تنطلق من العاصمتين بكين وواشنطن إشارات وتلميحات، وأحيانا إنذارات، ترسم في مجملها صورة يحلو لبعض المحللين توصيفها بـ "الحرب الباردة"، سيرا على نمط العلاقات التي كانت سائدة بين موسكو وواشنطن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق لكن تدور رحى هذه المعركة على ساحة »موارد الطاقة« التي أضافت في نظر البعض مجالا جديدا للصراع بين الدولتين.

وتأتي تلك الإشارات في إطار الأجواء التي تمهد لعقد لقاء القمة الأميركية الصينية خلال الشهر المقبل، والتي تسبقها زيارات مكثفة من قبل كبار المسؤولين في البلدين، ويتكهن البعض بأن أمن الطاقة سيشكل جزءا مهما من أجندة أعمال القمة. وتثور على هذه الأرضية توقعات بأن مآل هذا الصراع حول موارد النفط بين الدولتين هو الصدام، بالنظر إلى أن هاتين القوتين الأكثر ظمئا للطاقة تتحركان على مسارين يتجهان نحو الصدام.

وذلك نتيجة للمنافسة بينهما على موارد الطاقة في روسيا وبحر قزوين والشرق الأوسط والأميركتين وإفريقيا بحيث أصبح هذا التنافس يشكل أرضية جديدة للصراع، تضاف إلى ملفات أخرى كتلك الخاصة بسجل حقوق الإنسان والعلاقات مع الدول المغضوب عليها أميركيا.

لكن البعض يستبعد مثل هذا السيناريو، معللا ذلك بأن ما يربط الدولتين من مصالح مشتركة يكفل لهما تجنب الوقوع في براثن عداوات مكشوفة وعلنية فضلا عن أن حوار الطاقة الأميركي الصيني .

والذي جرى تأسيسه مؤخرا سيكبح اندفاع الدولتين نحو المواجهات المكشوفة، إن لم يكن سيشكل حافزا لهما على توثيق التعاون فيما بينهما في مجال تعزيز أمن الطاقة العالمي.

إنذارات نائب وزير الخارجية الأميركي

لقد تجلى اتساع الفجوة بين البلدين بخصوص قضايا الطاقة في سبتمبر الماضي، حيث أطلق روبرت زوليك نائب وزير الخارجية الأميركي والمسؤول عن حوار الطاقة بين بكين وواشنطن تصريحات حملت في معانيها المباشرة صيغ الإنذار.

إذ حذر من أنه إذا ما استمرت الصين في تتبع صفقات مع دول كإيران، فإنها ربما لن يكون في إمكانها تحقيق أمن الطاقة الذي تسعى إليه.

وعبر عن عدم يقينه بشأن ماذا كان هذا الاندفاع الصيني نحو موارد الطاقة يستمد قوته من الشركات الصينية أم من أنه يعكس خطة استراتيجية صينية، ولكنه قال انه من غير المحتمل أن تضمن بكين أمنها في مجال الطاقة عبر إقامتها علاقات مع دول تعتبرها .

واشنطن ودول أخرى بأنها دول مثيرة للمتاعب. وحث زوليك المسؤولين الصينيين على تبني نهج في الطاقة أكثر اتساعا، يشتمل على جهود تعاونية مع واشنطن والدول الأخرى وتطوير موارد طاقة جديدة بخلاف النفط والغاز مع توسيع موارد النفط والغاز الموجودة حاليا، وترشيد استهلاك موارد الطاقة.

وقال إن علاقات الصين مع الدول التي تعتبرها واشنطن بأنها دول مثيرة للمتاعب سوف يكون لها انعكاسات على مجالات أخرى، وخير الصين بين أن تتعاون مع واشنطن للحد من المشكل التي تثيرها هذه الدول أو أن تعمل ضد الولايات المتحدة، وربما كذلك دول أخرى.

وقد أطلق زوليك الحوار الاستراتيجي مع بكين خلال زيارته لبكين في شهر أغسطس الماضي وسط تصاعد القلق الأميركي من تنامي القوة الاقتصادية والعسكرية لبكين، ويهدف الحوار إلى تعزيز التعاون بين البلدين .

وتجنب سوء الحسابات وهو ما يمكن أن ينطوي على مخاطر ضخمة، وذلك عن طريق تناول العلاقات الأميركية الصينية في إطار نطاق عمل أكثر اتساعا.

وأصبحت الصين في عام 2003 ثالث أكبر دولة مستوردة للنفط. وسعت إلى إبرام صفقات بشأن الطاقة مع إيران التي تتهمها واشنطن والدول الأوروبية بأنها تسعى إلى إنتاج الأسلحة النووية.

كما أنها سعت إلى إبرام صفقات مع فنزويلا التي تتحالف مع كوبا عدو الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.ولم يكن هذا التصريح، أو بالأحرى الإنذار، سوى قمة جبل الجليد الطافي فوق سطح البحر.

والذي يعتمل أسفلها الكثير من التفاعلات بمختلف أنواعها وأبعادها حيث تحصل الصين على 13.6% من احتياجاتها النفطية من إيران. وفي مارس2004، وقعت الصين على صفقة قيمتها 100 مليون دولار مقابل شراء 10 ملايين طن من الغاز الطبيعي على مدى خمسة وعشرين عاما.

فضلا عن قيامها بضخ استثمارات في حقول النفط والغاز الإيرانية، والصناعات البتروكيماوية والبنية التحتية لخطوط الأنابيب. وتعتبر واشنطن أن هذا النمو في العلاقات الإيرانية الصينية يضعف عقوباتها ضد إيران.

يقظة النمر الآسيوي

وطفت على سطح هذه العلاقات قضية العرض الذي تقدمت به شركة صينية عامة لشراء شركة أميركية، وكانت هذه القضية في حد ذاتها كفيلة بإطلاق المخاوف وعدم الثقة من عقالها.

وبرزت المخاوف الأميركية من ما أسماه البعض بيقظة النمر الآسيوي، ووجهت اتهامات إلى الصين من قبل الدوائر الأميركية بأنها تسعى إلى التهام أصول الطاقة الأميركية لكي تخلف الولايات المتحدة كقوة عالمية مسيطرة في النظام الدولي.

وحتى قبل تفجر هذه القضية، كان الكونجرس الأميركي متوجسا بشأن تدفق الواردات الصينية وإخفاق الصين في إعادة تقييم عملتها، حيث حققت الصين في العام الماضي فائضا في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة قيمته 162 مليار دولار، وهو ما يعادل 24% من إجمالي عجز الميزان التجاري الأميركي.

وبدأت فصول القضية التي استحوذت على اهتمام مختلف أوساط المال والسياسة في واشنطن، عندما قامت شركة النفط الصينية العامة »كنوك« بتقديم عرض بشراء الشركة الأميركية المنتجة للنفط "يونكال".

وتلقت الأوساط الأميركية هذا العرض على أنه دليل يبرهن على تنامي القوة الاقتصادية الصينية وسعيها لتأمين إمداد كاف من الطاقة لاقتصادها الذي ينمو بمعدلات صاروخية.

وأثار العرض القلق لدى الولايات المتحدة من أن الصين سوف تستخدم مخزونها من الدولارات في شراء المزيد من الشركات الأميركية. وذلك على الرغم من أن المخاوف الأميركية لا تجد ما يبررها في ضوء المقارنة الرقمية بين قيمة الاستثمارات الأميركية المباشرة في الخارج ومثيلتها الصينية.

والتي تؤكد أن الاستثمارات المباشرة الصينية في الخارج مازالت محدودة وصغيرة بالمقارنة مع الاستثمارات المباشرة الأميركية. وفي غضون السنوات الأربع الماضية ضخت الصين على الأقل 11 مليار دولار على هيئة استثمارات خارجية.

كما ضخت هونغ كونغ التي تعتبر جزءا من الصين استثمارات خارجية مباشره قيمتها 39.7 مليار دولار خلال العام الماضي، و24.3 مليار دولار خلال السنوات الثلاث مجتمعة، في حين بلغت قيمة الاستثمارات الأميركية المباشرة في الخارج نحو 700 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وفي العام الماضي بمفرده، وصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الولايات المتحدة 252 مليار دولار مقابل 141 مليار دولار في العام السابق عليه.

