يجدر بنا ان نتوقف أمام قرار وزراء مالية دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم الأسبوع الماضي في جدة بتمديد المرحلة الانتقالية لتطبيق الاتحاد الجمركي الخليجي لمدة عامين آخرين تنتهي بنهاية 2007.
حيث إن تطبيق هذا الاتحاد يمر ومنذ ثلاث سنوات بمرحلة تطبيق انتقالية كان يفترض أن تختتم بنهاية العام الحالي إلا أنه – ووفقا لمصدر رسمي – نظرا لعدم التوصل لحلول في مواضيع مثل صيغة توزيع الايرادات.
ومسألة إزالة المهام الجمركية من المنافذ الحدودية وأيضا موضوع السياسات الحمائية، برزت الحاجة لتمديد المرحلة الانتقالية حتى نهاية 2007. وغني عن القول أن هذه التأجيل يثير العديد من التساؤلات مثلما يعطي دلالات سلبية على وجود خلل في مسيرة التعاون الاقتصادي.
فصحيح أن موعد تطبيق الاتحاد الجمركي الموحد كان قد تم تقديمه إلى مطلع عام 2003 بدلا من 2005 ـــ والذي اعتبر انجازا لصالح مسيرة التعاون الخليجي آنذاك الا أن اليوم يعطي الانطباع بأن ذلك القرار لم يكن ناضجا بالأصل.
وبالتالي فإن القرار الجديد يعني من الناحية العملية إلغاء قرار التقديم لأن الدخول الفعلي سوف يكون في كلتا الحالتين الآن نهاية عام 2007. ومع ذلك، فإن التسليم بهذا القول يعد بحد ذاته مؤشراً سلبياً على مدى سلامة منهجية اتخاذ القرارات على المستوى الخليجي.
وإذا تجاوزنا هذا القول لعدم اقتناعنا به، فيجب أن نستذكر أن المفاوضات بشأن الاتحاد الخليجي الموحد تواصلت لفترة العشرين عاما مما يعني أن أي قرار اتخذ بشأن بدء تنفيذه جاء متأخرا جدا وليس مبكرا.
لذلك، نعتقد بالفعل أن السبب الرئيسي للتأجيل هو عدم التمكن من تدليل القضايا العديدة والمتشابكة التي تحول دون تفعيله، وهو أمر مؤسف كما ذكرنا كونه يعطي .
هو الآخر دلالات سلبية بالنسبة لقطاع رجال الأعمال والمصدرين والمواطنين الخليجيين فيما يخص العمل الاقتصادي المشترك بين بلدانهم، كذلك الحال بالنسبة للشركاء التجاريين الرئيسيين لدول المجلس .
و لاسيما الاتحاد الأوروبي الذي كان يشترط التوصل لهذا الاتحاد قبل توقيع اتفاقية التجارة الحرة الجماعية مع دول المجلس. وبالتالي، فإن تأخير تنفيذه قد يلقي بظلاله على المفاوضات الخاصة بهذه الاتفاقية والتي ذكر أنها من المؤمل أن تنتهي هذا العام.
ومما يثير القلق إزاء موضوع التأجيل أن القضايا التي تحول دون تفعيل قرار الوحدة الجمركية لا تزال متشابكة وعديدة ولا تقتصر على قضية أو قضيتين محدودتين.
ويأتي في مقدمتها هذه القضايا أولا وضع آلية لانتقال السلع فيما بين دول المجلس خلال المرحلة الاولى الانتقالية لتوزيع الحصيلة الجمركية وثانيا معالجة تعارض التزامات دول المجلس لمنظمة التجارة العالمية مع متطلبات وشروط قيام الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون.
وثالثا معالجة البضائع التي ترد مستنداتها عن طريق البنوك عند قيام الاتحاد الجمركي والعمل بنقطة الدخول الواحدة. ورابعا معالجة البضائع التي تستوفي رسومها بالتأمين وذلك عند العمل بنقطة الدخول الواحدة. وخامسا المعوقات غير الجمركية.
وبالنسبة لآلية التحصيل المشترك وتوزيع الايرادات الجمركية في الاتحاد الجمركي لدول المجلس فان هناك دراسة اعدتها الكويت حول توزيع الحصيلة الجمركية بموجب البديل الشامل على اساس صافي الواردات حيث توصي الدراسة بالعمل بالمرحلة الأولى الانتقالية من البديل الشامل والتي يتم فيها توزيع الحصيلة الجمركية على اساس صافي واردات الدولة .
وحسب المقصد النهائي للسلع المستوردة، مع ايجاد آلية مستندية مناسبة للتعامل مع انتقال السلع المستوردة فيما بين دول المجلس وعلى ان يتم ذلك دون عوائق تحول دون حرية انسياب السلع.
وبالشكل والمضمون الذي يتناسب مع العمل بنقطة الدخول الواحدة. وتمتد فترة هذه المرحلة لمدة اربع سنوات كحد اقصى من تاريخ قيام الاتحاد الجمركي لدول المجلس والعمل بنقطة الدخول الواحدة.
ويتم توزيع اجمالي الحصيلة الجمركية في المرحلة الاولى على اساس صافي قيمة واردات كل دولة بعد استبعاد قيمة الواردات التالية:
الاعفاءات الجمركية كافة، واردات المناطق الحرة، البضائع المعاد تصديرها الى خارج دول الاتحاد الجمركي لدول المجلس، بضائع الادخال المؤقت، والبضائع التي تستوفى (تحصل) رسومها بالتأمين.
الا أن بعض الدول الأعضاء في المجلس تعترض على هذه الطريقة لكونها سوف تؤثر سلبا على حصصها ضمن آلية التوزيع المشترك، ويرجع هذا الرأي لعدة اسباب، اهمها التعرفة الجمركية الحالية المتدنية على السلع المستوردة بالاضافة لتمتع شريحة عريضة من هذه السلع للاعفاء من الضريبة الجمركية، الامر الذي يسقطها من جملة الايرادات.
وترى هذه الدول، انه في حالة احتساب آلية التوزيع فيها على اساس بيانات ومعطيات ما قبل الاتحاد الجمركي وفق آلية يكون التوزيع فيها على اساس صافي واردات الدول الاعضاء من السلع، تحتسب فيها قيمة السلع المعفية ضمن قيمة هذه الواردات وهذا ينسجم ومبدأ عدالة التطبيق على الجميع.
وفيما يخص معالجة مدى تعارض التزامات دول المجلس لمنظمة التجارة العالمية مع متطلبات وشروط قيام الاتحاد الجمركي، يتضح من دراسة أعدتها الأمانة العامة لدول المجلس حول الموضوع ان تنفيذ التعرفة الموحدة .
وهي 5.5% للسلع الاساسية و7.5% للسلع الاخرى قد يتعارض مع لوائح الجات التي تسمح بوصول التعرفة لبعض السلع الى 35% مما يقتضى تسريع مفاوضات دول المجلس مع الدول العربية للوصول الى منطقة التجارة العربية الحرة.
كما اعدت الامانة العامة مذكرة اخرى حول ما تبقى مناقشته من النظم الداخلية للاستيراد في الدول الاعضاء تتضمن معالجة وضع البضائع التي ترد مستنداتها عن طريق البنوك، ومذكرة اخرى حول البضائع التي تستوفي رسومها بالتأمين في ظل قيام الاتحاد الجمركي والعمل بنقطة الدخول الواحدة لدول المجلس.
وكذلك معالجة موضوع الادخال والتصدير المؤقت في ظل قيام الاتحاد الجمركي والعمل بنقطة الدخول الواحدة لدول المجلس وفق الاحكام الواردة في النظام (القانون) الموحد للجمارك لدول المجلس.
كذلك تعالج المذكرة وضع السماح للمخلصين الجمركيين بدول المجلس بممارسة مهنة التخليص الجمركي بالدول الاعضاء بموجب ما ورد في النظام (القانون) الموحد للجمارك لدول المجلس، والغاء اشتراط الحصول مسبقاً على رخص الاستيراد عند استيراد أي بضائع لأي من دول المجلس لكونها تتعارض مع متطلبات الاتحاد الجمركي لدول المجلس .
والعمل بنقطة الدخول الواحدة. ومع ذلك، فإن تطبيق جميع هذه المقترحات لا يزال يسير ببطء يواجه صعوبات إدارية وروتينية لا تتناسب مع أهمية مشروع الاتحاد الجمركي وأهدافه الاقتصادية الحيوية.
وبخصوص المعوقات غير الجمركية فهي كثيرة، ونكاد نقول إنها تتزايد بدلا من أن تتناقص وتتطلب بالتالي سرعة وجدية المعالجة مثل معوقات شهادة المنشأ والقيمة المضافة والمواصفات الفنية .
وتعقد الإجراءات الجمركية والانظمة المرورية والإجراءات المطبقة على مرور وسائط النقل بين دول المجلس وارتفاع تكاليف النقل بين دول المجلس مع ضعف المشاريع المشتركة في مجال تأسيس شركات نقل مشتركة, خاصة في مجال النقل البري والساحلي.
كذلك النظر في امكانية منح السائقين من غير المواطنين الخليجيين العاملين على وسائل نقل وطنية تأشيرات متعددة السفرات تكون صالحة لفترات طويلة تتراوح بين ستة شهور الى سنة كاملة بدلا من التأشيرات التي تمنح لسفرة واحدة فقط.
لذلك، نعيد التأكيد ان اجراءات التسريع بتفعيل الاتحاد الجمركي الموحد مسألة غاية في الاهمية لازالة العراقيل التي يمكن ان تقف أمام انجاز الاتفاقيات الخاصة باقامة السوق الخليجية المشتركة والوحدة النقدية.
كما أن التطبيق الكامل لقوانين منظمة التجارة العالمية سوف يضع كافة بلدان العالم امام تحديات اقتصادية وتجارية جديدة، حيث تعتبر التعرفة الجمركية الموحدة بين بلدان المجموعات والتكتلات الاقتصادية أحد أهم الضمانات التي تسمح باستمرار وجود هذه المجموعة الاقتصادية.
أو تلك ككيان اقتصادي موجد تجمعه العديد من عوامل التعاون والتنسيق والتكامل الاقتصادي. لذلك، فإن العديد من العوامل التي تتطلبها مرحلة منظمة التجارة العالمية والخاصة بالمجموعات والتكتلات الاقتصادية.
وبالاخص عامل التعرفة الجمركية الموحدة، لابد من انجازها قبل ذلك التاريخ لضمان استمرار عمل هذه التكتلات بما فيها التكتل الخليجي كسوق موحدة يتمتع اعضاؤها بالافضليات التي يتم منحها في نطاق المجموعة الاقتصادية الواحدة.
كما نعيد التأكيد أخيرا على ما سوف تجنيه دول المجلس من منافع اومزايا عديدة من تطبيق الاتحاد الجمركي الموحد على صعيد تنمية الصادرات الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة تنمية التبادل التجاري البيني في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام.
وحرية انتقال السلع والمنتجات الوطنية بين هذه البلدان دون عوائق و تذليل المعوقات التي تواجه انتقال السلع ذات المنشأ الوطني بين الدول الخليجية واعتبارها .
كما لو انها تنتقل في دولة واحدة بشكل خاص. ان تنمية التبادل التجاري بين دول المجلس يعد مطلبا اقتصاديا ملحا اذا ما ارادت دول المجلس ان تدخل عصر العولمة الاقتصادية بما يتيحه من فرص وبما يفرضه من تحديات جديدة.