أكد المخرج السينمائي فجر يعقوب في حواره مع "البيان" بأن لا حل لأزمات السينما العربية إلا بالاستفادة وكسر حواجز الخوف بشأن التعاون المشترك مع المؤسسات الأوروبية الفنية.
حول هواجس الفن السابع التقته البيان وكان هذا الحوار:
٭ كيف ترى انتقالك من عالم الشعر إلى عالم السينما؟
ــ بداياتي في عالم الإبداع إن جاز التعبير كانت في مجال الشعر والكتابة الصحافية، والتي لم أهجرها فأنا ما زلت كاتباً في عدد من الصحف العربية إضافة إلى الترجمات في عالم السينما.
وكذلك الحال بالنسبة للشعر فأنا ما زلت أكتبه ولكن بطريقة مختلفة حيث كنت سابقاً أدونه على الورق على شكل جمل ومفردات متراصة ومتنافرة تشكل المشهد الشعري، فيما تحولت كتابتي الحالية للشعر إلى رسم للمشهد بوساطة الكاميرا.. حيث أحول ما أحس به إلى لغة بصرية.
٭ هل هذا التحول أسلوبي؟
ـ صدقاً ليس هناك من الكثير لأقوله عن أسباب هذا التحول سوى إحساسي في لحظة معينة بعدم قدرة الشعر المكتوب على التعبير عما في داخلي، وافتقاده لعنصر الدهشة في محاولة مني لتنفيذ قرار اتخذته بمغادرة عوالم الطفولة..
وبقيت تائهاً ومتأرجحاً لفترة ممتلئاً بمشاعر الخواء بسبب هذا القرار فكانت المصادفة والضرورة تلك التي قادتني مرة أخرى إلى طفولتي المهجورة عندما التحقت بمعهد السينما في بلغاريا والتي جعلتني أعود إلى اقتراف آثام الشعر وخطاياه، أما حول سؤالك لي عن تأثيرات ذلك على القدرات الإبداعية (إذا افترضنا أنني مبدع)!!
فيمكن القول بأن علاقة الشعر بالسينما وثيقة جداً، وهما صنفان إبداعيان متقاربان للغاية، ويشهد تاريخ السينما بأن أشهر من صنع سينما عظيمة كانوا شعراء أمثال بازوليني وبرتولوتشي وغيرهم، وستبقى أعمالهم خالدة خلود الشعر نفسه.
وهذا يقود إلى الإجابة عن سؤالك بأن السينمائي الشاعر هو سينمائي مبدع لأنه امتلك سلاحاً إضافياً في معركة الإبداع.. ويجب أن نتذكر في هذا السياق النصيحة الثمينة لأسطورة السينما العالمية »سيرغي ايزنشتين« لجميع السينمائيين بضرورة قراءة شعر الهايكو الياباني لشحذ المخيلة وإعطاء المزيد من المساحات والفضاءات لخيولها.
ويمكن لي هنا أن أكشف سراً بأن فيلمي الروائي الأول الذي حمل عنوان »البطريق« كان مستنداً على قصيدة شعرية كنت قد كتبتها في وقت مبكر من حياتي.
٭ وماذا عن »البطريق« والمقولة التي يحملها؟
ـ لا يتضمن الفيلم مقولة بالمعنى الحرفي للمفردة بل هي صورة من الحياة المعاشة تنطوي على احتمالات كثيرة ويمكن أن تخضع لتفسيرات عدة من المتلقين.
فهناك ربما محور لحركة الأشخاص وعلاقاتهم داخل المشهد الكبير والأساسي للفيلم يتمثل في السمكة داخل الحوض الزجاجي في المنزل وتدور حولها حركة وعلاقات الثالوث التقليدي الزوج والزوجة والعشيق.
ويطرح مآل هذه العلاقات وحركيتها سؤال يبقى دون إجابة أو مفتوح على احتمالات عدة.. من هو البطريق من بين هؤلاء جميعاً؟ فهذا الطائر في الواقع يسبب المشكلات لمن حوله كونه كائناً غريباً لا يعرف الغرور ولا المعاناة.
٭ هل ترفض فكرة تضمين العمل الفني مقولة ما؟
ـ مطلقاً.. ولكنني أرفض الأسلوب الميكانيكي في ذلك في عودة إلى التطبيقات الحرفية لمقولة الفن من أجل الفن أو من أجل الحياة والتي جعلت من بعض النتاجات الفنية غاية في التناول الفج، والسقوط في مستنقع السطحية.
٭ ما المسافة بين أفلامك القصيرة وفيلمك الروائي الأول؟
ـ البدايات كانت في بلغاريا بفيلم حمل عنوان »محطة فيكتوريا« عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الإنجليزي هارولد بنتر، وهي تدور حول مشكلات غاية في الحساسية في المجتمعات الغربية.
وجاء فيلمي الثاني ليحمل عنوان السراب وهو عن قصة للكاتبة السورية كوليت خوري تدور حول نحاتة تعيش في مكان افتراضي تقوم بنحت أحد أعمالها بالاتكاء على طفولتها الضائعة خلال الحرب.. الفيلم يطرح على النحاتة سؤالاً.. هل تنجح النحاتة في استعادة طفولتها البريئة الضائعة.. أم طفولتها التي تحمل إرث بشاعة الحرب!!؟
أما فيلمي الثالث فكان بعنوان »خدعة ربيعية« حول راهب متصالح مع الطبيعة إلى حد كبير ومنفتح على كافة موجوداتها.
وتبقى الخصوصية بالنسبة لي لفيلم »صورة شمسية« الذي جسدته استناداً إلى نص للكاتب الفرنسي الشهير »جان جينيه« »4 ساعات في شاتيلا« والذي لا أعتقد بوجود نص يوازيه صدقاً وجمالاً ودقة في الرصد وبعده فيلمي المتاهة وروميو وجولييت.
٭ بالانتقال من الخاص إلى العام.. هل تتفق مع ما يقوله الكثيرون من القائمين على صناعة السينما العربية بأن هناك أزمة تواجهها السينما سببها الأساسي الموازنات المالية المخصصة لها من الدول العربية التي تمتلك مثل هذه الصناعة؟
ليس هناك سبب واحد للأزمة، ولكن السبب الرئيسي يتمثل في مشكلة المخيلة لدى المخرجين الذين منحوا الثقة من مؤسسات السينما العربية فهم ليسوا أكثر من أشخاص معوقين هيمنوا على صناعة السينما في هذا البلد العربي.
أو ذاك وأصبحوا عبئاً ثقيلاً على إمكانية ظهور مواهب جديدة مع إتاحتهم الفرصة للظهور فقط لمحاسيبهم الذين لا يمتلكون من الموهبة سوى اسمها، وبالتالي نقل منطق العلاقات البطريركية من الميدان السياسي إلى ميدان السينما والإبداع،.
حيث تحولت مقولات التغيير والتطوير والربيع والخريف التي يتشدقون بها إلى مجرد وسيلة للارتزاق والظهور بمظهر المضطهدين من قبل النظام السياسي علماً بأن كافة العمليات الحسابية تشير إلى أنهم وحدهم الأكثر الاستفادة من الوضع القائم الذي وضعهم .
حيث هم، وأصبحوا أكثر محافظة وتخلفاً من النظام السياسي القائم الذين يدعون وقوفهم على طرف نقيض معه. وإلا بماذا تفسر هذا التردي في صناعة السينما عبر انتعاش نماذج من الأفلام السخيفة والسطحية .
وبروز جيل من الممثلين المطربين لاعبي السيرك والنتيجة صفر على المستوى السينمائي، فيما.. يجري فعلاً تغييب كافة الإمكانيات والمواهب السينمائية الجادة ومحاربتها ودفعها أما إلى الانخراط في الهوجة السائدة، أو إلى مغادرة الساحة السينمائية نهائياً.
لا مساومة على المبدأ فمثلاً انتظر المخرج المغربي محمد العسلي 25 عاماً ليقدم فيلمه الروائي الأول والذي كان يمكن له أن يقدم الكثير من الأعمال لو ارتضى لنفسه تقديم تنازلات بصدد صنع سينما جادة ومهمة.
طبعاً هناك آخرون بالتأكيد وربما لم أحظ بفرصة التعرف إليهم بعد، ولكن بالتأكيد سأمنح هذه الفرصة ذات يوم.
»التعاون مع المؤسسات الأوروبية مخرج من الأزمة.
٭ ما رأيك بالانتاجات الدرامية التلفزيونية؟
ــ الهم واحد بالتأكيد.. فالإنتاج التلفزيوني العربي عبارة عن »وجبة ملوثة في حصن كبير« كما يقول ايتالو كالفيتو. فهناك أشياء غريبة تحدث في هذا المجال على صعيد ما يجري تقديمه. فمن الذي يمول هذه الأعمال والتي لا يخدم الكثير منها أي شيء. فيما يخدم بعضها اتجاهات مشبوهة.
وأود هنا التساؤل...لمصلحة من يجري دعم التلفزيون على حساب السينما؟
دمشق "البيان" خالد اللوباني