السير على طريق الصدام

ويقدر بعض المحللين بأن الدولتين الأكثر ظمئا لموارد الطاقة تسيران على طريق المواجهة، نتيجة لسعيهما لتأمين احتياجاتهما المتنامية من موارد الطاقة، حيث يعتبر نمو الطلب الآسيوي على النفط .

وعلى الأخص الصيني، من وجهة نظر البعض، أحد العوامل الرئيسية المسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط. وأصبحت الصين مستوردا صافيا للنفط منذ عام 2003، وهي تعتبر ثاني اكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة.

كما أنها مسؤولة عن المساهمة بنسبة 40 % في الزيادة في الطلب العالمي على النفط منذ عام 2000، وتقف الاحتياطيات المؤكدة الصينية عند مستوى 18 تريليون برميل وتغطي الواردات النفطية حوالي ثلث استهلاكها من النفط الخام.

ويعتبر النفط عنصرا حيويا في معادلة النمو الاقتصادي الصيني فهو حيوي لدعم النشاط الصناعي وتوليد الطاقة وتشييد مشروعات البنية التحتية وتوفير الوقود للسيارات التي تتزايد أعدادها، وتقدر بعض التقديرات أن اعتماد الصين على واردات الطاقة سوف يتزايد بمعدل 70 % بحلول عام 2020.

وعلي الطرف الآخر، تشير التقديرات إلى أنه من المتوقع أن ينمو الاستهلاك الأميركي وهي أكبر دولة مستهلكة للنفط بمعدل 50 % على مدى العقدين المقبلين.

وهكذا، فانه من المتوقع أن تتزايد تبعية الدولتين على الخارج في تأمين احتياجاتهما من الطاقة، وهو ما يغذي التنافس بينهما على المناطق الغنية بالنفط .

و انتهجت الصين عددا من السياسات لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة بما في ذلك تكثيف أنشطتها في مجال التنقيب عن النفط، وتطوير موارد الطاقة الأخرى البديلة، والنفاذ إلى موارد الطاقة للدول الأخرى.

وتشجيع الاستثمار في تكنولوجيات الطاقة الصديقة للبيئة، و ترشيد استخدام الطاقة. كما انضمت الصين إلى الولايات المتحدة واليابان في بناء مخزون احتياطيات إستراتجية من النفط.

وعلى أية حال، يفرض نمو ملكية السيارات والرحلات الجوية عبر الصين ونمو الصناعات والزراعة والتشييد والبناء والأسمنت، ضغوطا على الصين بأن تعمل على النفاذ إلى موارد الطاقة على المستوى العالمي.

وكنتيجة لذلك، صار أمن الطاقة أحد المجالات الحيوية لأمن واستقرار الصين، ولهذا صعدت الصين من جهودها لتأمين الممرات البحرية وطرق النقل والتي تعتبر حيوية لحركة شحن النفط.

كما أنها قامت بتنويع مواردها من الطاقة لتتجاوز منطقة الشرق الأوسط ،وركزت على مناطق أخرى كأفريقيا وبحر قزوين وروسيا ومنطقة جنوب وشرق بحر الصين.

ومع ذلك، ومع انخراط الصين في منافسة حادة بشأن قيادتها للمنطقة الآسيوية وللعالم النامي تثور احتمالات بأن يؤدي سعيها لتأمين احتياجاتها من الطاقة إلى انخراطها على نحو متزايد في منافسات وعداوات مكشوفة على الأخص مع الولايات المتحدة.

وحتى الآن، تنحصر المنافسة من وجهة نظر البعض في المجال الاقتصادي من خلال الشركات النفطية المملوكة للحكومة الصينية كشركة البترول الوطنية الصينية وشركة الصينية للبترول.

والكيماويات ( سينوبيك ) وشركة البترول الصينية ،ومع ذلك ومع ارتفاع أسعار النفط وزيادة احتياجات الصين من موارد الطاقة، تبرز احتمالات بأن تنتقل المنافسة إلى المجالات السياسية والعسكرية.

خصوصا وأن المسعى الصيني لتأمين احتياجات الطاقة يمتد لمناطق يخيم عليها عدم الاستقرار، فضلا عن غياب أسلوب منسق وموحد للتنسيق بين احتياجات الطاقة في آسيا علاوة على أن هناك علاقات متوترة بين الصين وبعض الدول المجاورة لها، وهو ما يوفر تربة خصبة لتدويل الصراعات الإقليمية.

تشابك المصالح المتبادلة

لكن بعض المحللين يستبعدون احتمالات تفجر الصراع بين الدولتين حول قضايا الطاقة، ومن بينهم ترافيس تانير نائب مدير قسم الدراسات الصينية في مركز نيكسون بواشنطن، ويسوقون في هذا الصدد عددا من الحجج للتدليل على صحة وجهة نظرهم وتتمثل في التالي:

أولا: اتباع الصين إستراتيجية متماسكة في مجال الطاقة، حيث إنها وحتى وقت قريب بدت إستراتيجية الطاقة الصينية بأنها مفككة وغير مترابطة وتركز في الغالب على أهداف محصورة في علاقاتها الثنائية والإقليمية.

ومصممة لخدمة أهداف سياسية على حساب الاعتبارات الاقتصادية، لكن أدخلت الصين مؤخرا تغيرين جوهريين في إستراتيجيتها للطاقة، تمثلا في تنويع مصادر حصولها على الطاقة وخلق أسواق جديدة لاستيراد النفط منها. فعلى سبيل المثال تتحرك الصين نحو إقامة المزيد من المفاعلات النووية.

وزيادة وارداتها النفطية من آسيا الوسطى وإفريقيا وروسيا، وهي بصدد إقامة مشروعات للغاز الطبيعي المسيل، أما التغير الثاني، فهو التحول نحو استراتيجية للطاقة تنهض على مبادئ السوق.

وأحد الأمثلة التي تبين عمق التحول في استراتيجية الطاقة الصينية هو قرارها بالمضي قدما في إقامة خط أنابيب الغاز »كازاخستان الصين« ففي عام 1997.

وعندما تم توقيع الاتفاق الأصلي كان خط الأنابيب أبعد ما يكون عن المنطق التجاري ولكنه كان يعبر عن جهود الصين لخلق علاقات مشاركة مع دول آسيا الوسطى لمواجهة النفوذ الأميركي المتصاعد في هذه المنطقة.

وقد تم مدّ 400 كيلومتر من خط الأنابيب الذي سيبلغ طوله 3000 كيلومتر، ويعبر اندفاع الصين الحالي نحو استكمال بناء الخط عن رغبة بكين في تنويع مصادر استيرادها للنفط والطاقة بعيدا عن الشرق الأوسط .

ثانيا يسمح التقدم التكنولوجي في مجال صناعة النفط بتطوير بدائل جديدة في الطاقة، وزيادة الكفاءة في استهلاك الطاقة، وتقليل الاعتماد على النفط، فلا أحد يعرف حجم الاحتياطات المتبقية من النفط في الأرض ولكن هناك وجهة نظر ترى أن إنتاج النفط سيصل إلى مرحلة النضوب مع منتصف القرن الحالي.

وهو ما سوف يحدث تغيرا بالتحول إلى موارد الطاقة الأخرى كالطاقة المائية والشمسية والرياح، وذلك عندما تتساوى تكلفة استهلاك النفط مع استخدام موارد الطاقة البديلة، الأمر الذي سيقود إلى تراجع الاعتماد على النفط .

ثالثا: حيوية العلاقات الصينية الأميركية، فمنذ إطلاق الحوار في أوائل السبعينات انتعش وازدهر التعاون على الأصعدة الإستراتيجية والسياسية والثقافية والاجتماعية، تحفز تلك المصالح المتنوعة والمتعددة الدولتين على تجنب الانزلاق في صراع حول موارد النفط.

كما ان الدولتين وافقتا في الشهر الماضي على إطلاق حوار الطاقة وهو من شانه أن يوسع نطاق التفاعلات بينهما، ويعزز التعاون بين اكبر دولتين مستهلكتين.

كتب مجدي عبيد: