تعد المشاريع الإسكانية الاقتصادية التي تلبي متطلبات ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة، من القضايا التي تثير اهتمام المراقبين والمهتمين بتوفير حلول للمشكلة السكانية المتفاقمة على نطاق الوطن العربي،
وبالرغم من أن بعض الدول في المنطقة العربية تبني مجمعات سكنية من هذا النوع إلا أنها تفاجأ لاحقاً بعدم وجود من يسكن تلك المجمعات كما حصل في المشاريع الإسكانية الضخمة التي بنتها بغداد في التسعينات لمنتسبي منشآت التصنيع العسكري وفوجئت فيما بعد بقلة عدد ساكنيها، في الوقت الذي كانت فيه وزارة الإسكان العراقية تتحدث عن ضرورة دخول مليون وحدة سكنية لتفادي »انفجار سكاني«.
»البيان« حصلت على دراسة أعدها المهندس علي عثمان عضو الهيئة السعودية للمهندسين ويناقش فيها الإسكان الاقتصادي، والهدر الحاصل في المشاريع الإسكانية، ووسائل التحكم والسيطرة الواجب إتباعها لمعالجة ذلك الهدر.
الإسكان الاقتصادي
إنشاء المشاريع الإسكانية الاقتصادية الناجحة يعتبر من القضايا المعاصرة العالمية فضلاً على المستوى العربي. الأزمة الإسكانية تتمثل أحياناً في مناطق تطور وأحياناً تبني لأصحابها على أعلى المواصفات وأكمل المرافق ولكنها لا تستخدم ولا تسكن.
في حين هناك كثير من البشر في العالم بلا مأوى. إشكالية صعبة وجسيمة في العصر الحاضر حيث تهدر وتصرف الأموال الطائلة ولا تستخدم ولا تسكن ولا تلقى الإقبال. فأقضت مضجع المهتمين والمسؤولين.
فكم من المخططات وقطع الأراضي تطور والمجمعات السكنية تنفذ لفئات من الناس، بالأموال الطائلة والجهود الجبارة والخدمات المتميزة ومع ذلك لا تجذب هذه الأماكن الساكن بل يحجم عنها.
وأنحاء العالم العربي فضلاً عن غيره يعاني المشكلة ويعاني تضخمها.إحدى الدراسات في مصر تذكر أنه كان يقدر عدد السكان المستهدف إقامتهم (15 مجتمعاً عمرانياً جديداً) بحوالي ستة ملايين نسمة. وبلغ عدد السكان المقيمين إقامة دائمة بالمدن الجديدة المأهولة نحو فقط (255) ألف نسمة.
ودراسات المؤلف في المملكة العربية السعودية في الدمام على حي طور لموظفي إحدى الشركات الكبرى وصل عدم سكني من خطط لهم إلى أكثر من 60% فإما أجروا أو باعوا وحدتهم السكنية.
ودراسة من الأردن تشير أن »الأرض من العناصر الأساسية اللازم توفرها لإقامة الوحدات السكنية عليها حيث يلاحظ أن هناك خللاً واضحاً بتصنيف الأراضي السكنية داخل المناطق المنظمة حيث بينت الدراسة التي قامت بها المؤسسة العامة للإسكان والتطوير الحضري أن فئات الأراضي المنظمة لا تتناسب مع نسبة ما تشكله كل فئة،
حيث نجد فئة التنظيم السكني تشكل النسبة الأكبر في معظم المخططات الهيكلية وهذه الفئات تعتبر ذات معايير سكنية مرتفعة من حيث المساحة، الارتداد، النسبة المئوية المسموحة للبناء.. الخ.
مما دفع الفئات المتدنية الدخل إلى الاتجاه إلى المناطق غير المنظمة والمملوكة للدولة والتي تعتبر واجهات عشائرية وشراء قسائم صغيرة تبلغ في بعض الأحيان 100 متر مربع فقط من واضعي اليد عليها بواسطة حجة.
