تناوب النحاس والذهب المواقع على سلم الصعود خلال الأسبوع الماضي، وتحرك المعدنان اللذان يشتركان في اللون الأصفر على منحنيين سعريين متضادين، ففي الوقت الذي سجل فيه النحاس في منتصف الأسبوع الماضي أعلى مستوياته السعرية على الإطلاق منذ قيده في بورصة لندن للمعادن.

سلك الذهب مسار الهبوط. لكن مع حلول نهاية الأسبوع الماضي، تناوب المعدنان مواقعهما، بأن اتجهت أسعار الذهب إلى الصعود وعكست أسعار النحاس مسارها الصعودي لتتجه نحو الهبوط.

وتألق دور صناديق التحوط وأموال المضاربة في عمليات صعود وهبوط أسعار المعدنين، علاوة على بروز دور المقومات الأساسية للسوقين في التأثير على منحنى أسعارهما.

فمن جانب، حال الطلب الهندي القوي على الذهب دون من المزيد من التراجع في سعره، وسط توقعات بأن تتلو عمليات التصحيح التي يشهدها سوق الذهب في الوقت الراهن، عمليات شراء من قبل صناديق التحوط والمضاربين تدفع السعر نحو الصعود مجددا، ليسجل ارتفاعات قياسية خلال العام المقبل. ومن جانب آخر، كان لنقص مخزون النحاس.

وظهور القلق بشأن عدم كفاية الإمداد لتغطية احتياجات الطلب المتنامي خصوصاً الطلب الصيني، أثره الإيجابي في دفع سعر النحاس إلى مستويات تاريخية وغير مسبوقة، وسط توقعات بعودة السعر نحو التراجع.

النحاس صعد ثم تراجع

في 21 أكتوبر الجاري، هبط سعر النحاس للتسليم بعد ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن إلى 3795 دولارا للطن، مقارنة مع إغلاقه في اليوم السابق عند 3950 دولارا للطن ليسجل بذلك أدنى مستوى له منذ 14 أكتوبر الجاري.

وجاء هذا الانخفاض، بعدما سجل سعر النحاس في 20 أكتوبر الجاري أعلى مستوى بلغه على الإطلاق بتجاوزه سقف الــ4 آلاف دولار للطن المتري في بورصة لندن للمعادن.

ونتج هذا الارتفاع عن شيوع تكهنات بوجود نقص في المعروض في الوقت الذي يصعد فيه الطلب لدى دول كالصين، حيث قفزت أسعار العقود الآجلة للنحاس للتسليم بعد ثلاثة شهور إلى 4008 دولارات للطن، وهو أعلى مستوى يسجله سعر النحاس منذ تم قيده في بورصة لندن في عام 1870.

وهكذا صعد السعر في سوق لندن للمعادن 77 دولاراً أي 2% إلى 4005 دولارات للطن المتري من 3991 دولارا، وبهذا حقق المعدن مكاسب خلال هذا العام نسبتها 27%، وتفوق بذلك على الألمونيوم والنيكل والمعادن الأخرى في بورصة لندن للمعادن.

وقد تكهن بنك سوسيتيه جنرال في مذكرة تحليلية صادرة في 3 أكتوبر باتجاه أسعار النحاس نحو الصعود، وردت المذكرة أسباب هذا الصعود إلى أن الاستهلاك العالمي للنحاس سيفوق إنتاج المناجم والمعروض من الخردة بكمية مقدارها 250 ألف طن.

وفي السياق ذاته، قدر ستيفين بريجز محلل المعادن في بنك »سوسيتيه جنرال« أن النقص في معروض النحاس سيبلغ 100 ألف طن خلال العام الجاري. وفي الإطار ذاته، توقع ويل آدمز المحلل في مؤسسة »سافرون والدين« أن يتراجع إنتاج النحاس في شيلي والتي تعتبر أكبر دولة منتجة للنحاس.

وقد هبط مخزون النحاس في بورصة لندن للمعادن في 20 أكتوبر بمقدار 225 طنا متريا ليبلغ 62.825 طناً مترياً، فيما لم تظهر البيانات الحديثة الصادرة عن قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية دلائل تشير إلى وجود غير في مستوى المخزون والذي بلغ 3.690 ألف طن متري.

وبلغ حجم مخزون النحاس العالمي في 20 أكتوبر الجاري والذي تتابعه البورصات البريطانية والأميركية والصينية نحو 100 ألف طن، أي ما يوازي تغطية للطلب العالمي لمدة ثلاثة أيام.

وقال إيان هينديرسون المسؤول عن إدارة أصول قيمتها 690 مليون دولار لحساب صندوق الموارد الطبيعية في مؤسسة »جيه بي مورجان فليمينغ« إنه لا يوجد فائض في المعروض النحاس.

الصين تقود الطلب

وتقود الصين حالة الصعود في الطلب على النحاس بحكم امتلاكها اقتصاداً يسجل أسرع معدل للنمو في العالم، فضلا عن كونها أكبر مستهلك للنحاس. وعزا بعض المحللين صعود سعر الذهب إلى البيانات الاقتصادية الصينية والتي أظهرت نمو الناتج المحلي على نحو أكبر مما كان متوقعاً.

حيث أفادت البيانات أن الاقتصاد الصيني حافظ على معدل نموه السريع خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الجاري، وسجل نموا بنسبة9.4% نتيجة لقوة الاستثمار وانتعاش الصادرات، وعليه، فاق معدل النمو التوقعات التي قدرت بأن الاقتصاد الصيني سينمو خلال الربع الثالث بنسبة تتراوح بين 9.2 و9.3%.

وقد غذي هذا النمو توقعات بأن يشهد الطلب الصيني على النحاس المزيد من الصعود، حيث أن الصين تستحوذ في الوقت الراهن على 22% من إجمالي الطلب العالمي على النحاس .

وعبر إدوارد مير المحلل في مؤسسة مان فاينانشيال عن هذا التقييم بقوله »إنه لا يوجد في الواقع أخبار تفسر مثل هذا الصعود في أسعار النحاس سوى الأنباء الآتية من الصين والتي تظهر أن الاقتصاد الصيني نما بمعدل أسرع مما كان متوقعا، حيث زاد معدل النمو خلال الربع الثالث بنسبة 9.4% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.

وهو ما يدل على حدوث تراجع طفيف في نمو الاقتصاد الصيني. كما أشار محلل المعادن هانديرسون إلى أنه من المتوقع أن يرتفع الطلب الصيني على النحاس، نتيجة لاتجاه الصين نحو بناء 20 مليون منزل جديد، وبالتالي فهناك حاجة ملحة على المواد الخام«.

دور الصناديق والمضاربين

وبرز عامل آخر عزز صعود سعر النحاس، وهو طلب صناديق التحوط وصناديق المعاشات والمستثمرين الذين يتتبعون مؤشرات السلع لشراء المعادن كبديل عن أصول كالأسهم والسندات.

فقد ارتفع مؤشر جولدمان ساكس للسلع والذي يقوم بتتبع المعادن علاوة على النفط والماشية بنسبة 42 % خلال هذا العام، فيما هبط مؤشر إستاندارد آند بورز والذي يتألف من 500 أكبر شركة أميركية بنسبة 1.3 %.

ويقول بيتر هولاندز المحلل في مؤسسة Bloomsbury Minerals Economics إن المتتبعين للمؤشرات والذين يتاجرون في نطاق متسع من السلع سيديرون أموالا قيمتها 80 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري. وفي الإطار ذاته.

ووفقا لبيانات اللجنة الأميركية للمتاجرة في العقود الآجلة، زادت المراكز » الطويلة » لمديري صناديق التحوط والمضاربين في عقود النحاس الآجلة خلال الأسبوع المنتهي في 11 أكتوبر حيث ارتفع صافي المراكز الطويلة بمقدار 1590 عقد أي بنسبة 17 % عن الأسبوع السابق عليه.

وفاقت المراكز الطويلة تلك القصيرة بكمية مقدارها 11.111 عقدا، ويرمز هنا إلى المراكز الطويلة بأنها عمليات الشراء والمراكز القصيرة بأنها عمليات البيع.

المستفيدون والخاسرون من الأسعار المرتفعة

وأدى صعود أسعار النحاس خلال هذا العام إلى ارتفاع عائدات شركات التنقيب عن النحاس مثل شركة »بي اتش بي بيلتون« وشركة »ريو تينتو جروب«، ولكن على الجانب المقابل، ألحقت أسعار النحاس المرتفعة خسائر بمصنعي منتجات النحاس، ومن بينهم شركة نيكسانس المتخصصة في تصنيع المواسير ومقرها باريس وشركة Societa Metallurgica .

ومقرها إيطاليا وتعمل في مجال إنتاج المواسير، وألقت الأخيرة باللوم على أسعار النحاس لتكبدها خسائر قيمتها 3.5 ملايين يورو خلال النصف الأول من العام، مقابل أرباح حققتها وقيمتها 12.2 مليون يورو عن الفترة نفسها من العام الماضي.

ويتوقع بعض المحللين بأن تتراجع أسعار النحاس خلال العام المقبل كنتيجة للتغيرات في حجم الطلب والمعروض. وقدر جون هيل المحلل في مجموعة سيتي جروب أن تتراجع أسعار النحاس في عام 2006 إلى 2535 دولاراً للطن.

المسار المضاد للذهب

وعلى الجانب الآخر، سلك الذهب مساراً سعرياً معاكساً للمسار الذي سلكه النحاس، ففي الوقت الذي تراجع فيه سعر النحاس، وعلى وجه التحديد في 21 أكتوبر الجاري، بدأت أسعار الذهب في الانتعاش.

حيث أنهت أسعار الذهب للبيع الفوري جلسة التعاملات في أوربا على ارتفاع طفيف عند 462.10 دولارا للأونصة، مقارنة مع 461.60 دولارا للأونصة في الإغلاق السابق عليه في بورصة نيويورك التجارية.

وجاء هذا الانتعاش في أسعار الذهب بعدما تراجعت أسعار العقود الآجلة للذهب للتسليم بعد ثلاثة أشهر في بورصة نيويورك التجارية في 19 أكتوبر الجاري نحو 8.80 دولارات ودولارين في اليوم السابق عليه.

وقد انخفض سعر الذهب نتيجة لارتفاع الدولار وتراجع أسعار النفط والمخاوف من مبيعات محتملة من قبل صناديق التحوط والمضاربين، وقادت هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع السعر إلى 465 دولارا للأونصة، وهو ما يقل 17 دولارا عن أعلى سعر سجله على مدى 17 عاما.

بيد أن العديد من محللي الذهب الذين قد حّذروا من عمليات تصحيح يقودها المضاربون، يتوقعون بأن يتلو عمليات التصحيح وتصفية المراكز، عودة الذهب للصعود مرة أخرى.

كما ظهرت توقعات تقدر بأن يسجل الذهب ارتفاعات جديدة خلال العام القادم بفعل ارتفاع معدلات التضخم والقلق بشأن أسواق الأسهم والقيود على إمدادات المناجم.

ووفقا لمذكرة تحليلية صادرة عن بنك » إيه بي إن آمرو«، مازال من المعتقد أن يستمر الذهب مستمر في بناء مستويات عالية خلال العام المقبل، وإنه ربما ينجح في بلوغ مستوى 500 دولار للأونصة.

توقعات بعودة الصعود مجدداً

وقد رفع البنك توقعاته لمتوسط سعر الذهب للعام الجاري بمقدر 5 دولارات ليصل إلى 440 دولاراً للأونصة، والي 485 دولاراً للأونصة عن العام المقبل بأكمله، وأشارت المذكرة إلى أن معنويات السوق خلال الأشهر الأخيرة من العام تبدو أفضل مما كانت عليه في مستهله.

وتوقع البنك حدوث زيادة طفيفة في إنتاج المناجم خلال الأعوام القليلة المقبلة، وذلك نتيجة لإضافة إمدادات جديدة من استراليا وأميركا الجنوبية واندونيسيا.

وخلصت المذكرة إلى أنه وبمعزل عن التضخم والقلق بشأن أسواق الأسهم، فإن المقومات الأساسية للسوق تبدو في صورة رائعة، بالنظر إلى حالة التشدد التي يشهدها إنتاج المناجم.

وفي الإطار ذاته، قدرت مذكرة تحليلية صادرة عن مؤسسة BullionDesk.comأن الشراء المادي للذهب في الهند لا يزال يتميز بالقوة، وهو ما يحول دون المزيد من التراجع في سعره.

وما يغذي التوقعات المتفائلة بعودة أسعار الذهب للانتعاش تسجيل الاقتصاد الصيني معدل نمو يتجاوز 9% خلال الربع الثالث من العام الجاري، إلى جانب تحسن أفق الاقتصاد الأميركي وتقدم هذه العوامل قوة داعمة لسعر الذهب.

كتب مجدي عبيد: