بدأ النفخ في »الطفرة البترولية« الخليجية. وطفت على السطح تحليلات تمهد الطريق نحو التضخيم من مخاطر هذه الطفرة على الاقتصاد العالمي بشكل عام والاقتصاد الأميركي على نحو خاص، بما في ذلك الحديث عن تأثير هذه الطفرة على أفق الدولار الأميركي.

وظهر في سياق هذه التحليلات مطالب تدعو إلى مشاركة الدول الخليجية في اجتماعات مجموعة الثماني، على اعتبار أن ما تملكه من عوائد بترولية يخلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وساقت هذه التحليلات أوجه مقارنات بين الاحتياطي الآسيوي والعوائد البترودولارية من زاوية التأثير على أفق سعر الدولار، وذلك في إطار التدليل على أوجه عدم اليقين التي تخيم على مجالات استثمار هذه العوائد.

وعلى الرغم من وجود اتجاه يرى في الطفرة البترودولارية عاملا معززا ومدعما لقوة الدولار إلا أن هذه التحليلات تبقى مغلفة بالنظرة الاستعلائية الغربية التي دائما ما تثير الشكوك في قدرة الدول الخليجية على إدارة ثرواتها،

ودائما ما تنظر إلى العوائد البترودولارية على أنها »منة« أو »عطية« من الدول المستوردة وليست كمقابل لوارداتها النفطية. وهو ما يتطلب من الدول الخليجية أن تتحسس خطاها بعناية فائقة، وأن تضع سياساتها بميزان من الذهب.

لقد عادت الحياة من جديد إلى مصطلح »البترو ـــ دولار«، بعد أن هدأ الحديث عنه على مدى العقود الثلاثة الماضية، والمصطلح يشير إلى الثروات التي تمتلكها الدول النفطية نتيجة مبيعاتها النفطية. وغذت هذا الحديث الارتفاعات الحالية في أسعار النفط أو بالأحرى القفزة من 30 دولارا في عام 2003 إلى حوالي 70 دولارا للبرميل خلال العام الجاري.

وانصرفت التحليلات إلى اعتبار الطفرة البترودولارية الحالية بأنها الثالثة من نوعها التي تشهدها الدول النفطية، تمييزا لها عن الطفرتين السابقتين في عقدي السبعينات والثمانينات. وذهبت بعض الآراء إلى القول صراحة ودون مواربة بأنه ترتب على اتجاه أسعار النفط نحو الصعود قيام الولايات المتحدة والدول المستوردة للنفط الأخرى بنقل مئات المليارات من الدولارات إلى الدول المصدرة كالسعودية وفنزويلا،

وأن ما سوف تفعله هذه الدول بتلك الثروات سيؤثر على الاقتصاد الأميركي. وتجاهلت هذه الآراء حقيقة أنه لم يحدث نقل للثروات، وإنما ما حدث هو مجرد متاجرة على النفط أسوة بعمليات المتاجرة على السلع الأخرى.

تغير نمط ملكية المدخرات

وتكهنت بعض الآراء بأن العوائد البترودولارية ستغير من نمط ملكية المدخرات الزائدة في العالم، وهو ما سوف يغير من صورة سوق العملات، من ناحية العوامل التي تؤثر على أسعار صرف العملات . حيث سيزاد ثقل تأثير هذه العوائد إلى درجة التعادل مع قوة تأثير الاحتياطي الآسيوي على العملة الأميركية.

على الطرف الأول من المعادلة والخاص بالطفرة البترودولارية، تستند التحليلات إلى أرقام صندوق النقد الدولي في التدليل على مدى الضخامة التي وصلت إليها هذه العوائد، وبالتالي تزايد قوتها في التأثير على العملة الأميركية. ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي ستصل عائدات الصادرات النفطية لدول الشرق الأوسط إلى حوالي 400 مليار دولار خلال هذا العام.

ومع حساب عامل التضخم، فإن هذا القدر من العوائد يماثل ضعف العائدات النفطية في عام 1980، وذلك عندما قفزت أسعار النفط على اثر عودة آية الله خوميني إلى إيران،

كما أنها توازي ثلاثة أضعاف العوائد البترودولارية في عام 1974 عندما ارتفعت أسعار النفط اثر قيام الدول العربية باستخدام النفط في حرب أكتوبر. وفي هذا الإطار، لا تعتبر الدول العربية الوحيدة التي تجني أموالا من النفط، ولكن هناك دول أخرى كالمكسيك وروسيا وكندا تحقق الاستفادة نفسها.

