ثمة ضوء أبيض يغمر المكان، وأمّ تجيد اختيار المنتج الاستهلاكي الملائم. ترتّب السفرة الرمضانية بعناية فائقة. تهندم الياقات ناصعة البياض لأطفالها الجميلين. تبتسم ابتسامة الرضا الأسري الهنيء، ومن المحتمل أن تتلقى، في اللحظات الأخيرة للاعلان، غمزة خفيّة من الزوج، ذي الذقن الناعمة و«السكسوكة» الرجولية، كمكافأة لها وإثبات على «مباركته» لخياراتها الاستهلاكية.. على مائدة البيت السعيد.

تلك هي الصورة الاعلانية للأم العربية التي رافقتنا طوال السنوات الماضية، واعتدنا على مطالعتها بشكل خاص في شهر رمضان حيث ترويج المنتج الغذائي يبلغ أشدّه، في ظل اهتمام عائلي «مقدّس» بالاجتماع حول المائدة وشاشة التلفاز في آن واحد.

وعلى مدى عقود طوال أيضا، نجحت شركات كثيرة في مخاطبة الأم كونها «المفتاح الاستهلاكي» و«ضابط أمن الغذاء والنظافة في البيت»، على ما يصفها خبراء التسويق، وزادت على هذه الصورة هالة من القداسة خصّت بها الأم العربية التي كرّست الأديان والعادات الاجتماعية مكانة سامية لها وباركتها.

وظهرت الأم في مئات الاعلانات التي تروّج للأطعمة والأشربة ومساحيق الغسيل والأدوات المنزلية مهندمة، لطيفة، ودودة، صبوحة، متفانية، ذكية بغريزتها التي تقودها الى علبة السمن المناسبة، ماكرة في الاستحواذ على رضا زوجها باتباعها قاعدة «أقصر طريق الى قلب جوزك معدته») على ما تغني الراحلة سعاد حسني في هو وهيّ).. بدت أم اعلانات رمضان دوما تشبه الـ «ماما الطباخة» التي تتم مكافأتها من قبل الزوج والأبناء حين يحجزن لهنّ مكانا على المائدة، فتكون الفرحة «مش سايعة العيلة».

أما الأم العصرية، العاملة التي قد توضّب طبختها ليلا أو تعتمد على «الديليفيري».. تلك التي قد تكون زوجة من غير أطفال وتهتم بأن تحصل على نصيبها متساويا مع نصيب زوجها والأولاد، فهي صورة لم يحبذّها الاعلان العربي، بل ربما حاربها. خارج السياق، ظهر رمضان العام الحالي بإعلانين قد يشكلان خرقا: الأول، الذي يروّج لشوكولاته «..»، يحرّض الأم على أن تحتفظ بالحبة الأطيب لنفسها بدل أن تبددها في الضيافة، وهو تحريض يلفت بشدة كونه يقف موقف الضد من عاطفة الأم العربية في ايثار أولادها وزوجها على نفسها، ناهيك عن الخروج على العادات العربية الراسخة التي تسيّد الضيف وتحتفي به.

الاعلان الثاني، الذي يروّج للمنتج نفسه، يظهر الزوجة (ليست أم هنا، أو اولادها لا يظهرون) «تطرد» زوجها بلطافة، تتنفّس الصعداء بعد أن تقفل الباب وراءه، تشعل الموسيقى، توضّب الوسادة، تبرق عيناها، وتمارس وحدها تلذذها بطعم الشوكولاته بسريّة مثيرة. «نسعى لكي نحوّل غالاكسي الى علامة تجارية أنثوية.

تشعر النساء معها أنهم يملكن استقلاليتهن الكاملة»، يشرح مسؤول تسويقي في الشركة. وفي دبي، تظهر حملة حديثة لأحد مراكز التسوّق نسوة فرحات بأنهن يذهبن الى مركز التسوّق وحدهن بلا رجال:«أذهب الى وافي (مركز التسوق) بمفردي»! هل هو مؤشّر لتغيّر الذائقة الجماهيرية تجاه صورة الأم الاعلانية؟ ربما نعم، وربما هو محض استثناء يحلّق.. خارج السفرة!

إبراهيم توتونجي