يعتبر علم التسويق والترفيه واحداً من أهم الأذرع التي يعتمد عليها لاستهداف المستهلك وخلق ما يعرف »بالتجربة النفسية السعيدة« في سريرته، والتي تحرّضه، في الغالب، على مزيد من الإنفاق، أو، كأضعف الإيمان، تبني لديه رابطا عاطفيا ايجابيا بالسلعة أو الخدمة التي يتم الترويج لها.
ويهدف المسوقون، بشكل خاص، إلى ربط العلامات التجارية الخاصة بمنتجاتهم بمعان يكون لها صدى مريح وجذاب عند المستهلك. وتكمن قمة سعادتهم في أن يسمعوه يعبّر قائلا:» تلك الماركة..
مبهجة«، أو »ذلك المكان رحب للغاية وبوسعي أن أقضي فيه الكثير من الوقت». فالماركة المبهجة في قواميسهم تعني إنفاقاً يستمد مشروعيته من الحاجة الطبيعية لأي إنسان لأن يشعر بالسعادة:» حين تشتري تلك الماركة، تشعر بالسعادة«، تلك هي القاعدة الذهبية.
أما »المكان الرحب« فلا يعني أكثر من الحيّز الاستهلاكي الذي »يحتضن» العملاء ويجعلهم راغبين بتمضية مزيد من الوقت فيه والاستمتاع بالطاقة الغامرة لتلك »المنتجات المبهجة«.
ثمّة ذراع آخر لا يقلّ قوةّ وتأثيراً عن الأوّل، وهو جعل المنتج يشبه المستهلك: طريقته في التفكير، واللباس والتصرّف والاحتفال.. باختصار، »توطين التجربة« الاستهلاكية. وغالباً ما تلجأ إلى هذه السياسة كبرى الشركات الاستهلاكية التي تعبر منتجاتها القارات.
فهي، تتخلى عن ثوبها الذي ترتديه في »بلد المنشأ« وتقوم بارتداء أثواب محليّة تريح المستهلك المحلّي وتجعله يشعر بالثقة تجاه المنتج الأجنبي، وبالأمان، كون ذلك المنتج يشبهه وليس غريبا عنه.
هكذا، تستغلّ الكثير من الشركات الأجنبية المناسبات الدينية خاصة (التي لا تزال تحظى باهتمام وتقدير عاليين في أوساط الناس)، وتحاول أن تتسلل ببضائعها إلى نسيج تلك المناسبات وطقوسها.
في هذا السياق، بالإمكان إدراج السياسة المستمرة لشركة الوجبات السريعة الأميركية »ماكدونالدز« التي لا تترك مناسبة محليّة إلا وتحتفي بها، كأنها شركة محلية مئة بالمئة.
وبغض النظر عن الانتقاد الذي تجابه به عادة الكثير من السياسات التسويقية التي تعتمدها هذه الشركة (آخرها الجدل الذي أثير على استهدافها الأطفال بإعلانات مثيرة وغير مسؤولة كفاية)،
فإنه لا يمكننا إلا أن نرفع قبعة الإعجاب بما تحمله هذه السياسات من ذكاء، ومرة أخرى، بغض النظر عن مضمون تلك الحملات. الإعجاب هنا ينال من التقنية التسويقية المعتمدة، وهي، في مطلق الأحوال، ليست غريبة عن شركة تاريخها حافل بالنجاحات التسويقية منذ انطلاقتها الرسمية لأول مرة في العام 1965.
»ماك قمر الدين«!
ولا شك أن كثرا قد لمحوا الحملة الإعلانية التي تروّج حاليا لـ»كعكة ماكدونادز« المحشوّة بـ»قمر الدين«. يقول الإعلان، الذي بالإمكان مصادفته في شوارع دبي، »تحلّ بعد الإفطار.. العرض محدود«.
ويقترف الإعلان خطأ لغويا فادحا بإضافته ألف مقصورة إلى فعل هو بصيغة الأمر، ما يستوجب حذف الألف، فتكتب »تحلّ« بدلا من »تحلّى« (الأخطاء اللغوية ليست بجديدة على إعلانات الشركات في دبي، وخاصة الأجنبية)، إلا انّه يربط، بحنكة، بين العلامة التجارية لـ»ماكدونالدز« وبين شهر رمضان الذي يتم فيه استهلاك »قمر الدين« كمشروب رمضاني شعبي.
الأجواء الرمضانية تظهر أيضا في خلفية الإعلان، حيث الزخارف والقناطر والـ»ديزاين« العربي الإسلامي. ومن المفيد هنا تذكّر أن »ماكدونالدز« قد اعتمدت سياسة الإعلانات »الاسلاموية العروبية« بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من تجربة المقاطعة التي واجهتها في فترات معيّنة تميّزت بالتوترات السياسية بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية والحرب على العراق.
وكلنا يذكر الظروف التي أدخلت فيها الشركة منتجها »ماك عربي« إلى منطقة الخليج في مارس العام 2003، حيث كانت دعوات المقاطعة الشعبية لبعض العلامات التجارية الأميركية في أوجها. آنذاك، تهافت السعوديون بالآلاف على قطعة الخبز، التي كان يتم استيرادها من بريطانيا، المحشوة بقطعتي دجاج، كان يتم استيرادها من ماليزيا، إضافة إلى الخس والبصل والطماطم وصلصة الثوم.
وبالرغم من أنه لم يكن هناك أي مكوّن عربي في المنتج، كما هو واضح، فإنّ العبوات المغلفة للساندوتشات لم تخل من عبارات مثل:» هذا المنتج عربي مئة في المئة«. واليوم، وبعد سنوات على سكوت هدير الشوارع، لا يزال »ماك عربي» يختال بزخارفه الشرقية في مطاعم ماكدونالدز كافة، ولا تزال الشركة تغوص أكثر وأكثر في الثقافة المحلية وتطلع بابتكارات تسويقية كل يوم، لن يكون آخرها بكل تأكيد.. قمر الدين!
صوفية »سيتي سنتر»!
لا بد أن كثرا يتذكرون ذلك المساء الذي وقف فيه ثلة من المغنين، ذوي الشعر الكثيف و»السوالف» العريضة والأزياء الضيّقة المبهرجة يعزفون موسيقى السبعينات الثورية والمتحررة. لم يكون ذلك في ساحة »سانت ستيفان« في فيينا، أو شارع »الشونز ايليلزيه« بباريس.. بل في دبي، وتحديدا في مركز تسوّق.
كان ذلك صيف العام الماضي في مركز ديرة سيتي سنتر، حيث قدّم ثمانية عارضين فرنسيين، أتوا خصيصا من بلدهم، عرضهم الذي تميّز بالطرافة واسترجاع تلك الحقبة التي كانت مفعمة بكل ما هو ابتكاري ومتمرّد على التقاليد.
على المسرح ذاته، تلك الخشبة الممتدة تحت القبة الرئيسية للمركز، وقف منذ أيام رجل يقدّم فنّا آخر، ينتمي إلى ثقافة وتاريخ مغايرين. كان الرجل يدور حول نفسه، يرقص ما يعرف برقصة »التنّورة«، على أنغام الموسيقى الصوفية التي تمجّد الخالق، وتنضح بمعاني »العشق والجمال» التي يؤمن بها الصوفيون.
بدا مستلبا و»تائها» في مكان ما، بينما الناس، الذين يأتون عادة للتسوّق، قد »أشهروا« كاميراتهم الرقمية ووقفوا يلتقطون مئات الصور خلال العرض الذي استمر لأكثر من نصف ساعة لم يتوقف فيها الرجل عن الرقص والدوران.
بين عرض »خنافيس« السبعينات، العام الماضي، وعرض الراقص الصوفي هذا العام، لم تفرغ خشبة المسرح، إذ توالت على امتطائها فرق قدمت طوال سنة عروضاتها الثقافية المتميّزة. هكذا نكون بصدد مركز تسوّق لا يكتفي بمهمته التقليدية بأن يكون أشبه بسوق يعرض البضائع، بل يتجاوزها ليطرح نفسه كفسحة محتملة لقضاء وقت ترفيهي مفيد، عبر حرصه على تقديم العروضات الفنية المنوعة.
ثمة ما يعيدنا هنا إلى فكرة السوق القديمة، السوق العربي، الذي كان من حضره يبيع ويشتري ويتسلى ويقول الشعر ويبارز به ويشهد عروض الراقصات الفاتنات. وبالرغم من أنّ السوق أصبح أكثر عصرية، وحمل اسمه الحديث »شوبينغ مول«، إلا أنّ »سيتي سنتر« اختار إلا يتخلى عن المهمة التقليدية في تسلية المتسوقين، حتى أنه صار يضرب موعدا ثابتا للذين يهوون التعرّف على أجواء الثقافات الأخرى وعروضاتها الموسيقية، وهي المهمة التي يضطلع بها عادة مسرح أو مهرجان.
ويطلق المسوّقون على هذا النموذج اسم »التجربة المتكاملة«، أي أن يسعى مركز تسوّق إلى الخروج عن وظيفة التجربة الاستهلاكية المحضة إلى وظيفة التجربة الترفيهية المتكاملة. ولا يسعنا إلا أن نضع خطا عريضا تحت كلمة »الترفيهية«، فتحوّل الاستهلاك إلى ترفيه، يسعد الإنسان ويلبّي لديه احتياجات الأمان والطمأنينة، هو محض ما يطمح إليه المسوقون، ومنهم أولئك الذي يخططون، بنجاح، في »ديرة سيتي سنتر« لاستقطاب مثل تلك العروضات المؤثرة.
متابعة وتصوير إبراهيم توتونجي