ماأحلى أن نجد من يفهمنا نشتاق للحنان والحب، ولمن يخفف عنا حدة الأيام وطول المسافات، وآلام الطريق.وكأننا قطارات تسير على قضبان، نلهث، ونتصارع، ونتوجع، دون أن تتوقف القطارات على محطات للراحة والتقاط الأنفاس، ودون أن تلتقي الخطوط!
حالة اشتياق، نمر بها جميعاً، وننتظر ما قد تلقي به الأقدار في طريقنا..
في لغتنا الدارجة نسمي هذا "القسمة والنصيب" ونسميه أيضاً "الصدفة"
و"الصدفة" فعل غير مستحب في الفن، لأن بعض الذين يتعاملون معها يجدونها من دون أي منطق يقبله العقل، فتتحول بين أيديهم إلى ميلودرامية وسمت بها الأفلام الهندية "التجارية"، ومثلما فعل مخرجنا الراحل "حسن الإمام" أحيانا في بعض أفلامه.
وكما ان "الصدفة" تلعب دوراً مع النجوم والنجمات ليكون موعدهم مع الشهرة والأضواء والثراء، تلعب أيضاً دوراً في حياة آخرين منهم، ليبدأ التوتر والقلق والمرض والنهايات الحزينة.
وما لايعرفه الكثيرون، أن الفقر والمرض والنهايات المفجعة صاحبت الكثير من النجوم، الذين ملأوا حياة الناس بهجةً وكوميديا وفرحة، فمن يصدق أن عبدالفتاح القصري نال منه المرض وعاش في الظلام ثلاثة أشهر.
وأن زينات صدقي عاشت أيامها الأخيرة في حزن واكتئاب وظلت حبيسة منزلها حتى رحيلها، بل من كان يصدق أن ساره برنار الشرق الفنانة الراحلة فاطمة رشدي التي كان يسعى إليها الأمراء والأثرياء ورجال الحكم، انتهت حياتها بشكل مأساوي بعد رحلة منهكة من البحث المميت عن سكن ملائم تعيش فيه أيامها الأخيرة.
أو أن تحية كاريوكا التي ملأت الدنيا بهجة وكانت تطأ بقدميها مئات الألوف تنتهي إلى حد تسول دور في فيلم لتقاوم متطلبات الحياة، الفقر والمرض صنوان متلازمان يتضافران دائماً، في رسم النهايات الميلودرامية لأساطير الفن، ومن لم يمت بالمرض غادر الدنيا شديد الفقر.
برحيله المثير شارك النجم أحمد زكي العندليب عبدالحليم حافظ في الكثير من السمات التي وحدت بينهما، فعندليب الغناء، وعندليب التمثيل، كانا أشهر نجمين تفاعل الجمهور مع آلامهما وعايشوا هذه الآلام منذ بداية رحلتهما مع المرض والوجع.
وكما ساهم مرض عبدالحليم في تثبيت صورته الرومانسية كمطرب رقيق مريض يحيا بالحب ويغني له ليقاوم الآلام والأحزان، وكذلك أحمد زكي في رحلة مرضه ساهم إلى حد كبير في تثبيت صورته كنجم قريب من الفقراء، ومعبر عن آلامهم وأحلامهم، وساهم في تأكيد هذه الصورة كون السرطان الذي مات به زكي أصبح المرض الشعبي الذي يضرب أكباد ملايين المصريين.
ومن أشهر قصص الرحيل الدرامي لنجوم الفن قصة الفنان عبدالفتاح القصري، الذي كرس حياته للفن وقدم ما يزيد على 120 فيلماً ونال الكثير من الثراء وتزوج ثلاث مرات من أجل أن ينجب الولد الذي يحمل اسمه وفنه.
ثم تزوج من الرابعة وكانت فتاة صغيرة كتب لها كل ثروته، إلا أنها تنكرت له بعد أن استولت على كل شيء، وفي تلك الأثناء تمكن منه المرض وعاش في ظلام فقدان البصر ثلاثة أشهر، ثم أصيب بتصلب الشرايين الذي أفقده الذاكرة.
وأقعد القصري المرض، واحتاج إحسان الفنانين الذين تنكروا له، وكان كلما ارتد إليه وعيه للحظات قصيرة يصيح خلالها بكلمة واحدة هي »دنيا«!، وانتهى المشهد الحزين للفنان الذي ملأ الحياة ضحكاً بجنازة تكونت من ثلاثة أفراد فقط حملوه إلى قبره.
ومن المشاهد المؤلمة والمثيرة لنجوم الفن أيضاً، مشهد أشهر كوميديانة عرفتها السينما المصرية زينات صدقي، التي عاشت أيامها الأخيرة في حزن دائم واكتئاب وظلت حبيسة منزلها ولم يكن أحد من زملائها الفنانين يسأل عنها، وظلت رغم حالة الفقر الشديد التي تعيشها، تتحمل نفقات علاجها سنوات طويلة بمفردها، ولا تجد من يواسيها في محنتها.
ولا حتى أعز صديقاتها في ذلك الوقت، والفنانة تحية كاريوكا رحلت وحيدة محطمة عام 1978، ولم تكن تحية كاريوكا تدري ان الغدر سيحمل لها النهاية نفسها، فقد عانت في آخر حياتها من جحود الوسط الفني والأصدقاء والزوج.
وشربت من الكأس نفسه، الذي شربه زملاء لها قبلها.
أما خريطة الأمراض التي أودت بحياة الفنانين فإن من يتابعها سوف يلاحظ أن مرض الكبد ظل لفترة طويلة يتربع على عرشها حتى جاء مرض السرطان وأزاحه.
فقد أودت أمراض الكبد بحياة عبدالله غيث، والملحن بليغ حمدي، والممثل الكوميدي بدر الدين جمجوم، الذي أجرى عملية زرع كبد في لندن، ولكنه عاد ميتاً من هناك، والفنانين محسن سرحان، وكرم مطاوع الذي انتشر السرطان من كبده لكل جسمه.
أما نادي القلوب العليلة فقد دخله أيضاً عدد كبير من النجوم وكان سبباً في وفاة فريد الأطرش، ويوسف وهبي، ويحيى شاهين، وشكري سرحان، وفريد شوقي، وعاطف الطيب.
وكان الإرهاق الشديد والمجهود المتواصل سبباً رئيسياً في دخول عدد كبير من نجومنا الأحياء إلى نادي القلوب العليلة، وأشهرهم فؤاد المهندس، كمال الشناوي، سعيد عبدالغني، ومحمد وفيق، أما أصغر أعضاء نادي الأزمة القلبية فهو المذيع طارق علام.
ويأتي مرض السرطان ليحتل القمة في أمراض الفنانين وأشهرهم الراحل أحمد زكي ورفيقه ممدوح وافي، والمطربة فايزة أحمد وناهد شريف، والفنانون عبدالله محمود، وصبري عبدالمنعم، وسيد عزمي.ومن الأمراض السنيدة أيضاً الجلطات وأمراض الدم التي ترتبط بالفنانين بسبب الضغط العصبي في العمل، فمن أشهر أصحاب الجلطات الآن يونس شلبي، وسيد زيان وجورج سيدهم.
إن الوجه الآخر للفنانين والذي لا يعرفه الجمهور، شيء غير عادي في حياة غير عادية، وكم من الأشياء العادية في حياتنا اليومية تستحق التوقف والتأمل والاهتمام، فالصور اللامعة للنجوم، تختفي وراءها حقائق وحكايات مذهلة، وإيقاع العصر الكاذب، يطحن المشاعر ويقطع العلاقات، ولا يبقي لأحد سوى الحسرة على الماضي الجميل والدفء المفقود.
أسامه عسل