تهدف سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي إلى تغيير النظام الاقتصادي القائم وتحويله إلى نظام اقتصادي أكثر فعالية وعدالة وهو من الناحية العملية تحويل النظام الاقتصادي من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق.

وبالرغم من الخطوات التي تتخذها العديد من الدول بهدف تحرير الاقتصاد من سيطرة التنظيم الحكومي إضافة إلى تحرير الأسعار وإعادة تنشيط السوق المالي واستبدال العديد من القيود الكمية بإجراءات سعرية.

فلا يمكن اعتبار أن الاقتصاد قد انتقل إلى اقتصاد السوق حيث إن العديد من النشاط الإنتاجي لا يزال في واقع الحال خاضعا لسيطرة القطاع الحكومي أو ما يعرف بالقطاع العام.

إن الإنتقال إلى اقتصاد السوق تفرضه في الواقع اعتبارات متعددة منها الاعتبار العملي المتعلق بسيادة اقتصاد السوق على المستوى العالمي حيث يحكم النظام الرأسمالي واقتصاد السوق قبضته على الاقتصاد العالمي.

ويالتالي فإن غالبية المعاملات والأنشطة تحكمها قواعد السوق حيث لم يعد هناك خيارا أمام العديد من الدول حرية في اختيار نظم اقتصادية تتعارض مع هذا النظام وعلى الأخص في الوقت الذي يزداد فيه الترابط والتداخل بين الاقتصادات المختلفة.

هذا بالإضافة إلى الاعتبارات النظرية حيث تشير الدلائل على تفوق اقتصاد السوق على اقتصاد التخطيط المركزي سواء في تحقيق الكفاءة الاقتصادية أو في توفير العدالة مع العلم بأننا يجب أن لا نفهم اقتصاد السوق على أنه نظام يترك الأمور تسير بحريتها بل تتطلب إلى جانب ذلك وجود دولة قوية ومجتمع مدني قوي وكل منهما يقوم بدوره في حدوده الطبيعية.

وفي الحقيقة فإن اقتصاد السوق لم ينشأ بقرار سياسي وإنما يعتبر محصلة تطور طويل في مختلف المجتمعات وهو يعكس في كل مجتمع من هذه المجتمعات ظروفها وأوضاعها الخاصة.

وقيام هذا النظام لا يتم فقط بإتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير الأسعار وإلغاء الأسعار الإدارية وأشكال الدعم وإنما ما يعتبر مهما بالدرجة الأولى هو خلق المؤسسات المناسبة لاقتصاد السوق.

إن اقتصاد السوق في واقع الأمر يقوم على مجموعة قرارات الأفراد و المشروعات وهذه القرارات يجب أن تتم في ظل ظروف من الإستقرار النقدي والمالي .

والتي تعتبر من مسؤولية الدولة في ضرورة السيطرة على الإصدار النقدي وعجز الموازنة إضافة إلى حماية قيمة النقد في الخارج بالعمل على توفير الإستقرار لأسعار الصرف.

والى جانب توفير الأستقرار النقدي والمالي فان توافر المعلومات والبيانات الاقتصادية السليمة عن مختلف جوانب النشاط الاقتصادي لا تقل اهمية عن ذلك، اذ أن القرارات الاقتصادية لا يمكن أن تأخذ المسار العملي.

وتعمل بفعالية من غير توفير معلومات عن العمالة، الانتاج، الأسعار اضافة الى الأرباح والخسائر لمختلف الوحدات الاقتصادية اضافة الى أن هذه المعلومات يجب أن تتمتع بالمصداقية وأن تصدر من جهات محايدة وبشكل منتظم ودوري وهي في الغالب تعتبر من مسؤولية الدولة في غالبية الدول النامية.

وتعتبر الاجهزة الاحصائية في الغالب هي المسؤولة عن هذه المعلومات والبيانات ولذلك يجب أن تتمتع هذه الاجهزة بالاستقلال التام عن الحكومة وما تنشره من المعلومات والبيانات يجب أن يتميز بالشفافية والمصداقية.

بحيث يوفر المعرفة الكاملة عن الاضاع الاقتصادية والاجتماعية. ان ذلك كله يتطلب تعديلات مؤسسية يتحدد فيها دور ومدى استقلال اجهزة الاحصاء وإدارة المعلومات والبيانات.

وفي الحقيقة، يتطلب اقتصاد السوق وضوح المراكز القانونية حيث يستكمل النظام القانوني لاقتصاد السوق بوضع الحدود على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي وتوفير الحماية للمستهلك وضمان حماية البيئة ومنع الاستغلال.

وان لا يقتصر الأمر على ضرورة وضوح الأوضاع القانونية بل لابد وان يصاحب ذلك نظام قضائي سريع وفعال حيث يتطلب الأمر إلى جانب كفاءة وكفاية النظام القضائي نفسه سلامة الأعمال القانونية بما يحفظ حقوق الأفراد ومصالحهم.

ويرتبط بفكرة دولة القانون عدد من الضوابط لتأكيد المعنى الموضوعي للقانون، فالى جانب ضرورة تحقيق فكرة العدالة والمساواة، فان القانون لابد وأن يراعي حماية الحقوق الأساسية للأفراد وبما يتفق مع التوقعات المشروعة لهم وعلى نحو يحقق الاستقرار المطلوب في مراكزهم القانونية. وتتطلب فكرة دولة القانون ضمانات كافية للقضاء .

وأن يتوافر له استقلاله وضماناته فكل أشكال القضاء الاستثنائي تتعارض مع جوهر فكرة القانون في معناها الموضوعي وان استندت إلى قوانين أصدرتها السلطات التشريعية.

إن اقتصاد السوق في الحقيقة لا يمكن أن يكون مجرد إفساح المجال للقطاع الخاص في مجمل النشاط الاقتصادي وإنما هو تصور متكامل للنظام الاقتصادي والإجتماعي والسياسي يقوم على أساس فكر اقتصادي حر يؤمن بهذه التصورات.

وإذا كان الإطار القانوني وفكرة دولة القانون تعتبر أساسية لمباشرة النشاط الاقتصادي، فإن دولة القانون لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار مؤسسات سياسية ودستورية تأخذ بالنظام الديمقراطي وتؤمن بالمشاركة الجماعية لكل فئات المجتمع.

ولا يمكن اعتبار اقتصاد السوق مجرد نشاط للأفراد والمشروعات في إطار الدولة، فالاقتصاد الحر يتطلب الإعتراف بأهمية النشاط الإجتماعي ومن هنا تأتي أهمية دور منظمات المجتمع المدني في مجال الأنشطة الإجتماعية والثقافية العامة حيث إن التنمية المنشودة هي عملية يتكاتف فيها جميع أفراد المجتمع.

وبشكل واع ودائم ويجب أن تكون موجهة لإيجاد تحولات هيكلية تؤدي إلى تكوين قاعدة وإطلاق طاقات إنتاجية ذاتية يتحقق بموجبها تزايد منتظم في متوسط إنتاجية الفرد وقدرات المجتمع وذلك كله لا يتم إلا ضمن إطار من العلاقات الإجتماعية.

يؤكد الإرتباط بين المكافأة والجهد ويعمق أجواء المشاركة ويوفر متطلباتها ويهدف إلى توفير الإحتياجات الأساسية وضمانات الأمن الشامل أي وجود الإستقرار السياسي ووضوح الرؤية الاقتصادية وتوفر القابليات السياسية والإدارية لتنفيذ الخطة.

ويمكن اعتبار النظام التشاركي في عملية إتخاذ القرارات من البدائل التي يمكن النظر إليها في مجال تخطيط التنمية حيث يقوم هذا النظام على أساس المشاركة الفعالة للمجتمعات المحلية في إتخاذ القرارات لتطور المجتمعات المحلية الخاصة بهم ضمن الأهداف المركزية للدولة.

إن مميزات مثل هذا النظام هو ضمان مشاركة هذه المجتمعات في تطوير مجتمعاتهم مما يدفع إلى جني الفوائد العادلة من تنفيذ برامج التطوير وأيضا يكون دافعا في تحفيز هذه المجتمعات على الإبتكار والتطوير.

إن اقتصاد السوق هو في نهاية الأمر يعني تحمل الأفراد والمشروعات لمسؤولية النشاط الاقتصادي في ظل دولة قوية تراعي السوق وتحميه وتحقق المصلحة العامة وبالتالي فإنها تتطلب خلق المناخ المناسب للثقة والمصداقية في الحاضر والمستقبل وبالتالي لابد .

وأن تحميها المؤسسات الدستورية اللازمة. وعلى هذا الأساس فإن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى أكثر من مجرد إجراءات اقتصادية بل أنه يتطلب تعديلات مؤسسية مهمة في جوهر النظام القائم.

ومع ذلك فإنه من الطبيعي أن يستغرق التحول إلى اقتصاد السوق فترة يتم التحول فيها تدريجيا على أن ذلك لا يحول دون ضرورة وضوح الرؤية والإعتراف بأن اقتصاد السوق يعتبر تغييرا كاملا في النظم والمؤسسات.

وتنمية المجتمع هي عملية يتكاتف فيها جميع أفراد المجتمع وبشكل واع ودائم وبدعم من القيادة لتنمية القدرات الذاتية لمؤسسات المجتمع المدني وتفعيل دورها في التعامل مع قضايا المجتمع.

ويجب أن تكون هذه الجهود موجهة لإيجاد تحولات هيكلية تؤدي إلى إطلاق طاقات إنتاجية ذاتية ويعمق أجواء المشاركة ويوفر متطلباتها ويهدف إلى توفير الإحتياجات الأساسية وضمان الأمن الشامل أي وجود الإستقرار السياسي ووضوح الرؤيا الاقتصادية.

ويعتبر تشخيص التحديات التي تواجه طموحات التنمية تعبيرا عن إرادة التغيير الحقيقية إضافة إلى أن فهم هذه التحديات ومعرفة أسبابها يجب أن يكون أساسا بالإصرار على مواجهتها وبذلك تكون استراتيجية التنمية هي استراتيجية فكر ودعوة مما يتيح لها فرصة التطبيق العملي.

وفي الحقيقة فقد بذلت محاولات عديد في مجال التنمية والإصلاح ولكن يجب أن يكون التحرك الأساس من مفهوم أن التنمية والإصلاح تهدف إلى توفير بعض الجوانب الأساسية في النظام والمؤسسات الدستورية .

وعلى أن تكون عملية مشاركة فعالة ومتفاعلة من قبل الجميع تحت ظل مفهوم ديمقراطي واسع حيث يجب أن تتضمن النظرة الجديدة للتنمية والإصلاح على إقامة قاعدة دعم اجتماعي قوية وواسعة للتحول عن الطابع التقليدي لمنهجية التخطيط والتنمية .

ومحاولة نشر القابليات والقدرات التخطيطية والتنموية من خلال المجتمع ككل عن طريق نشر أوسع للبيانات والمنهجيات وتدريب الفئات الاجتماعية المهتمة باستكشاف الخيارات والاستراتيجيات البديلة للتنمية.

محلل اقتصادي

E-mail : wisamjamil@yahoo.com