لم يحصل أن أوقفت المخرجة الفلسطينية اللبنانية مي المصري دوران كاميراتها السينمائية الوثائقية والتسجيلية، قبل أن تكتب النهاية ليصبح شريطها ملك المشاهدين أينما كانوا.
مي كسرت القاعدة في فيلمها الأخير "رمال بيروت" وهو أيضا عنوان غير نهائي، ما يضعنا أمام لغز قد يكشف عن زوايا مخفية من مواهب مي المتعددة.
خصوصا أنها وفي جميع أعمالها المنفردة أو الثنائية مع زوجها المخرج جان شمعون، تصر على تصوير الواقع بكاميرا حنونة وشفافة تضيء على الأحلام ولا تخفي الحقيقة. حول السينما:
٭ هل زحمة العمل تتركك مترددة؟
ـ في كل أفلامي كنت أكتشف نقصا ما أو زيادة ما فأبادر إلى الإضافة أو إلى التشطيب. كنت وما زلت أبحث عن الحقيقة من خلال صورة رشيقة ومعبّرة إنما اختيار العناوين مهمة شاقة وليست سهلة أبدا.
أما النهايات فلم تكن تعوزني لأن بعضها جزء من فلسطينيتي، وبعضها الآخر من لبنانيتي والاثنان معا يحملان ذاتي الإنسانية والسينمائية.الاثنان صنعا أفلامي ومن دونهما كان يحوجني الكثير لأكتشف مي الإنسان ومي السينما. صحيح أنني اعتمدت تغيير النهايات في بعض أفلامي وفقا لتطور الأحداث، لكن الخواتم كانت جاهزة عندي أو تصبح جاهزة بانتهاء الحدث المفاجئ.
٭ لكن نهاية »رمال بيروت« أو العنوان الجديد الذي تختارينه ما زال مفتوحا على المفاجآت؟
ـ لأن الحدث نفسه مفتوح على مفاجآت, في عملي الجديد أصوّر شباب وشابات 14 (مارس) بعد عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. التقى مئات الألوف من كل المناطق التقوا في ساحة الحرية يطالبون بصوت واحد:
"سيادة حرية استقلال". كثيرون من هؤلاء جعلوا الساحة مقرهم الدائم ثم أخذت الأحلام تتداعى وبدأت الانقسامات . وطالما الأحداث والصراعات مستمرة، فان النهاية التي أتطلع إليها تحمل الكثير من المفاجآت. باختصار ما زلت انتظر نهاية الأزمة اللبنانية حتى أضع نهاية لما عنونته مؤقتا "رمال بيروت".
٭ أنجزت حتى الآن ثلاثة أفلام ونصف فيلم (بانتظار نهاية »رمال بيروت«) وأربعة بالاشتراك مع زوجك المخرج جان شمعون طوال سبعة عشر عاما. كيف تقيمين هذه الرحلة المشتركة؟
ـ دعيني أقول إن هواجس جان هي هواجسي وبذلك لم يتناقض الهم الفردي مع تطلعات الآخر، على الأقل في العناوين للعمل الثقافي والفني، ولمعنى السينما في مواكبتها حركة المجتمع والناس نحن معا نصنع سينما للناس التي تهتم بالموضوع دون إلغاء لموقع اللغة السينمائية في النتاج البصري.
ففي التجربة المشتركة بيننا كان الهم الرئيس لدينا أن نعيش الواقع أي الهم الإنساني للمهمشين. أن نكون على علاقة مباشرة بأحاسيس الناس سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين.
٭ بعد سلسلة أفلام سينمائية بدأت في عام 1982 وخلال حصار بيروت "تحت الأنقاض" "زهرة القندول" "بيروت جيل الحرب" و"أحلام معلقة" وعدد من الأفلام التسجيلية القصيرة، عدت إلى السينما منفردة. كيف حدث ذلك ولماذا؟
ـ بعد هذه التجربة الغنية، توصلنا إلى قناعة بضرورة تطوير عملنا باتجاه احترام الخصوصية الإبداعية لكل منا. اليوم تستمر الشراكة بالطريقة التالية:
ننتج ونوزع أفلام بعضنا من دون تدخلات في الرؤية التقنية والإخراجية. عموما لم يتغير شيء على صعيد الرؤية المشتركة أو التقارب الثقافي الفني سوى قناعتنا بأن يكون ثمة مخرج واحد للفيلم.
٭ لو نتحدث قليلا عن مسيرتك في الحياة؟
ـ رحلتي بدأت من عمان حيث الولادة وصولا إلى بيروت حيث الإقامة الدائمة والمكان الأساسي للحياة اليومية، مرورا بنابلس والجزائر والولايات المتحدة للدراسة وبدايات الوعي الفردي والانخراط في الهم الجماعي.
أنا ابنة الفلسطيني منيب المصري والأميركية أنجيلا كجلر وزوجة اللبناني جان شمعون. أحببت الصورة دائما أكثر من الكلمة لأنني وجدت فيها الحقيقة المطلقة فقد تتحول الكلمة إلى معان كثيرة وربما تفقد معناها الحقيقي ولا يحدث هذا في الصورة.
٭ تأثرت بالثقافة العربية ودرست السينما في جامعة سان فرانسيسكو الأميركية؟
ـ عندما ذهبت إلى أميركا أدركت أن الكثير من انطباعاتي كانت مبنية على أفكار مسبقة.
ونمطية لذلك أردت الوصول إلى الآخر لكي افهم نفسي وافهم التحولات التي تعصف بالعالم اكتشفت بعد عودتي مؤخرا إلى الولايات المتحدة كيف يتم استغلال طيبة الشعب الأميركي وبساطته لتوريطه في حروب.
وصراعات لا مصلحة له بهما ما جعلني أتفاءل بإمكان وجود شريحة متزايدة من الأميركيين العاديين الذين يعارضون هذه السياسات وأهمية مخاطبتهم بطرق جديدة ومبدعة عبر الكلمة والصورة والسخرية السوداء.
٭ وهل أنت في طور الاستعداد لهذا الخطاب الجديد إلى الأميركيين من خلال السينما؟
ـ لا شيء يحول دون ذلك لدي أفكار كثيرة اشتغل عليها، متى تجد طريقها إلى التنفيذ؟
هذا ما اجهله حتى الآن على اعتبار ان السينما ليست مجرد فكرة وموضوع وسيناريو وكاميرا... هي إنتاج وتوزيع وصناعة كبرى تتطلب رساميل ضخمة إذا أردنا القيام بأعمال ضخمة.
٭ افهم أن السينما العربية في كل أشكالها في مأزق؟
ـ الكل يؤكد ذلك بمن فيهم أقطاب السينما الروائية وفي مصر تحديدا التي تعتبر أم السينمات العربية. طبعا لا أحد ينكر وجود أفلام عربية مميزة وبعضها في المغرب العربي، لكن التميز لا يعني وصولها إلى الجمهور العريض.
٭ وأفلامك تعاني من الأزمة نفسها؟
أظنني بعيدا هذه الأزمة على اعتبار أن أفلامي المنفردة وتلك الثنائية مع جان شمعون تعرض على كل الشاشات الدولية، في حين أن محطات التلفزة العربية لا تزال غائبة عن غالبية الأفلام الروائية والوثائقية العربية المتمايزة عن المألوف الجماهيري.
٭ وبعيدا عن السينما التسجيلية الوثائقية، هل تطمحين إلى السينما الروائية؟
ـ هناك مشروع قيد الدرس. نعم اطمح إلى ذلك طالما امتلك اللغة السينمائية وتقنياتها وأحلامها وطالما الموضوعات تضج في رأسي. بقي على شركات الإنتاج أن تتقدم لأن الساحة العربية تضج هي الأخرى بالأحداث التي يجب التطرق إليها.
بيروت ـ فيوليت غبرو:
