جذبت المخاطر والغموض، اللذين منعا كبريات شركات البترول من العمل في العراق، شركات صغيرة أخرى للهندسة والحفر والمقاولات للعمل هناك بناء على عقود بملايين الدولارات مع شركات بترولية صغيرة غير معروفة.

ويقول نورمان ديفيدسون كيلي رئيس شركة دجلة للبترول لصحيفة نيويورك تايمز إن الناس سوف يذهبون وراء الفرص التجارية أينما كانت. وتعمل شركة دجلة في مشروعين في العراق، منهما تسوية حقول في إقليم ميسان في جنوب شرقي العراق، بالتعاون مع شركتي شل وبليتون.

ويقول كيلي إن قلق الشركات الكبرى من العمل هنا يعني أن الشركات الصغيرة سوف تأتي ويعمل أقل من عشرة أشخاص لحساب شركة دجلة في العراق، يقومون بجمع البيانات والتنسيق مع العراقيين نيابة عن المشروع المشترك بين شل وبليتون.

وتمثل العراق، ثالث أكبر احتياطي بترولي في العالم، فرصة لا تعوض بالنسبة للشركات الصغيرة، وقد يساعد اهتمام هذه الشركات في استقرار إنتاج البترول المتذبذب في العراق، لكن خبراء البترول والسياسة يقولون إن مشاركة هذه الشركات غير كافية حتى الآن.

ويبدو أن العراق سوف يفوته المشاركة في أكبر طفرة في أسعار البترول في التاريخ، إذا لم يتم استثمار مليارات الدولارات من مجموعات الشركات في بترولها.

وتتكلف الشركات الصغيرة التي يمثلها في العراق أحياناً شخص واحد، تكاليف كبيرة للسفر والأمن على أمل أن تفوز بنسبة من كعكة صناعة البترول في العراق. ووقعت بعض الشركات أول عقودها مع مسؤولين في العراق منذ سقوط حكومة صدام حسين منذ عامين أو أكثر، رغم أن إجمالي قيمة هذه العقود تقل عن مليار دولار، كما يقول خبراء البترول.

وقد تكون هذه العقود هي الأعمال الوحيدة التجارية التي تقوم بها العراق مع الأجانب منذ فترة، في ظل الهجمات على خطوط أنابيب البترول والعمال الذين لا يلتزمون.

وقد عرضت شركات كبرى مثل شل وتشفرون وبريتش بتروليم دراسة بيانات حقول البترول من خارج البلاد أو إرسال مسؤولين بوزارة البترول العراقية للخارج للتدريب، لكن المخاوف الأمنية منعتهم من إرسال موظفين من أوروبا وأميركا إلى العراق.

وقال مدير تنفيذي بإحدى الشركات الكبرى إن المشكلات كبيرة لدرجة أن الناس غير واثقين من سجلها.وانخفض إنتاج بترول العراق إلى أقل من مليوني برميل يومياً في أغسطس الماضي مقابل 2.6 مليون برميل يومياً في يناير 2003، قبل الاحتلال الأميركي، وليس من المتوقع أن يحدث تقدم كبير في الإنتاج خلال العام المقبل.

ويقول ثامر غضبان الذي رأس وزارة البترول العراقية حتى يناير الماضي: إن العراق يتوقع أن يظل الإنتاج والتكرير مغلول اليد خلال 2005 ــــ 2006 على الأقل.

وأضاف أن صناعة البترول العراقية في حاجة إلى استثمارات قيمتها 20 مليار دولار خلال السنوات الخمس أو الست المقبلة لتحسين الإنتاج، ولا يتوقع الخبراء أن يحدث ارتفاع كبير في إنتاج العراق من البترول حتى نهاية العقد الجاري. ويتعين على العراق إنفاق 250 مليون دولار شهرياً لاستيراد الوقود وتحول أموالاً كان من المفترض إنفاقها بدلا من الحصول على عائدات من بترولها.

وأهم العناصر التي تؤدي إلى انخفاض الإنتاج هي أعمال التخريب وسوء الإصلاحات والافتقار إلى الاستثمار في المشروعات البترولية، وقد وقعت ثماني هجمات على خطوط الأنابيب في شهر سبتمبر وحده وعلى مباني تابعة لوزارة البترول وحقول بترول ولقي بعض العاملين في الوزارة مصرعهم خلال الأشهر الأخيرة.

وأطلق متمردون في أغسطس الماضي نيران مدفعية على مقر وزارة البترول في بغداد. وفي الوقت نفسه لا يحتوي الدستور الجديد للبلاد على فقرات واضحة بخصوص الاستثمار، فهو يتحدث عن البترول الذي يخرج من الحقول الفيدرالية، وليس البترول الذي يحتمل أن يخرج من حقول جديدة، أو الاحتياطيات التي يتوقع اختصاصيون العثور عليها في أماكن لم يشملها التخطيط بعد.

كما أن هناك بعض التناقض في الدستور الذي ينص على أن يكون البترول تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية في أحد القطاعات، وتحت سيطرة إقليمية في قطاع آخر. وترك مسؤولية السياسة البترولية للسلطات الإقليمية أو المحلية سوف يجعل قيام المشروعات أقل استقراراً وفق ما يقول الخبراء.

وقال محمد علي زيني اقتصادي الطاقة في مركز دراسات الطاقة العالمي في لندن لو حدث ذلك سيكون هناك ضعف ولن تتخذ السلطات الإجراءات السليمة في الوقت المناسب لإدارة وتطوير حقول البترول.

حتى مع وجود شركات صغيرة تعمل في العراق، فهو قد يفقد عائدات كبيرة يحتاجها أشد الحاجة، كانت ستأتي من الارتفاع الحالي في أسعار البترول، كما قال الزيني.

وقد وقعت شركات بترول غير معروفة مثل إيفر آسيا التركية وأيرن هورس لن كندا وبنزل من ايرلندا عقوداً بملايين الدولارات لتطوير حقول بترول في العراق وهناك شركات أخرى تشترط العمل لأشهر في الدراسات قبل إبرام أي اتفاقيات.

ويقول ديفيد هورجان مدير شركات بترل الايرلندية ومقرها دبلن إن الشركات الغربية مثل شركته فقط هي التي ستعمل في العراق في العامين المقبلين. وقد وقعت شركته عقداً بقيمة 200 مليون دولار في سبتمبر لزيادة الإنتاج في حقلين في الجنوب إلى 200 ألف برميل يومياً مقابل 50 ألف برميل حالياً.

وأضاف هورجان إن الشركات الكبرى سوف تجري دراساتها من لندن أو كاليفورنيا لأن رؤساءها لا يريدون تحمل المخاطرة. وتتكرر هذه الظاهرة في مجالات أخرى، حيث تتركز احتياطيات البترول غير المستقلة في أماكن التوترات السياسية في العراق، التي تخشى شركات البترول الكبرى الدخول فيها.

وقال جون متشل الباحث في كاتمان هاوس في لندن إن المخاطر داخل العراق كبيرة جداً، فالشركات الصغيرة تتوسع في أماكن مثل العراق ونيجيريا وأنغولا، وهي مستعدة لتحمل المخاطر، والحكومات المعنية تحاول مساعدتها. والمخاطر على قدر العائدات المالية، فكل شركة صغيرة تعمل في هذه الدول تحصل على عائدات جيدة.

وقال هورجان من شركة بترل الأيرلندية أن المخاطر الأمنية ارتفعت في العراق، وتعمل شركته هناك منذ ما قبل الغزو الأميركي وكونت اتصالات طيبة مع وزارة البترول العراقية، وواجهت الشركة أول مشكلة حقيقية عندما بدأت التنقيب في الصحراء الغربية في بداية 2004.

فقد تلقت الشركة خطاباً يهدد بقطع رؤوس العاملين فيها وإحراقهم إذا استمرت الشركة في العمل وانتهى الأمر بخطاب اعتذار من الحكومة. ومنذ ذلك الحين توقفت الشركة عن إرسال تنفيذيين إلى الصحراء الغربية لإجراء بحوث جيولوجية وسيزمية ولا توظف موظفين من الدول التي شاركت في الغزو على العراق.

وركز التنفيذيون بالشركات الصغيرة على الإثارة والتحدي وليس المال، كأسباب لقبول هذه المخاطر، وقال هورجان إنك لا تقوم بهذا العمل من أجل المال فقط، بل لابد أن يكون العمل مثيراً أيضاً، فإذا كان يريد المال فقط، كما قال لذهب إلى بورصة وول ستريت.

ترجمة أشرف رفيق