بدأت تداعيات حملة الكريملين لبسط سيطرته على صناعات النفط والغاز الاستراتيجية تظهر في قطاعات أخرى، مطلقة تحذيرات عمومية غير مسبوقة من مسؤولين حكوميين مناصرين للسوق، إزاء التدخل الحكومي.

ويأتي التحذير في وقت تحرف روسيا مسار اقتصاد السوق الذي ساعد في إذكاء شعلة النمو خلال الفترة الأولى من حكم الرئيس فلاديمير بوتين، باتجاه نهج أكثر توازناً، والذي تجسد في تأميم عمليات بوكوس، كبرى شركات إنتاج النفط في البلاد، في شهر ديسمبر الماضي.

وقال اقتصاديون إن التدخل الحكومي المتزايد ساهم إلى حد بعيد في إبطاء عجلة النمو الاقتصادي، بالرغم من بلوغ أسعار النفط والغاز، صادري البلاد الرئيسيين أعلى ارتفاعات لها، هذا فضلاً عن أن الإنفاق الحكومي المتزايد يقوّض الجهود الهادفة إلى خفض حجم التضخم.

لقد أدى ازدياد التدخل الحكومي في قطاع الطاقة إلى بطء النمو في الإنتاج النفطي، لثاني دولة مصدرة للنفط في العالم، حيث استخدمت الشركات الخاصة التكنولوجيا لدفع عجلة الإنتاج.

وكانت شركات احتكار الطاقة التابعة للدولة، تحركت في الأسابيع القليلة الماضية، إلى شراء حصص في شركات هندسية كبرى الأمر الذي كفل لها موقعاً قطبياً في قطاع هيمن عليه الرأسمال الخاص ردحاً طويلاً من الزمن.

وقال مسؤولون حكوميون بأن الحصص تلك يمكن جمعها في بوتقة مؤسسات ضخمة، يمكن أن تهيمن على قطاع بناء المعدات الصناعية، كما أن هناك استراتيجية مماثلة يجري تطبيقها في قطاع الطيران، فقد صنفت روسيا صناعة الشاحنات الثقيلة »كامانز« تحت بند شركة استراتيجية حائلة دون مزيد من الخصخصة، وهو ما دفع بالمحللين الى التساؤل عن القطاعات التي سيأتيها الدور.

ويبدو أن هذا النهج يمليه الاعتقاد في الإدارة الرئاسية بضرورة بقاء الأصول الاستراتيجية في يد الدولة، عوضاً عن خضوعها لهيمنة المصالح الخاصة أو الأجنبية.

وثمة اعتقاد بأن امتلاك الدولة للصناعات المهملة سابقاً، سيساعد روسياً في تنويع اقتصادها بعيداً عن اعتماده على النفط والغاز.

وكان وزراء كبار من مناصري السوق أصدروا تحذيرات سريعة حيال التكتيك، واصفين فكرة توسعة الدولة لوجودها في الاقتصاد، وتوليها مسؤولية قطاعات معينة، بأنه »نياندرثالي«،

وقال وزير الاقتصاد جيرمان غريف الشهر الماضي »بأن النياندرثاليين انقرضوا ولابد من انقراض هذه الأيديولوجية« وجاء حديث غريف في أعقاب إعلان شركة احتكار الغاز الطبيعي غاز برون، عن خططها لشراء خامس شركات إنتاج النفط الروسي سيبنفت، بمبلغ 13 مليار دولار.

وقد تزامن دور الدولة المتنامي، مع زيادة الإنفاق العام، حيث شرعت السلطات أبواب خزائنها قبيل الانتخابات المزمع اجراؤها بين عامي 2007 ــ 2008. غير أن التحرك سيطرة الدولة لا يعد حتى الآن تراجعاً واسع النطاق عن روح السوق الحرة التي سرت في تسعينات القرن الماضي،

عندما مضت روسيا قدماً في أكثر عمليات الخصخصة الشاملة طموحاً في التاريخ، ورغم أن الحكومة تعيد إحكام سيطرتها على بعض القطاعات، فإنها لم تتوقف عن تجريد أصول الدولة، ويقول مسؤولون، ان احتكار الاتصالات التابع للدولة يمكن أن يباع في مطلع العام المقبل وفي الوقت الذي تتوسع فيه شركتا الطاقة الحكوميتان روسنيت وغاز بروم بصورة نشطة، يعد الكرملين،

بفتح الباب أمام المستثمرين في حصص الأقلية في كلا الشركتين. غير أن ذلك يتزامن، مع اتجاه لإغلاق الباب أمام الأجانب، في بعض الصناعات التي تعتبر استراتيجية. وكانت السلطات، منعت في شهر ابريل، عرضاً تقدمت به الشركة الهندسية الألمانية العملاقة سيمنز، لشراء صانعة التوربينات باور ماشينز، تحت ذريعة الأمن القومي.

في غضون ذلك تزداد ملكية الدولة في القطاع الهندسي. فقد اشترت شركة احتكار الكهرباء UES الحكومية حصة في باور ماشينز من المجموعة الصناعية انتيروس، التي يملكها البليونير فلاديمير بوتانين. كما تجري غاز بروم محادثات لاستحواذ OMZ، التي تصنّع أجهزة التعدين، ومصانع الطاقة النووية ولا يختلف الأمر عن القطاعين المعرفي والفضائي، فدور الدولة في ازدياد

فقد نجا فنشتورغ بانك، الحكومي، من أزمة مالية العام الفائت، باعتباره أحد اللاعبين الكبار في الخدمات المالية الروسية بعد شرائه، غوتابانك العاثر، وهو على وشك الاستحواذ على فروع البنك المركزي الروسي الخارجية، كما ان »ايركوت«، وهي مجموعة خاصة تصنع المقاتلات النفاثة سيجري دمجها في تحالف حكومي كبير تحت اسم يونايتد ايركرافت كومباني، كجزء من خطته لتوحيد صناعة الفضاء الروسية المبعثرة.

ويقول محللون، إن الحكومة راحت تأخذ العبر من البلدان الآسيوية. حيث ساهم التعاون بين الحكومة ورجال الأعمال، في تغذية النمو القوي في التصنيع. في حين يرى اقتصاديون آخرون، النهج الجديد، ضرباً من ضروب السياسة.