشيد، لوجدنا حبكة درامية مترابطة الخطوط وأحداثاً بعيدة عن الحشو ولا تفتقد الجرأة والوضوح. أما محور الأحداث فهو قضايا المجتمع الإماراتي من الداخل بأدق تفاصيلها وبدون زخرفة ولا تلميع.
»الدريشة« باختصار حكاية عائلية مؤلفة من أربع فتيات وأب عاجز وأخ متحكم ومسيطر، استأثر الشقيق (عبدالله) بكامل سلطات الأب محاولاً ضبط تصرفات أخواته .
ومنعهن من ممارسة حياتهن الطبيعية بحجة الحفاظ عليهن من الضياع، بينما ترك لنفسه الحبل على الغارب، فمارس حياته كما يحلو له ولحق رفقة السوء التي أودت به إلى تعاطي المخدرات.
وقبل أن يتمادى الأخ في فرض سلطته على الشقيقات الضعيفات، فاجأه القدر بحادث مروع أفقده حيويته وشل حركته وفرض عليه ضعفاً بعد قوة وهرماً بعد شباب فتخلصت الفتيات من تحكمه وتحررن من سلطته الدائمة، ولو أنهن تأثرن كثيراً بما آل إليه مصيره إلا أن تلك الحادثة فتحت لهن الأبواب المغلقة ليكتشفن بأنفسهن حقيقة المجتمع الذي يعشن فيه.
وشقت كل واحدة من الأخوات (حصة وخلود وإيمان وآلاء) طريقها في رغبة في تفادي الكارثة التي حلت بالعائلة، وفي سياق الأحداث يمرر الكاتب رسالة عن أهمية عمل المرأة وضرورة انخراطها في المجتمع.
وحقها في اختيار شريك حياتها من دون أن تقدم تنازلات، أو أن تصبح لقمة سائغة في متناول ضعاف النفوس. وتقدم الفتيات الأربع رسالة عن رغبة المرأة في التحرر من بعض العادات التي تظهر في المسلسل اختلافاً على وجوبها أو عدمها، مع عدم تبني وجهة نظر واضحة في هذا الخصوص.
ويعرج »الدريشة« في خطوط درامية أخرى على موضوع البطالة التي يعاني منها الشباب الإماراتي في المجتمع، كما يبرز المسلسل دور المؤسسات الحكومية في دبي ودور الشرطة في مكافحة الجريمة وعمليات الإنقاذ.
وعلى الجانب التقني يبدو العمل مشغولاً على أعلى مستوى من التقنية التي تبرز جودة الصورة ونقاءها، فيما أحسن المخرج مصطفى رشيد باللعب استخدام الكاميرا والخروج بلقطات تتناسب مع الأحداث الجارية خاصة تلك التي تم تصويرها داخل السجن ومن خلف القضبان.
ولابد من الثناء على الموسيقى التصويرية للمسلسل، وشارة البداية التي يظهر »الغرافيك« فيها واضحاً إلى أبعد الحدود، ويزيدها ألقا الصوت الدافئ للمطربة الكويتية نوال في تأديتها للكلمات المؤثرة التي صاغها الشاعر أنور المشيري ولحنها صالح الشهري.
ويعيب المسلسل الإيقاع البطيء لعدد من المشاهد والأداء المرتبك لبعض الممثلين، حيث افتقدوا للانفعالات اللازمة التي تتناسب مع حرارة المشاهد وتصاعد الأحداث الدرامية.
»الدريشة« عمل يفتح باب الحرية أمام فتيات أربع يمثلن نماذج موجودة في نسيج المجتمع وهو تجربة متميزة تستحق الوقوف أمامها، ولربما تفتح الباب أمام دراما تفتح الباب أمام دراما محلية جديدة أكثر جرأة وواقعية".
نائل العالم