ويقدر تيد كارميشيل كبير الاقتصاديين في مؤسسة »جيه بي مورجان« في تورنتو أن أكبر تسع عشرة دولة مصدرة للنفط سوف تجني 781 مليار دولار خلال هذا العام مقارنة مع 549 مليار دولار في عام 2004 و324 مليار دولار في عام 2002.

أما الطرف الآخر من المعادلة فهو يتعلق بالاحتياطيات الآسيوية، وهنا يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عملية تراكم الاحتياطيات الآسيوية بدأت عقب الأزمة المالية الآسيوية عام 1998 والتي ترتب عليها هروب الأموال من الدول الآسيوية الصاعدة، مما خلق حالة من الإفلاس والكساد في أسواق هذه الدول.

الأمر الذي دفع الحكومات الآسيوية إلى الإقرار بحاجتها إلى غطاء من الاحتياطي الأجنبي لمنع تكرار ذلك مرة أخرى، لكن تراكم الاحتياطي الأجنبي استمر وتواصل، وهو يفوق الآن المستويات الاعتيادية.

منذ عقد واحد فقط، كان لدى الدول الآسيوية السبع الرئيسية احتياطي أجنبي يبلغ 509 مليارات دولار، تمثل 36% من إجمالي الاحتياطي العالمي باستثناء احتياطي الولايات المتحدة. لكن بنهاية العام الماضي بلغ احتياطي هذه الدول من العملة الأجنبية 2300 مليار دولار، أي 60% من إجمالي الاحتياطي العالمي، وتبلغ احتياطيات الدول الآسيوية من العملة الأجنبية 10 أضعاف احتياطيات مجموعة السبع، بعد أن كانت متساوية معها.

وجاءت معظم الزيادة عقب عام 2002، وتضخمت الاحتياطيات الأجنبية الصينية خلال السنوات القليلة الماضية، فبلغت 213 مليار دولار في نهاية عام 2002، وزادت بمقدار ثلاثة أضعاف في نهاية 2004 لتصل إلى 609 مليارات دولار، ثم بلغت 740 مليار دولار في يوليو من العام الجاري.

وقدر صندوق النقد الدولي أن تراكم احتياطيات العملة الأجنبية في آسيا خلال العام الجاري لم يتغير كثيراً عن عامي 2003 و2004، رغم أن الصين وحدها لديها الآن نحو ثلثي متوسط الاحتياطي الأجنبي في آسيا، مقارنة بأقل من الثلث خلال العامين السابقين.

وساهم تدفق هذه الأموال في عدم ارتفاع عائدات السندات وأفاد على المدى القصير الاقتصاد الأميركي، لكنه أيضاً زاد من المخاطر بشكل كبير، حيث غذى ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي وانخفاض المدخرات وطفرة المنازل الأميركية، وأدى ذلك إلى انحسار الطلب المحلي الآسيوي، مما حرم المنطقة من الاستثمارات التي تحتاجها بشدة. وحافظ ذلك أيضاً على استمرار الفائض التجاري من خلال منع انخفاض أسعار العملات.

تعادل الاحتياطي الآسيوي مع العوائد البترودولارية

ومن واقع المقابلة بين طرفي المعادلة أي الاحتياطيات الآسيوية والعوائد البترودولارية، يقدر محللون بأنه في عام 2005، يمكن أن يصل عجز الميزان الحساب الجاري الأميركي إلى 760 مليار دولار، فيما من المتوقع أن يصعد فائض الحساب الجاري الآسيوي إلى 338 مليار دولار أي ما يوازي 49 % من عجز الحساب الجاري الأميركي،

كما أنه من المتوقع ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي أن يصل فائض ميزان الحساب الجاري لدول أوبك إلى 265 مليار دولار، وهو ما يعادل 35 % من عجز ميزان الحساب الجاري الأميركي.

وبحلول عام 2006 ، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، يمكن أن يصل فائض الحساب الجاري لدول أوبك إلى 337 مليار دولار، فيما سيبلغ فائض ميزان الحساب الجاري الآسيوي إلى 362 مليار دولار.

توظيف العوائد البترودولارية

وتتباين الآراء حول كيفية توظيف العائدات البترودولارية، حيث تقدر إحدى وجهات النظر بأن معظم العوائد البترودولارية يتم استثمارها في الخارج ولا يتم إنفاقها، وأن غالبية دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط لديها فرضيات محافظة بشأن أسعار النفط، حيث تقدر في موازناتها أن سعر برميل النفط سيتراوح بين 25 و30 دولارا للبرميل.

وفي هذا الإطار، يقدر المحلل ستيفين ليجين بأنه يمكن أن تصل نسبة الأموال التي تقوم دول الشرق الأوسط البترولية باستثمارها في الخارج إلى 75% من إجمالي العوائد البترودولارية، وذلك على مستوى المنطقة ككل، بالرغم من أن تلك النسبة تختلف من دولة أخرى، حيث قد تصل في بعض الدول إلى 90%.

وتحاول هذه التحليلات ابراز أوجه الفارق بين الاحتياطيات الآسيوية والعوائد البترودولارية، من ناحية كيفية الاستثمار، بما يعطي الإنطباع بأن طرق استثمار العوائد البترودولارية، يكتنفها الكثير من أوجه الغموض وعدم اليقين، وذلك على خلاف الحال بالنسبة للاحتياطيات الآسيوية والتي تسيطر البنوك المركزية على سبل استثمارها.

فمن وجهة نظر هذه التحليلات، تتم العوائد البترودولارية في دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط من خلال صناديق استثمارية تشبه لحد كبير الشركة السنغافورية لإدارة الاستثمارات العالمية، وتقدم التجربة الكويتية في هذا المجال نموذجا بارزا على هذه النوعية من الصناديق،

حيث أنشأت الكويت حسابا خاصا يعرف باسم »احتياطي الأجيال القادمة« تحول إليه 10 % من عائدات النفط كل عام وبلغت حصيلة احتياطي الأجيال القادمة قبل الغزو العراقي لدولة الكويت 100 مليار دولار، إلا أنه نتيجة لاستخدام جزء مهم منه للإنفاق على حرب التحرير وإعادة البناء هبط إلى حوالي 35 مليار دولار ويقدر احتياطي الأجيال القادمة حاليا بحوالي 45 ـــ 50 مليار دولار.

وتخلص هذه التحليلات إلى أنه وبحكم طبيعة هذه الصناديق يكون من الصعوبة تتبع أنشطتها، ولهذا وعلى عكس آسيا فإن تطور الاحتياطيات الرسمية في هذه الدول لا يعكس حجم العائدات البترودولارية. حيث تقوم هذه الصناديق بالاستثمار في نطاق متسع ومتنوع من الأصول، بما في ذلك السندات السيادية المتدنية المخاطر، علاوة على الأصول ذات المخاطر العالية كالعقارات والأسهم.

ويشير عدد من الآراء إلى أنه من غير الواضح، ما إذا كانت دول الشرق الأوسط البترولية تقوم بتنويع أصولها بعيدا عن الأصول المقومة بالدولار، حيث ينطوي مثل هذا الأمر على تأثيرات بالنسبة للحصص الفعلية للأصول، سواء قامت هذه الصناديق باستثمار حصيلتها البترودولارية على نحو غير مباشر عبر المراكز المالية في لندن أو نيويورك، أو من خلال الاستثمار المباشر.

التأثير على الدولار

وتقدر هذه الآراء بأنه أيا كانت طريقة توظيف العوائد البترودولارية فإنها وفي حد ذاتها، تعتبر مسألة محورية بالنسبة للدولار، حيث تربط دول مجلس التعاون الخليجي عملاتها بالدولار منذ عام 2003، أكثر من ذلك، مازالت أسعار النفط تقوم بالدولار، و من ثم، فإنه من المتوقع أن تستثمر دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط ما يزيد على ثلثي هذه الأموال في منطقة الدولار والتي تشمل الولايات المتحدة وغالبية الدول الآسيوية.

وأنه إذا ما قامت هذه الدول باستثمار ثلثي عوائدها البترودولارية في الأصول المقومة بالدولار، وفي ضوء تلقيها 90 % من عوائده البترولية في صورة دولارات، وبالتالي فإن هناك تحولا دوريا من الدولارات إلى اليورو والأصول المقومة بالعملات الأخرى، وهو ما يشكل أحد مصادر ثقل تأثير التدفقات من الشرق الأوسط على عملتي الدولار واليورو.

وتخلص هذه الآراء إلى أنه وعلى الرغم من أن هناك انعكاسات على أسواق العملات من جراء التغير الحاصل في نمط ملكية المدخرات الزائدة والناتج عن امتلاك الدول النفطية المصدرة للنفط معدلات ادخار كبيرة على نحو يعادل الاحتياطي الآسيوي، إلا أنه من منظور موازين المدخرات والاستثمارات، فإن مثل هذا التحول لن يغير من صورة الوضع جذريا،

كما أنه لن ينطوي على تأثيرات سلبية بالنسبة لأفق سعر صرف الدولار الأميركي، ولكن من وجهة نظر هذه التحليلات فإن البنوك المركزية الآسيوية تمارس سيطرتها على الاحتياطيات، فيما تنهج صناديق بلدان الشرق الأوسط أسلوب شركات إدارة الأصول، وهو ما يجعل العوائد البترودولارية أكثر حرية وأقل قيدا . وبالتالي سوف تكون هناك تحديات أكبر في التوصل إلى حلول لأوجه الخلل في النظام المالي العالمي والقائمة على أساس سعر الصرف.

وتتساءل هذه الآراء حول ما إذا كانت دول مجموعة الثماني ستوجه الدعوة للدول المصدرة للنفط لحضور اجتماعاتها ، وبما إذا كان سيوجه لها التوبيخ على عدم قيامها بإعادة تقييم عملاتها ، وبما إذا كان تقرير وزارة الخزانة الأميركية الخاص بالتلاعب في أسواق العملات سيشمل دولا شرق أوسطية،

وتذهب هذه الآراء إلى حد الترويج لتصورات مؤداها أن مصداقية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وهيئات صنع القرار الأخرى ستكون عرضة لمخاطر حيوية ومهمة ، وأن الكيفية التي سيتعامل بها البنك مع هذه القضية، إلى جانب قضية الفترة الانتقالية التي ستتلو انتهاء فترة ولاية جيرينيسبان، ستكون مهمة بالنسبة للدولار الأميركي.

حيث إن مثل هذا التحول الجوهري في تركيبة ملكية المدخرات الزائدة في العالم، لن يؤثر بالضرورة سلبا على الدولار الأميركي، وذلك لاعتبارات اقتصادية، من بينها أن الدولار الأميركي يلعب في دول أوبك وعلى غرار الدول الآسيوية دورا مركزيا،

ولكن الطريقة التي يتم بها استثمار هذه الأموال يجعلها أكثر حرية وأقل خضوعا للقيود من الاحتياطيات الآسيوية، وهو ما يضع المزيد من العبء على الولايات المتحدة لكي تحافظ على مصداقية سياستها بأن تتبني سياسات حصيفة تكفل لها الاحتفاظ بهذه الاستثمارات وتدوير العوائد البترودولارية وتقدر آراء أخرى بأن هناك عدة سيناريوهات محتملة لإنفاق العوائد البترودولارية، ينطوي كل منها على انعكاسات مباشرة وواضحة.

الأول: تدوير العوائد البترودولارية: وذلك في حالة إذا ما قام مصدرو الطاقة بإنفاق الشطر الأعظم من هذه العوائد على سلعه كمعدات التنقيب عن النفط، وبالتالي، فإن القدر الأعظم من هذه الأموال، سوف يستخدم في تمويل واردات من الدول الصناعية المستوردة للنفط ،

وهو ما سوف يعيد إليها الأموال التي دفعتها في مقابل النفط. حيث إن قسما من هذه الأموال قد تم إنفاقه بالفعل، فعلي سبيل المثال زادت الصادرات من دول أوبك إلى الولايات المتحدة بقيمة 20 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولي من العام بالمقارنة مع نفس الفترة من عام 2004،

وارتفعت الصادرات الأميركية إلى دول منظمة أوبك بقيمة 6.5 مليارات دولار خلال نفس الفترة المذكورة, ولهذه الديناميكية وجهها الايجابي فالصادرات الأميركية سوف تجد أسواقاً مزدهرة ونابضة بالحياة للسلع والخدمات.

الثاني: الاحتفاظ بالعوائد البترودولارية في صورة مدخرات: وذلك في حالة إذا ما قامت الدول النفطية بادخار هذه العوائد وبناء احتياطيات يجري استثمارها في سندات الخزانة الأميركية، فهذا من شأنه أن يدفع بالسيولة النقدية بعيدا عن الاستثمار والاستهلاك في العالم الصناعي،

وهو ما سوف يشكل ضربة قاصمة إلى الطلب والتوظيف. بيد أن ضخ عشرات المليارات من الدولارات في سندات الخزانة الأميركية والأصول المماثلة سوف يساعد في الحفاظ على السدادة على أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، كما سيدعم سوق العقارات،

ويعزز إنفاق المستهلك. وقال حسين سامي رئيس وحدة السلع في إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي إن المصدرين للنفط بإمكانهم أن ينفقوا الأموال بشكل مباشر أو مساعدة الآخرين على زيادة الإنفاق عن طريق تقديم القروض مثلا.

ومن وجهة نظر البعض، وضعت الدول المصدرة للنفط القسم الأكبر من هذه الأموال جانبا، ففائض الحساب الجاري الروسي سوف يرتفع إلى 102 مليار دولار خلال العام الجاري من 60 مليار دولار في العام الماضي.

طفرة بترو دولارية مختلفة

ووسط هذا المخاوف التي تثيرها تلك التحليلات، تبرز وجهات نظر أخرى مخالفة، وترى أن الطفرة البترودولارية الحالية مختلفة عن سابقتيها في النواحي التالية:

أولا: أن الطفرة البترودولارية الحالية ساهمت في التخفيف من تأثير أسعار الطاقة المرتفعة على الدول الصناعية، من خلال تمكينها من الحفاظ على أسعار فائدة منخفضة، فوفقا لصندوق النقد الدولي، فإن الطاقة الأكثر كلفة سوف يكون لها تأثير طفيف على النمو العالمي والذي سيتباطأ طفيفا إلى 4.3 % خلال هذا العام من 5.1% في عام 2004.

ثانيا: إن الدول النفطية صارت أكثر حصافة في إدارة العائدات البترولية بالمقارنة مع ما جرى في عقدي الثمانينات والسبعينات، حيث جرى دفع هذه الدول نحو إهدار ثرواتها في مجالات لم تدر عليها بالنفع الكبير، وهو ما جعل هذه الدول أكثر خبرة وتمرسا ووعيا في إدارة هذه العوائد بعيدا عن الانزلاق مرة أخرى في أنفاق مظلمة.

ثالثا: إن الدول النفطية على وعي كامل بمخاطر وجود سيولة نقدية لا تجد مجالات تستثمر فيها، ولعل الإقبال الكبير على أسهم شركة »دانة غاز« خير مثال على ذلك، فقد تلقفت الأسواق الخليجية بروح عكست إدراكها الايجابي لهذه الأسهم،

ولكن تسجيل قيمة طلبات الاكتتاب أرقاما فلكية، قد أثار الوعي بضرورة توفير أوعية استثمارية قادرة على هضم السيولة الزائدة، وبدأت تبرز المبادرات الواحدة تلو الأخرى والتي توفر مجالات جديدة للاستثمار، ومن بينها مبادرة شركة »شعاع كابيتال« بتأسيس صندوق استثماري.

رابعاً إن الوضع المالي في العالم يبدو أكثر تماسكا مما كان علية الأمر في عقدي السبعينات والثمانينات، حيث تشير التقديرات إلى أن دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط أنفقت قدرا كبيرا من ثرواتها خلال عقد السبعينات في هيئة قروض سيادية لدول أميركا اللاتينية والتي أساءت استخدام هذه الأموال،

وهو ما فجر الأزمات المالية في الثمانينات عندما ارتفعت أسعار الفائدة بشكل حاد بهدف كبح الارتفاعات الصاروخية في معدلات التضخم، مما قاد إلى ظهور أزمات الديون، ولكن في الوقت الحالي، تبدو صورة الوضع المالي على مستوى العالم أفضل حالا فالدول النامية في أمريكا اللاتينية وفي مناطق العالم الأخرى تدير ميزانياتها بشكل متماسك وحصيف.

كتب مجدي عبيد