وأصبحت تسمى بالمناطق المختلفة وأغلب هذه التجمعات مجاورة لموقع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.. ومن أهم مواصفات هذه المستوطنات (العشوائية) تدني مستوى الخدمات العامة من مياه وكهرباء وطرق وجمع نفايات مما أدى إلى تدهور الظروف الصحية وتلوث البيئة.
بل أن هناك أحياء في مواطن أخرى من العالم العربي عزف عنها المستفيدون إلى مثل تلك المواقع العشوائية بالرغم من مستواها العالي من التطور. فجاء في دراسة في سوريا هناك أسباب أخرى لظهور السكن العشوائي ونموه في مدينة دمشق وضواحيها تكمن في عدم استطاعة القطاع الحكومي والتعاوني في مجابهة الطلب المتزايد على السكن الرخيص.
وفي مصر جاء في إحدى الدراسات »إن الإسكان الخاص غير الرسمي يقع خارج قانون تقسيم الأراضي أو قوانين تنظيم البناء وبدون ميكانيزم تمويل تقليدية وتقع المستوطنات غير الشرعية بأعداد كبيرة على حافة المستوطنات الحضرية الكبرى.. هذا القطاع يمثل 78% من السكان وهو ينمو بسرعة أكبر من بقية قطاعات الدخل.
الهدر في المشاريع الإسكانية
منذ عام 1994م الكاتب يطرح هذه القضية من خلال دراسات مختلفة في محافل علمية مختلفة تدور على فكرة التحول العمراني، من أجل مجمعات سكنية أكثر اقتصادية.
ومن أهم نتائج هذه الدراسات أن هناك ركناً أساسياً مفقوداً في العملية التخطيطية والتصميمية للمشاريع الإسكانية وهو الإنسان وبأكثر دقة المستفيد.
ففي هذه الدراسات يلاحظ تحديد الموقع وتبنى الوحدات ثم يقحم الساكن فيها. والنتيجة تنصل الساكن من الموقع. فتباع الوحدة أو تؤجر بمعنى لا يسكن من خطط له.
ففي مدينة الدمام طورت شركة حياً نموذجياً قلما تجد له مثيلاً في المدينة بل في المملكة العربية السعودية باتساعها وعرضها. ويستوعب أكثر من (1500) وحدة سكنية ووفرت القروض العالية لموظفيها لإنشائها وسكناها. لكن قيدت المستفيد من القرض بإنشاء الوحدة كاملة. مع العلم أن الشركة طورت الحي بأعلى المواصفات وأرقى الخدمات والمرافق. فهل مع هذه المميزات سكن الساكن؟
ومن شروط التصميم أن تكون الوحدة السكنية مستقلة وكوحدة واحدة لا تنقسم ولا تحتوي وظيفة تجارية (لأن هدف الشركة نبيل بأن يسكن الموظف وحدته السكنية). لكن هذا الحي لم يبق ممن بنى فيه إلا (34%) والباقي (66%) عزفوا عن السكنى فأجروا أو باعوا بالرغم من المواصفات العالية للخدمات في الحي والقروض العالية للإنشاء. فلم يجذب الحي مع كل هذه الميزات الساكن.
بمعنى أن غالب السكان أو الثلثين لم ينل هذا الحي النموذجي الراقي، رضاهم وطموحاتهم. والنتيجة تكبد الجهة المخططة الأموال الطائلة في غير مكانها ومحلها. ولم يقف الحال على إهدار الأموال في التخطيط (حيث لم يسكن موظفيها المتوقعين).
بل وتعداه إلى تحميل المجتمع الأعباء المالية الكبيرة والتي قدرت بعشرات الملايين (الناجم 1995م). فهنا كان من الممكن تطوير ثلث المساحة وتوفير ثلثي الميزانية المعتمدة والتخفيف من أعباء المجتمع المالية إلى ما يقارب الثلث (32%) لو اعتبر الساكن في عملية التخطيط.
فحينما اقترب التخطيط من رغبات الساكن في دراسة أخرى مع أن النظام هو النظام نفسه ولكن طبق في مدينة أخرى مرغوبة من الساكن، تحسنت النسبة كثيراً. وتغيرت الأرقام. المالكون الباقون ارتفعت نسبتهم إلى 59% بدلاً من 34% أي حوالي الضعف. وانخفضت تكاليف الترميم بين المشترين. نلاحظ أن النظام هو النظام ولكن الذي تغير هو الساكن فمدار المشكلة على اعتبار الساكن.
الحل ووسائل التحكم والسيطرة الإسكانية الاقتصادية الفعالة
لاحظنا أن القضية الإسكانية قضية كبيرة ومهمة لأنها تكلف الكثير وتعني الكثير (فإذا كان في حدود حي كلفت عشرات الملايين، فكيف باعتبار المدينة وكيف بالدولة ككل؟ كم من المليارات تهدر؟ وكم من المليارات يمكن بالمقابل توفيرها؟)
ومفتاح التحكم فيها كلها هو الساكن. ولهذا يصبح من المسلم عند أي عملية من عمليات التخطيط والتصميم تتعلق بالساكن أن تطرح الأسئلة التالية: من يسكن؟ وماذا يريد؟ وبالتالي ما هو الاسكان الذي نخطط له؟
اجابة مثل هذه الأسئلة كان يمكن عن طريقها ان تحد من المساحات المهدرة في ــ الدراسة السابقة ــ (40%) بدل (66%) وبالتالي ترفع جدوى الاستثمارات المالية ودقة تحقيق أهدافها إلى حوالي (60%) بدل (34%) في كتابه Behavioral Architecture يسلط المؤلف ClovisH الضوء على أهم قضايا الاسكان فيرى ان العمارة في التعريف تنصرف إلى ما يبني الناس، العمارة هي المحتوى الذي يعيش فيه الناس حياتهم ثم يتساءل لماذا لا تكون عمارة للناس أو العمارة الإنسانية أو فقط عمارة.
وينتهي باقتراح أن يكون الناس في الصورة مع أشياء يعملونها ويتصرفون فيها ومع آخرين يتحدثون معهم ويتفاعلون. ويعبر عن أسفه الشديد وحزنه لما يحدث حيث يشير إلى أن مأساة العمارة هي النظر إلى الناس في حالة سكون.
الانسان الساكن، المستخدم أو المستفيد مهمش في العملية التصميمية والتخطيطية وبالتالي يتم التركيز فقط على النواحي التنظيمية لمشاريع الاسكان. فتدور الأهداف على المساحة وطرق الانشاء والجماليات التصميمية الخ..
ولكن ما هو الاسكان المطلوب ومن يسكن وماذا يريد السكان من الاسكان، اسئلة لا تجد لها جوابا وتشكل حلقة مهمة مفقودة في العملية التخطيطية والتصميمية. والنتيجة أموال ضخمة تستثمر تدفعها الدول أو الشركات أو مؤسسات التطوير ولكنها لا تحقق أهدافها.
الاستراتيجية الاسكانية في المدينة العربية تحتاج أن تتحول عن مسارها الى آفاق النظم التي تعزز المشاركة السكانية فتفتح لهم مجالاً أكثر رحابة في الاختيار والانتقاء وتسمح لهم بغرس متطلباتهم وفق ضوابط عامة تسمح للجميع بالتحرك، بمعنى أن تكون في هيئة مبادئ وقواعد وأنظمة كما يسميها J.C.Turner مبادئ مرنة Proscrptive وهو نفسه الذي حذر من الأنظمة ذات الصبغة الآمرة المقيدة Prescrptive
فنحن في أمس الحاجة إلى مثل الأنظمة المرنة التي تحترم الانسان وانسانيته ورغباته وطموحاته وامكاناته. نحن في حاجة للأنظمة المرنة التي تشجع حركية الساكن فيها لا التي تقيده في تصميم أو مواصفة معينة أو نموذج معين.. الساكن ليس فرداً. انه أسرة والساكنون أسر مكونون من أفراد تصل الآلاف في الحي المخطط فهل يمكن أن يصلح قانون واحد للجميع؟ ولهذا لابد أن يكون القانون مرنا يدور فيه الجميع ليبقى ويحمل معالم الاستمرارية.
الانسان لابد أن يكون في الصورة ومشاركاً قوياً في العمليات التصميمية والتخطيطية كوسيلة أساسية لجذب الساكن وضمان أكثر لبقائه في الحي واستمراريته فيه.
حينها سيستثمر أكثر ويضيف ولا يهدر موارد المجتمع والبلاد. وأكثر من ذلك سيحي الحي بطريقة سليمة وتثرى المدينة لأن طابعها سينمو مع هذه الحركية والديناميكية وليس يذبل حتى يتلاشى كما هو حادث في الحاضر.
فاذا عرف من يسكن عرفت قيمه التي يبحث عنها وحينها سيبقى الساكن ويبقى معه طابع الحي. تقول الباحثة سهير حواس »لابد من تعظيم القيم الإجمالية والعمرانية كركيزة أساسية في تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة من حيث تأكيد الهوية والشخصية المميزة من خلال توفير المراجع البصرية لمجموعة الصفات المركبة التي تفرز طابعاً عمرانياً يميز مكاناً بذاته كتعبير مباشر لملامح المجتمع وطموحاته« (سهير 1997م).
ثم ترتقي الباحثة لتؤكد على دور الانسان في التنمية العمرانية »لابد أن يكون الانسان والجماعة هما غاية التنمية العمرانية للمدن الجديدة في اطار تكاملي بين المباني والموقع والفراغات العمرانية من اجل ترسيخ القيم الانسانية والاجتماعية »سهير 1997«.
واما J.C. Turner فيرى انه حينما تتطابق تموينات الاسكان ومتطلبات السكان فان الاسكان ينال الرضا واذا تم الرضا فان الناس سينفقون ويستثمرون الموارد الكثيرة »Turner«،
واما جميل اكبر فيقول عن ثراء المدينة وحياتها »اهملوا اهمية اشراك الساكن في عملية البناء وتقريره بنفسه لما يريد ولم يتيحوا له الفرصة في اتخاذ قراره والنتيجة هي مدن تفتقر للمسة الانسانية وبدون هذه اللمسة فلن تثرى المدينة ولن تحيا. فالمدينة الحية هي التي يشارك جميع السكان في اتخاذ قراراتها مع الزمن«.
ولعل نظام صندوق التنظيم العقارية واحد من افضل الانظمة التي يمكن الاستشهاد بها في توظيف هذا المطلب ـــ محاولة اشراك الساكن ـــ في هذه المقالة حيث اطلق هذا العنان للساكن ـــ اكثر من غيره من الانظمة الاسكانية ـــ لان قواعده اكثر مرنة تمنح الساكن حرية اكثر في الانتقاء ليمارس رغباته الشخصية وطموحاته وآماله فيختار الموقع والتصميم.. الخ. الذي يناسبه.
وقد اكد المؤلف الابداع والتميز في سياسة الصندوق في دراسته المقدمة لندوة الابداع والتميز التي عقدت في الرياض عام 1419هـ. يرى عميد كلية العمارة والتخطيط السابق بجامعة الملك فيصل بالدمام عبدالعزيز الساعاتي ان الصندوق في انظمته يدعم حلول التحكم الذاتي في المشروع السكني فالناس يمكنه انتقاء نوع وتصميم وموقع الوحدة السكنية التي تحقق رغباتهم بأكثر دقة من غيرها ولهذا يستنتج ان هذا البرنامج من افضل الوسائل لمشاريع اسكان المستقبل.
واخيرا نحن في بداية قرن جديد فهل نجعل استراتيجيات بناء احيائنا بل مدننا الجديدة تقوم على اشراك ذلك الانسان في عملياتها التصميمية والتخطيطية العامل الاساسي لنجاحها وتميزها واستمراريتها والأهم اقتصاداتها؟
دبي ـــ »البيان«
