انفض مجلس رمضاني رعاه الفريق ضاحي خلفان تميم قائد شرطة دبي الخميس الماضي باتفاق الحاضرين على أن «القوانين الاستثمارية المعمول بها في دول الخليج أصبحت تشكل اكبر عائق امام اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بسبب قدمها وعدم مواكبتها لغة ومفاهيم الاقتصاد العالمي الجديد»

ولاقت فكرة «تحديث البنية التشريعية الاستثمارية الخليجية بقرارات جريئة وشجاعة» تأييدا من الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي ود.حبيب الملا رئيس المجلس التنظيمي لمركز دبي المالي العالمي وسعيد المنتفق مدير عام هيئة دبي للاستثمار والتطوير ومحمد مؤمنين نائب مدير محطة «سي ان بي سي» ورجل الأعمال السعودي علي الشهري.

وانتقد المشاركون في الجلسة الرمضانية التي نظمتها جريدة «الاقتصادية» ما وصفوه «بالأمراض المزمنة التي تعاني منها دول الخليج كغياب الشفافية واستفحال البطالة والبيروقراطية» وأجمعوا على أن تجربة دبي المتفردة على صعيد جذب الاستثمارات ما كانت لتنجح لو انها لم تضع خلفها ما يضعه الآخرون أمامهم من مخاوف باتت غير مشروعة في زمن تتحكم فيه اللعبة الاقتصادية ولغة الأرقام بدلا من لغة الرصاص والقنابل»

أمسك الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي بنافلة الحديث وألقى من الوهلة الأولى ــ وكما هو معروف عنه- حجراً في »مياه الجلسة« عندما تساءل عن متطلبات ومقومات المناخ الاستثماري في أي مكان في العالم قبل الحديث عن مقدرة هذا المناخ على استقطاب الرساميل الأجنبية وشرح كيف نجحت دبي في الخروج إلى العالم مرفوعة الهامة اقتصادياً بمجموعة من السياسات الحكيمة واستشهد بأمثلة عديدة على الابتكار الذي مارسته دبي لكي لا تكون نسخة للآخرين بقدر ما أصبحت نموذجا يقلده الآخرون على صعيد جذب الاستثمارات إليها.

وقال: إذا ما تعلق المناخ الاستثماري على الصعيد الأمني فان اغلب دول الخليج تمتلك أرضية أمنية قوية ومتينة لا تتوفر في اغلب دول العالم المتقدمة على صعيد العدة والعدد«، وأشار إلى أن ما يثلج الصدر هو أن الأمن الذي تتمتع به دول الخليج عموما ودبي على وجه التحديد، نتاج شراكة بين جهاز الشرطة وأعضاء المجتمع،

وهو أمر من الصعب تحقيقه في العديد من الدول، ولدينا في دبي تجربة حية على الدور الذي يلعبه المواطن والمقيم في جعل الأمن السياج الذي يحمي كل مكتسبات المجتمع والحياة الإنسانية فيها، ولذلك اعتقد أن عنصر الأمن هو أساس أي استثمار في أي مكان في العالم، ولكم أن تنظروا إلى الرساميل التي غادرت عقب أحداث 11 سبتمبر وغيرها من الاستثمارات التي تغادر أي دولة تمثل أو تقع في إطار المناطق التي لا تعرف الأمن والاستقرار،

وذلك يقودنا إلى حقيقة مهمة مفادها أن العلاقة بين الأمن والاستثمار علاقة منفعة ولا تقوم على مصلحة طرف دون الطرف الآخر أي أن «الأمن ركيزة الاقتصاد والاقتصاد مظلة الأمن» وأشار إلى أن نسبة الجريمة في دول الخليج (المتعلقة بالأموال والممتلكات والنفس) قليلة قياسا بباقي دول العالم التي تتحدث عن حدوث كذا جريمة اغتصاب وكذا جريمة قتل وكذا جريمة مخدرات في الساعة أو الدقيقة.

ثم انتقل خلفان إلى حقيقة مهمة ساهمت في توفير المناخ الملائم للاستثمارات الأجنبية في دول الخليج وحصرها بالتسهيلات والرسوم التي لا ترقى إلى الضرائب الثقيلة التي تفرضها العديد من دول العالم وقال»دول الخليج لا تفرض قيودا على الاستثمارات أو المستثمرين مثلما يحصل في بعض دول المنطقة وبعض دول آسيا،

وأتذكر انه عندما اندلعت حرب الخليج ارتعد المستثمر الأجنبي خوفا وفكر في سحب رصيده من البنوك، وكان التوجه الرسمي الحكومي كما أعلنت عنه وسائل الإعلام هو عدم اعتراض المستثمرين فيما لو أرادوا سحب أرصدتهم، وكان التوجه الرسمي حينذاك مفاجئا للمستثمرين أنفسهم فعدلوا عن قرارهم وابقوا على أرصدتهم في البنوك واستمروا في أعمالهم.

ولكن الموقف الرسمي الذي تحدثنا عنه والذي كان من ثماره ترسيخ ثقة رجال الأعمال في البلد الذي يستثمر فيه، كان نقيض موقف حكومي آخر عبرت عنه إحدى الدول الآسيوية عند اندلاع حرب الخليج، عندما رفضت الأخيرة قيام المستثمرين بسحب أموالهم واعتبرت ذلك تهديدا لاقتصادها وينطوي على آثار جانبية خطيرة.

ومن الأمور الأخرى التي تفوقت فيها دبي على صعيد توفير البنية الأساسية للمناخ الاستثماري بالإضافة إلى الأجواء الآمنة قيامها بإلغاء كل أنواع الضرائب تحت باب التسهيلات التي تشعر ربما فاجأت الكثير من المستثمرين الذين يدفعون الملايين على شكل ضرائب لحكوماتهم بينما لاحظوا أن دبي بتجربتها الفريدة استطاعت أن تفسح المجال وتفتح الباب واسعاً أمام المستثمر لينقل أمواله بحرية من والى دبي والعالم ومن ثم بإمكانه أن يربح دون أن تقول له دبي ادفع كذا وكذا تحت بند الضرائب.

وأشار خلفان ولا نستطيع أن نصف الرسوم القليلة التي يدفعها المستثمر لاستكمال معاملته الرسمية لاستخراج الرخصة أو ما شابه ذلك على أنها ضرائب بقدر ما تمثل رسوما بسيطة ربما حتى لو قارنها بقيمة الرسوم في أي مكان في العالم فسنجد أنها الأقل.

وعاد خلفان ليذكر بمقدرة دبي على صهر كل المقيمين فيها في إطار مجتمعي وإنساني يقوم على الاحترام المتبادل والعيش بحرية وبكرامة دون أن يكون لشريحة أو جنسية ميزة إلى الآخر والى الدرجة التي أصبح فيها الجميع متساوون.

مشيرا إلى أن الدنيا تنقلب ولا تقعد في بعض الدول عندما تصل نسبة المقيمين أو المهاجرين فيها إلى 6 أو 7% فتبدأ الصحف بشن الحملات الدعائية ضدهم وربما لا تتأخر الأحزاب ـ من اجل الفوز بالمناصب ـ في إصدار بعض القوانين المجحفة بحق أولئك الأجانب.

ودعا خلفان إلى ما وصفه بتحرير المستثمر من سطوة وقيود »الشريك النائم« ففي ذلك ضمان لحقوق الطرفين فقد يخطئ المستثمر فيتضرر المواطن الشريك بموجب القانون وقد يخطئ المواطن فيتحمل النتائج المستثمر الأجنبي. كما طالب بضرورة إغراء المستثمر العربي أولاً للاستثمار في دول الخليج بوصفه شريكا في الهوية والتاريخ والدم والمصير.

وقال إن سمو الشيخ محمد بن راشد يردد دائما ويوجه الدعوات باستمرار ويمد يديه الكريمة على طول الخط لكل الأشقاء في دول الخليج والعالم العربي إيماناً منه بالشراكة الخليجية والعربية وأثبتت دبي أنها عند وعودها التي تقطعها على نفسها فهي بين الحين والآخر تطلق مشاريع اقتصادية مشتركة مع الدول العربية وآخرها كان في سوريا (في إشارة إلى قيام إعمار بتوقيع عقد لتطوير مشروعين بقيمة تتجاوز 16 مليار درهم).

وقال: سياسة الدولة قائمة على الترحيب الحار بكل المستثمرين من كل الجنسيات، ولكنها تعول في الوقت ذاته على المستثمر العربي والخليجي الذي يدخر أمواله أو يستثمرها في الخارج لأسباب عديدة، وأشار خلفان إلى حادثة طريفة» حيث كنت أزور إحدى الدول الأجنبية

ولفت انتباهي تقرير تلفزيوني يتحدث عن الشريحة الأكثر تسوقا في ذلك البلد الأوروبي، وفوجئت تماما وراحت توقعاتي ادراج الرياح عندما ذكر التلفزيون أن الجالية العربية هناك هي الشريحة الأكثر استهلاكا وإنفاقا في المواسم السياحية«.

وحول خطط دبي على صعيد ترسيخ نعمة الأمن وتقويتها في ظل التوسعات العمرانية الهائلة التي تشهدها قال القائد العام لشرطة دبي نحن بصدد خطة لإعادة انتشار وتوزيع كوادرنا لمواكبة الطفرة العمرانية، ولكن أتمنى أن لا يتبادر إلى أذهانكم أن توسعنا على طريقة دعم الجهاز الأمني بأرتال من عناصر الشرطة المدججين بالأسلحة، بل نحن بصدد خلق عناصر شرطة اقرب إلى عناصر العلاقات العامة منها إلى عناصر أمنية ونقوم حاليا بزج كوادرنا في دورات تؤهلهم في كيفية التعامل مع الزخم البشري المتوقع في المدن الجديدة ولفت خلفان إلى أن البعض يتساءل إلى أي مدى يمكن أن يتمكن جهاز الشرطة من فرض الأمن أو تعزيزه،

وأقول إن المدن الجديدة المزمع إنشاؤها لن تكون مرتعاً لأناس من طبقات غير متعلمة أو طبقات تنحدر من مستويات انسانية لديها الاستعداد للجنوح نحو ارتكاب الجريمة، بل المدن الجديدة ستستقطب شرائح اجتماعية متعلمة ومثقفة ودخلها جيد تنأى بها عن ارتكاب الحماقات بقدر ما تقربها من العمل بشعور عال من الانتماء والتعامل مع الأمن بوصفه مسؤولية الجميع وليس فقط جهاز الشرطة«.

وأكد أن الجريمة تزدهر في الدول الفقيرة والضعيفة على عكس الدول التي تنعم فيها العائلة بجانب ميسور من بحبوبة العيش الكريم د. حبيب الملا رئيس المجلس التنظيمي لمركز دبي المالي العالمي، كان حريصاً على عدم الخوض في خفايا المناخ الاستثماري في الخليج قبل أن يؤكد بوضوح انه من الصعب تناول هذا الموضوع لعلاقته بالجانب التشريعي والذي هو بالتأكيد متباين من دولة إلى دولة خليجية أخرى.

وأشار إلى أن السياسة المعلنة لدول الخليج هي فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والعمل على استقطابها. وتساءل الملا إلى أي مدى نجحت دول الخليج في تطبيق تلك السياسات؟.

وأشار إلى أن ثمة عراقيل قوية تعترض استقطاب الاستثمارات الخليجية في بعض دول الخليج وأبرزها، استنساخ تلك الدول لسياسات وتجارب اقتصادية لدول عربية أخرى مختلفة عنها في مجموعة نقاط، ولكن التصور بأن نجاح تلك التجارب في مصر – مثلا – لا يعني بالضرورة نجاحها في دولة خليجية أخرى.

وعرج الملا على النقطة الثانية التي يرى أنها تعرقل استقطاب الاستثمارات وهي أن » السياسات الرسمية الخليجية في واد والتشريعات والقوانين المتعلقة بالاقتصاد في واد آخر «مؤكدا أن» تلك التشريعات هي العائق الأكبر أمام بروز الخليج كمركز جذب قوي للاستثمارات الأجنبية ودعا الملا إلى ضرورة تحديث البيئة التشريعية والقانونية لتواكب التطور الاقتصادي

ولترتقي إلى مستوى التحديات التي يفرضها النظام الاقتصادي الحديث والاتفاقات الاقتصادية العالمية التي تخطط دول الخليج نفسها إلى الانخراط فيها وبدأت مفاوضات لأجل إتمام تلك الاتفاقات«.ولفت الملا إلى أن 70% من بعض الأنشطة مملوكة لمواطنين أمام القانون

ولكنها في الحقيقة ملك لأجانب وتدار من قبلهم والمواطن لا يتعدى كونه شريكا نائما لذا بات من الضروري جعل الأمور تجري في وضح النهار وعلنا بدلا من بقائها في الإنفاق وبعيدا عن الأعين لأنها لا تخدم المناخ الاستثماري لدول الخليج ولا اقتصاداتها ولا المستثمر أو المواطن نفسه.

وشرح الملا الخطوة العملاقة التي نجحت في اتخاذها دبي عبر النقلة النوعية التي حققتها في عجلتها الاقتصادية وفعالياتها المتنوعة ولفت إلى تفرد تجربة » مركز دبي المالي« الذي يعمل بقوانين لا تتقاطع مع القوانين المحلية من جهة إلى جانب أنها تراعي القوانين العالمية والمناخات الاستثمارية لرؤوس الأموال.

وقال إن دبي لم تنتظر 20 عاما لكي تتطور أنظمتها القانونية المالية بل سارعت إلى خوض غمار تجربة قامت على دراسة كل الأنظمة المالية العالمية للخروج لنظامها الشمولي الملائم والمناسب لكل للأنشطة المالية العالمية.

و أشار إلى نقطة مهمة تنحصر في أن دول الخليج تفتح أسواقها على أسس التنافس وفقا لمفاهيم الأسواق الحرة ولكن بعضها يرتكب خطأ عندما يفرض في الوقت ذاته قوانين تحمي المنتج المحلي وتنسى أن ذلك سيجر عليه الويلات والمخاطر الكبيرة في سوق يتعامل بالجودة بالدرجة الأولى.

وقال إن استقطاب الاستثمارات الأجنبية ليست حكرا على دول الخليج أو المنطقة بل أن العالم كله يسعى إلى استقطاب الاستثمارات والعديد من الدول تمارس تلك السياسة وتجعلها جزءاً من أولويات سياساتها الاقتصادية.

وهذا الاهتمام بالاستثمار الأجنبي مرده أن الاستثمار الأجنبي المباشر ليس فقط نقلاً للرساميل من دولة إلى أخرى بل له أبعاد أكثر من ذلك بكثير. فالاستثمارات الأجنبية تشكل فرصة لتوفير فرص عمل خاصة في الدول التي تعاني من البطالة. كما أنها تشكل وسيلة مهمة لنقل المهارات والتكنولوجيا التي قد يستغرق تطويرها محلياً سنين طويلة. بالإضافة إلى ذلك فإن تواجد الشركات الكبرى من شأنه أن ينتج سلسلة من حلقات التموين والإمداد المحلية لتزويد هذه الشركات باحتياجاتها الأمر الذي ينشط دورة الاقتصاد المحلي كله.

وللأسف فإن نصيب الدول العربية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يزال ضئيلاً قياساً بمناطق أخرى من العالم قد لا تتوافر فيها الميزات المتوفرة في الدول العربية.

إذ تشير إحصائيات لجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» إلى أن إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول العربية بلغ عام 2003 نحو 7.042 مليارات دولار في حين بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول النامية للسنة ذاتها 172.053 دولار أميركي.

كما بلغ نصيب الدول الأفريقية من تلك الاستثمارات 2/033. 15 مليار دولار أميركي. وبلغ نصيب دول أميركا اللاتينية 7/721. 49 مليار دولار أميركي.

وأما دول جنوب وشرق آسيا فقد بلغ نصيبها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة 6/914. 96 مليار دولار.

وهذه الأرقام تدل بوضوح على ضآلة نصيب الدول العربية من الاستثمارات الأجنبية على الرغم من الموارد الطبيعية والبشرية والجغرافية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة.

خاصة إذا علمنا أن حوالي ثلث الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول العربية في سنة 2001 استأثر بها مشروع واحد في المملكة المغربية بقيمة ملياري دولار أميركي، كما لم يزد إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية في دولة مثل الإمارات العربية المتحدة بكل مواردها الطبيعية الهائلة مبلغ 480 مليون دولار أميركي.

ويصنف تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية دولة عربية واحدة فقط هي المملكة الأردنية ضمن الدول التي تملك إمكانات عالية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بينما تم تصنيف معظم الدول العربية باعتبارها دولاً ذات إمكانات متدنية بمعنى أن حجم الاستثمارات التي استقطبتها لا تتلاءم مع إمكانياتها الحقيقية.

ومن هذه الدول دولة الإمارات العربية المتحدة، البحرين، مصر، ليبيا، عمان، قطر، المملكة العربية السعودية. علماً بأن هذا التصنيف ظل على مستوياته هذه لمدة تجاوزت الخمس عشرة سنة. وإذا أردنا أن نبحث في أسباب هذا التدني لوجدنا أن هناك عدة عوامل تساهم في ذلك.

ومن هذه العوامل:

عدم وجود فلسفة تشريعية واضحة تجاه مسألة استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة: إذ تفتقر الدول العربية بشكل عام إلى سياسة واضحة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية. ومرد ذلك أحياناً إلى افتقار الإرادة نحو اتخاذ قرارات اقتصادية جريئة لتشجيع هذا الاستثمار من فتح للأسواق وتحرير للاقتصاد وغير ذلك.

إذ تخشى بعض الدول من انعكاسات مثل هذا الانفتاح الاقتصادي على الأوضاع السياسية لديها. وفي حالات أخرى تكون الإرادة السياسية متوافرة ولكنها تفتقر إلى الوضوح في الرؤية مما ينجم عنه تبني سياسات اقتصادية متضاربة أو ليس من شأنها أن تحقق مردوداً إيجابياً من ناحية استقطاب الاستثمارات الأجنبية.

وفي حالات ثالثة تكون الإرادة السياسية متوافرة وتتميز بوضوح في الرؤية ولكن هذه الإرادة وهذا الوضوح لا ينعكس على أرض الواقع التشريعي فتكون التشريعات وخاصة الاقتصادية منها بعيدة عن أن تعكس هذه الإرادة السياسية أو تلك الوضوح في الرؤية. إذ لا تزال بعض الدول العربية تفرض قيوداً شديدة على الملكية الأجنبية حتى في مجال تملك الشركات التجارية.

كما أن بعض الدول العربية لم تنضم بعد إلى بعض الاتفاقيات الدولية المهمة التي من شأنها أن تساهم في إيجاد المناخ الإيجابي اللازم تجاه الاستثمارات الأجنبية مثل اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام الملكية أو اتفاقية تسوية المنازعات الاستثمارية بين الدول ورعايا الدول الأخرى.

تدني معايير الشفافية واستفحال البيروقراطية: يشير تقرير أصدره البنك الدولي عام 2005 بعنوان «ممارسة الأعمال» إلى أن المستثمرين يواجهون في معظم الدول العربية أنظمة إدارية معقدة وبعيدة عن الأنظمة المتعارف عليها عالمياً ويتمثل ذلك بشكل أساسي في البيروقراطية الزائدة و تعدد المؤسسات والتضارب بين اختصاصاتها و طول الفترة الزمنية اللازمة للحصول على التصاريح وتعقد إجراءاتها،

هذا بالإضافة إلى ارتفاع كلفة البدء بالمشاريع قياساً إلى العائد. وكمثال على ذلك فإن الحد الأدنى للرأسمال اللازم للبدء بمشروع في سوريا هو 50 مرة من متوسط الدخل السنوي. وفي المملكة العربية السعودية واليمن تبلغ النسبة 15 مرة. ويمكن إدراك كلفة هذا إذ عرفنا أن أكثر من 40 دولة في العالم لا تشترط حداً أدنى لرأس المال اللازم لبدء مشروع.

استمرار سطوة القطاع العام وضعف مشاريع التخصيص: لا تزال مشاريع التخصيص قليلة في العالم العربي الأمر الذي يحد من دور القطاع في عملية التنمية. إذ لم تزد نسبة مشاريع التخصيص في الدول العربية في عام 2002 على 3% من مشاريع التخصيص على المستوى العالمي وهو رقم ضئيل بكل المقاييس.

كما يتصل بعملية التخصيص وجوب تحرير بعض القطاعات الاقتصادية دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن حقوق الملكية. إلا أنه يجدر بالذكر في هذا السياق أن بعض الدول العربية قد بدأت تتجه إلى سياسات أكثر انفتاحاً في مجال التخصيص وتحرير القطاعات الاقتصادية.

ويشير مؤشر مؤسسة «هيرتاج» للحرية الاقتصادية لعام 2005 إلى مشاريع التخصيص في كل من أبوظبي وعمان وقطر والبحرين على وجه الخصوص. الموارد البشرية: تفتقر معظم الدول العربية إلى المهارات البشرية المتطورة اللازمة لتلبية حاجات سوق العمل.

ومرد ذلك بشكل أساسي إلى تخلف الأنظمة التعليمية في الدول العربية وعدم مجاراتها لواقع أسواق العمل والمتطلبات الاقتصادية في عالم متغير على نمو سريع. إذ لا تزال المناهج التعليمية في معظم الدول العربية تفتقر إلى المواد المتصلة بمكونات سوق العمل الأمر الذي ينتج عنه فجوة كبيرة بين مخرجات الأنظمة التعليمية وطوابير الباحثين عن عمل والتي تزيد كل سنة.

وبالمقارنة فإن معظم المدارس في بريطانيا قد بدأت في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم بتدريس اللغة الروسية نتيجة الانفتاح الذي شهدته الكتلة الشرقية حينها وانفتاح أسواقها أمام الغرب.

كما تشير آخر الإحصائيات إلى أن نسبة 20% من المدارس في بريطانيا تقوم الآن بتعليم اللغة الصينية لتلامذتها إدراكاً منها للمتغيرات الاقتصادية في العالم في الوقت الذي لا تزال فيه مناهجنا التعليمية بعيدة حتى عن علوم العصر.

ومن المؤشرات الدالة على ذلك وفقاً لتقرير التنافسية العربية لعام 2005 أن نسبة الأمية في ثلاث دول عربية رئيسية هي مصر والمغرب واليمن لا تزال عالية قياساً إلى عدد السكان في حين لا تزيد نسبة الأمية في دول عديدة من العالم على 5 ـ 10%.

كما أن من المؤشرات الدالة على انخفاض المستوى المهاري والمعرفي في الدول العربية انخفاض نسبة المطبوعات العلمية قياساً إلى المستويات السائدة في معظم دول العالم. وهذا الانخفاض في المستوى المعرفي يعني أن فرص الدول العربية في استقطاب صناعات تعتمد على التكنولوجيا المتطورة لا يزال أمراً بعيد المنال ما لم تتخذ هذه الدول خطوات جذرية نحو تصحيح الخلل في مناهجها وأنظمتها التعليمية.

إن الدول العربية في مهب تحديات عارمة خاصة مع تزايد طوابير الخريجين وتكاثر أعداد العاطلين عن العمل مما ينذر بوقوع كوارث اجتماعية الأمر الذي يستدعي اتخاذ إجراءات جذرية وعاجلة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية المتردية إذا أرادت هذه الدول أن تحافظ على استقرارها السياسي والاقتصادي.

أما سعيد المنتفق مدير عام هيئة دبي للاستثمار والتطوير، فقد لخص رغبة المستثمر الأجنبي كي يخطو باتجاه الاستثمار في هذه الدولة أو تلك بتوافر البنية التحتية المتطورة، وهذا ما نجحت في توفيره دبي بإنفاقها مليارات الدراهم لتطوير بنيتها التحتية وما زالت تبحث عن أكثر الوسائل التقنية لتحديث بيئتها لتحافظ على أرضية صلبة قادرة على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

واستعرض سعيد المنتفق مدير عام هيئة دبي للاستثمار والتطوير، الانجازات التي حققتها الإمارات في مجال التخطيط الحضاري والتطوير المدني، والتحديات الكبيرة التي واجهتها للتحول من مجرد إمارات صغيرة تتوزع على أطراف الجزيرة العربية إلى دولة عصرية، باتت تمثل مركزاً عالمياً متنامي الأهمية في مختلف المجالات.

وقال المنتفق: إن مستوى التنمية والتطوير الذي حققته الإمارات خلال العقود الخمسة الماضية تجاوز كل التوقعات. وما فعلته دبي على وجه التحديد عبر مشاريعها التي لا تنحصر في القطاع العقاري وحسب أصبح نموذجا لكل الدول المجاورة.

ولفت إلى أن » إننا في الهيئة لا نقوم بالترويج لمشاريعنا في الأسواق المحلية والعالمية بل نقوم ببحث الفرص الاقتصادية محليا ونركز كثيرا على القطاعات والفعاليات والصناعات التي من شأنها أن توفر فرصا استثمارية نوعية قادرة على جذب المستثمر الأجنبي«.

وقال عندما فكرت دبي بمدينة دبي للإعلام كان ذلك النوع من الاستثمار هو الأضعف ولكن توجيهات سمو الشيخ محمد بن راشد فتحت أمامنا الطريق المناسب لتحقيق ذلك الحلم الذي أصبح حقيقة وذهبنا وسألنا الإعلاميين عن 10 مكاسب يتمنون الحصول عليها في مدينة من هذا النوع وعندما توفرت كل تلك المكاسب أصبحت المدينة مكتظة بمئات الشركات ولم يعد هناك متسع لمئات أخرى ترغب في التواجد والعمل من تلك المدينة، هذه هي فلسفة دبي أن تقدم ما لا يقدمه الآخرون.

و أشار إلى أن الدولة استطاعت خلال عقود قليلة أن تحقق ما أنجزته كبرى مدن العالم في مئات السنين. و أشار إلى أن الإنجاز كان بمثابة قفزة نوعية للدولة وخلال فترة زمنية قياسية. وتحدث المنتفق حول الخطوات التي خطتها دولة الإمارات باتجاه التطوير، وكيفية وصولها إلى هذا المستوى من النجاح خلال مسيرتها التنموية.

وقال المنتفق: نحن فخورون بما حققناه من إنجازات.ولكن القيادة تحفزنا على تقديم المزيد فما فعلناه لا يحقق كل طموحاتها وأحلامها. وأشار إلى أن دبي »ترغب أن تشارك الجميع بالخبرات التي اكتسبناها على مدى السنوات الماضية، حيث باتت الإمارات تمثل نموذجاً يحتذى به.

وأضاف: «لقد توفرت لدولتنا عوامل النجاح والقوة كافة بما في ذلك قيادة حكيمة تتمتع برؤية مستقبلية واضحة، مجتمع واع وقادر على العطاء المستمر، وشراكة متميزة بين القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب الموارد البشرية المؤهلة وذات الخبرة الواسعة». وأضاف: أننا في هيئة دبي للاستثمار والتطوير نحرص على الاستفادة من هذه العوامل وتعظيم تأثيرها الإيجابي من خلال جمع الشركات الكبرى في الدولة تحت مظلة واحدة، القيام بأبحاث ودراسات لتحديد مشاريع مستقبلية تعود بالفائدة على الدولة.

بالإضافة إلى التأكيد على دور الدولة كمركز عالمي للتجارة والأعمال في تأسيس مشاريع اقتصادية رائدة تساهم في خلق مستقبل أفضل للجميع». مؤكدا نحن حريصون على تأسيس مركز عصري للتجارة والأعمال بالإضافة إلى تعزيز دور الدولة كوجهة سياحية متنامية الأهمية.

ولا شك أن ذلك سيخلف آثاراً إيجابية وسلبية، وبالتالي فقد عملنا على التوصل إلى حلول لمواجهة السلبيات وتعزيز الإيجابيات». وأضاف: لقد تمكنت دبي والإمارات العربية المتحدة من إثبات قدرتها على تحقيق التوازن بين هذه المسارات الثلاثة.

حيث استمرت مسيرة التطوير التجاري وتوسيع آفاق النمو الصناعي جنباً إلى جنب مع عمليات تطوير القطاع السياحي وبناء مرافق وتسهيلات متطورة تتلاءم مع أسلوب الحياة العصرية. وليس ذلك فقط، وإنما استطاعت دبي أن تحافظ على طابعها الحضاري العربي.

وأن تكون في الوقت نفسه وجهة عالمية توفر لكل شخص من أنحاء العالم كافة أسلوب الحياة الذي يفضله». وأشار المنتفق إلى أن عمليات التخطيط والتطوير المدني في دبي تشهد حالياً انتقالاً من مرحلة التطوير البيئي ومحاربة التلوث، إلى مرحلة الحفاظ على المكاسب التي تحققت، وتعزيز النجاح من خلال العمل على توسيع آفاق هذا النجاح ودعمه بأفكار وأساليب عمل جديدة.

وأضاف المنتفق: «لقد واجهتنا العديد من التحديات، حيث رافق مرحلة الطفرة الاقتصادية ارتفاع متزايد في أعداد السكان، بات يشكل ضغوطات على مستويات عدة منها نوعية الحياة، مشاكل الإسكان والإقامة.

متطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بعض المشكلات المتعلقة بعمليات فرص العمل، التعليم والصحة، توفير مصادر مياه كافية، بالإضافة إلى تناقص احتياطات النفط، مساحات الأراضي المحدودة والجو الحار خلال فترة الصيف.

وواصل المنتفق: «استطاعت الدولة أن تواجه كل هذه التحديات من خلال ميزات عدة أهمها القيادة الحكيمة التي وظفت العائدات النفطية لمصلحة السكان، والعديد من العوامل ساهمت ولا تزال في مواجهة كل التحديات والصعوبات والانتصار عليها».

حاول محمد مؤمنين نائب مدير محطة "سي إن بي سي" الإجابة عن أسئلة من قبيل ما هي المهام التي يمكن أن يقوم بها الإعلام في الترويج والتسويق لفرص الاستثمار أمام المستثمر الأجنبي؟

وكيف يمكن ان يتعاون الإعلام مع السلطات الحكومية لاستقطاب رؤوس الاموال ماذا يتوجب على العالم العربي عموما عمله للحاق بركب سباق التنافسية؟ وما هي تنبؤات النمو لدول المنطقة؟ وهل بإمكاننا التعرف على مكامن القوة بالإضافة إلى المعوقات التي تحول دون تحقيق الدول العربية للتطور والتنافسية المستدامة؟

و ما هي الإصلاحات الضرورية لتحسين المناخ الاستثماري وكيفية تطبيقها على أحسن وجه لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق أكبر قدر من الإنتاجية والنمو؟ لقد توفرت لدولتنا عوامل النجاح والقوة كافة بما في ذلك قيادة حكيمة تتمتع برؤية مستقبلية واضحة، مجتمع واع وقادر على العطاء المستمر.

تحقيق مشرق علي حيدر