الحوار مع محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة العامة للسينما في سوريا يكتسب على الدوام أهمية خاصة بالنظر لما يحمله حديثه من قيمة فكرية ونقدية في عالم السينما.
ولكنه في هذا الوقت يمتلك أهمية استثنائية كونه يأتي ومهرجان دمشق السينمائي في دورته الرابعة عشرة على الأبواب حول شؤون وشجون السينما التقته »البيان« وكان هذا الحوار:
٭ في ظل الظروف السياسية الضاغطة هل سيتأثر المهرجان في مستويات عروضه أو في نوعية الحضور؟
ــ في الدورتين السابقتين أحطنا أيضاً بظروف سياسية معقدة. في الدورة الأولى وكنا قد انتقلنا بالمهرجان من صيغة محلية إلى صيغة دولية جرت أحداث 11 سبتمبر.
وفي عام 2003 شهدنا غزو العراق وما نتج عنه من تداعيات. هذا العام نواجه ضغوطاً نتابعها في الصحف ووسائل الإعلام. قد يحدث ما يمكن أن نسميه بعزوف البعض عن الحضور.
وهذا حصل في الدورة السابقة فقد تخلف جيرار ديبارديو وكلوديا كاردينالي عن الحضور. اعتذرا في الوقت الذي كنا سنعلن فيه عن مجيئهما في الدقائق الأخيرة. كما اعتذر في 2001 كاكويانيس. هذا العام وحتى هذه اللحظة لم تردنا أي اعتذارات.
ولكن لدينا مشكلة مع شركات الأفلام، فهي باتت تطالب بتأمينات على الأفلام كون المنطقة برمتها تتجه نحو المجهول، ومن خبرتي أرى حتى الآن أن الأمور بخير، تظاهرات الأفلام ستكون هي الأهم، وقد أصبح لدينا ثماني صالات تم تحديثها ومجهزة بشكل جيد.
وأنا متفائل بوجود أفلام ونجوم إذا لم يقع طارئ، وأحب أن أشير هنا إلى مكتبة الفن السابع التي نصدرها، فلدينا لهذه الدورة حوالي ثلاثين عنوانا، وهذا رقم قياسي لا يوزع في أي مهرجان عربي أو دولي.
٭ ما هي استعدادات سوريا – البلد المضيف – ألا تعتقد أن إنتاج فيلمين روائيين يعنيان بعض التقصير من قبلكم، فيما لو اتجهنا بأنظارنا إلى الدراما السورية، الغزيرة الإنتاج والتي تملأ الفضائيات؟!
ــ هذا مرتبط أصلاً بالمسألة الإنتاجية، فنحن ننتج بما نملك من موازنة. المسألة الإنتاجية لا تخضع للرغبة، بل لواقع الحال. أي رب منزل يمكنه أن يتمنى لعائلته كل مفردات العيش الرغيد، ولكنه لا يحصل إلاعلى ما هو على أرض الواقع.
المحصلة هي من فيلمين إلى ثلاث.. دعنا نتحدث هكذا ونقول إننا نريد أن يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير، والمؤسسة عبر تاريخها الطويل حققت 55 فيلماً، وحضوراً ووضعاً تنافسياً مع سينمات حققت أفلاماً أكثر منا بكثير.
عندما طلب من مئة شخصية تسمية عشرة أفلام من تاريخ السينما العربية، كان لنا شرف الحصول على ثلث النسبة (ثلاثة أفلام سورية). وأنا أرفض في الحقيقة مقارنة الفيلم السوري بالدراما السورية، مع احترامي لهذه الدراما، فهي لم تقدم إلى اليوم الشيء المهم.
أنا لا أعتقد أن هيثم حقي باستثناء الأشياء النادرة قد قدم الأشياء التي ستبقى، مثل أفلام أحلام المدينة وليالي ابن آوى وصندوق الدنيا. وأعتقد أن التطور الدرامي جاء بفعل انتشار الفضائيات وهي تنتج لتواصل البث ولذلك لابد من أن تواصل الإنتاج.
فيلم (التقرير) الذي حققه هيثم حقي هو أهم من كل الأعمال التلفزيونية التي قدمها. الحالة التلفزيونية في الولايات المتحدة أكبر بكثير من السينما وهذه من خصوصية التلفزيون نفسه.
ولكن دعني أقول إن الفيلم السينمائي يبقى، فيما المسلسل التلفزيوني إلى زوال. وأنا أحس بهذا جيداً حتى مع الأصدقاء الذين يعملون في التلفزيون ففي لحظات مكاشفة تجدهم يريدون العمل في السينما.
٭ قلت كفانا سيراً ذاتية في السينما السورية.. هل هذه صرخة احتجاج؟
ــ أنا لست ضد سينما المؤلف. سينما المؤلف أفرزت مجموعة من تحف السينما العالمية. فيسكونتي وكوروساوا وجاك تاتيه وبولانسكي وغودار وكل هؤلاء العباقرة الذين تعاطوا في مراحل معينة مع سينما المؤلف قدموا أعمالاً عظيمة وشديدة الخصوصية ومفتوحة على أمداء كثيرة.
عندما يتناول فيسكونتي شيئاً من طفولته، فإنه يصل بهذا الشيء إلى كل بقاع الأرض. اعتراضي على سينما المؤلف في سورية أنها لم تصل في بعض الأحيان إلى المواطن السوري وأحياناً لم تصل إلى المشاهد العربي. كنت أتابع أفلاماً سورية مع جمهور غربي في مهرجانات عدة.
وكان شديد الرضا دوماً على الصورة والحبكة وما إلى هنالك. خذ (الليل) وهو واحد من الأفلام السورية المهمة، ولكنه يعاني من مشكلة عندما يشاهده أرجنتيني مثلاً. محمد ملص توجه في فيلمه إلى الجمهور الذي يفهم فيلمه فقط.
وهكذا فإن أفلام السيرة الذاتية لم تكن إلا في حالات نادرة قريبة من القلب. صندوق الدنيا، أحلام المدينة، نجوم النهار أفلام معمولة بقدرة سينمائية ولابد من الاعتراف بذلك، ولكن هناك غربة شديدة في التواصل معها.
كفى سيراً ذاتية، وللحق أقول إنه باستثناء عبد اللطيف عبد الحميد فإن سينما المؤلف عندنا لا تحقق التواصل مع الناس حتى النخبة عندنا لا تعجبها أفلامنا، ولذلك أقول لابد من نقلة.
٭ تتحدثون كثيراً عن انفتاح القطاع العام في سورية على القطاع الخاص.. ولكننا لم نلمس حتى الآن ما يشير إلى "جدوى" هذا الانفتاح.. لماذا برأيك؟
ــ كما أسلفت فإن الدراما التلفزيونية سلعة مربحة أكثر من فيلم السينما وليس في سورية وحسب، فدورة رأس المال أسرع وهي بطيئة في الفيلم للغاية.
وضع الصالات في سورية نتيجة مرسوم الحصر الذي أودى بالصالات إلى الحالات التي وصلت إليها. وعندنا المنتجون يرغبون بالربح السريع وهي عوامل ساهمت في الغربة، من أن يقدم القطاع الخاص على الإنتاج السينمائي. والسينما كما تعرف ليست مسؤولية الدولة.
ولهذا لابد من أن يكون هناك تلاحم بين القطاعين، وقد أقدمنا على تجربة مشتركة مع القطاع الخاص في فيلم »قمران وزيتونة« لعبد اللطيف عبد الحميد. وحاولنا كثيراً تشجيع القطاع الخاص من خلال آليات عمل شديدة السهولة، وهذا إيمان مني بضرورة تلاحم القطاعين.
هناك فيلم لحاتم علي حققه عن مسلسل تلفزيوني له وقد أشركته جنباً إلى جنب مع أفلام المؤسسة، وكان لنا تجربة في الرسوم المتحركة مع "مناع حجازي". وأعتقد أنه للخروج من مأزق الفيلم السوري لابد من تلاحم القطاعين والبحث عن مسارب للإنتاج المشترك، ولنا تجارب سابقة مع شركة فرنسية..
دمشق ــ البيان: