«اغتيال ريتشارد نيكسون» من الأفلام الجيدة لهذه السنة من إخراج نيلس موللر وبطولة شون بين ونعمومي واتس ودون شيدلي.
اسم الفيلم لا يعبر بالضرورة عن أحداثه، فالرئيس الأميركي نيكسون لم يقض في حادثة اغتيال. مع أن صموئيل بيك المواطن الأميركي فكّر فعلياً، ومارس عملياً خطة لاغتياله. والقصة حقيقية من سبعينات القرن الماضي، أعدها للسينما الفونسو كوران، في سيناريو كتب بأسلوب مركب بين أحداث واقعية ونتائجها النفسية على بطل القصة، الذي أدى دوره شون بين.
رجل عصامي، لا يحب الخداع ولا الكذب، يقرر إحياء مهنة والده القديمة في بيع إطارات السيارات، بعد أن عمل مع شقيقه وانزعج من أسلوبه المراوغ. فانتقل إلى بيع أثاث المنازل في شركة يديرها صاحبها الرأسمالي بأخلاق مشابهة لأخلاق الشقيق، ولا يتورع عن تأديب عماله بحذاقة.
وإعلامهم أنه لا يقبل بأن يعمل عنده غير المتزوجين، لأنهم مشتتو الذهن. فيضيق ذرعاً به الموظف صموئيل بيك الذي يتقدم بطلب استدانة من البنك لإنشاء مشروعه الخاص مع شريكه الأسود (يمثل دوره دون شيدلي) فيتم رفض الطلب، مما يزيد من حدة غضبه على النظام الاجتماعي الاقتصادي الأميركي.
ويحمل المسؤولية كذلك إلى الرئيس الدائم على شاشات التلفزة بأن الحالة ممتازة، وأن إنجازات إدارته في الاقتصاد هائلة. ومما يزيد الطين بلة انفصاله عن زوجته ماري (الممثلة نعومي واتس) التي تعمل كنادلة تتعرض لتحرشات الزبائن صاغرة أمامها.
كل هذه العوامل تدفع بيك إلى أن يصبح موتوراً وعصبياً أمام انهيار حياته كلها، ببعدها الاقتصادي والاجتماعي، فيقرر اغتيال الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، الذي يشكل برأيه مشكلة النظام الأميركي، فيختطف طائرة على أهبة الإقلاع، ويقتل مساعد قبطانها وبعض الركاب إلى أن يطلق عليه النار أحد عناصر الشرطة فيرديه قتيلاً.
شون بين شقي هوليوود
اختيار مخرج الفيلم موللر وكاتب السيناريو كوران للممثل شون بين ليلعب دور الشخصية الرئيسية لم يكن صدفة، وهو الملقب بفتى هوليوود السيئ.
وفي أحسن الأحوال الشقي، فالرمزية في هذا الشريط والإيماءات الكثيرة تدل في كل مفرداتها إلى الواقع الأميركي في ساعته الحالية، مع أن أحداث القصة وقعت في الثلث الأخير من القرن الماضي، لذلك الفيلم مركب، ويشير إلى «الجمهوريين» بإصبع الاتهام حين يكونون في «البيت الأبيض» .
وخطف الطائرة لإلقاء قنبلة على مكان إقامة الرئيس الأميركي يقع على تشابه بأساليب أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وهذا العمل هو إرهابي أيضاً، ولكنه يأتي من داخل الولايات المتحدة هذه المرة، لأسباب تسببها سياسات النظام الداخلي، كما أن السياسات الخارجية سببت الإرهاب الآتي من الخارج.
جسد شون بين شخصية صموئيل بيك بأدائه الفياض التعبيري، من دون استخدام المبالغات كعادته، فهو ممثل من طراز خاص يقف من خلاله إلى جانب مجموعة من رواد هوليوود، أمثال داستن هوفمان والباتشينو.
وروبرت دونيرو، وجاك نيكلسون، وأنطوني هوبكنز، لكنه في رأيي الخاص، هو في طريقه لتجاوزهم والارتفاع إلى مستوى الملوك، من أمثال مارلين براندو وجيمس دين.
وهذا لا يقلل من شأن المذكورين، لكن بين حقيقة يزداد حرفة وقدرة على الدقة، كون السينما عنده ليست فناً فقط للفن، بل إنه يحمل قضية يعبر من خلالها عن هواجس الإنسان ومشاكله، إن كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ما يعانيه من ويلات الحروب.
ولد شون بن في العام 1960 في «بوربانك» في كندا، والده المخرج ليو بين ووالدته الممثلة آيلين رايان. درس الحقوق لمدة سنتين، وما لبث أن انصرف كلياً إلى عالم التمثيل، فبدأ عمله الأول مع الفيلم التلفزيوني «حادثة بارنابي جونز»، ثم ظهر في عدة مسرحيات بأدوار صغيرة على خشبة برودواي، فظهرت موهبته الفذة بسرعة مع فيلم «ذا كيلنغ أوف ريندي ويبتر»، بإدارة سام وانا مايكر عن قصة حقيقية أنتجت للسينما في العام 1981.
وتقدم إلى دور البطولة المطلقة في فيلمه الثالث الكوميدي «الأوقات السريعة»، بعد عام واحد على انخراطه الفعلي في عالم التمثيل، ثم أكد حضوره في فيلم «باد بويز» الذي يتصارع فيه مع مجموعة مراهقين من عصابات المدارس والشوارع والسجون، ومواجهة التحديات الناتجة عن التفكك الأسري.
لا يمكن أن ينسى دوره في فيلم «رايسنغ ويز ذا موون» من إخراج ريتشارد بينجمين، وإلى جانبه نيكولاس كيج الموهوب الفذ الآخر، عن حياة مراهقين يتمتعان بالأيام الأخيرة قبل التحاقهما بالجيش أثناء الحرب العالمية الثانية، في قصة شغوفة ومرّة بين البراءة المفقودة والصدمة المروعة للعنف الاجتماعي. ومن أفلامه المميزة «ديد مان وويكينغ» من إخراج توم روبينز.
وسيناريو آريك فيللنر، عن قصة سجين محكوم بالإعدام بتهمة الاغتصاب والاعتداء على شابين وقتلهم. تنشأ علاقة روحية بينه وبين راهبة تحاول إنقاذه من حبل المشنقة لأنها تعارض هذه العقوبة، لكنها تواجه بمشاعر أهل الضحية. تؤدي دور الراهبة الممثلة سوزان ساراندون.
وكذلك هو شون بين في «21 غرام» عن حياة مدمنة مخدرات وأستاذ رياضيات مصاب بمرض عضال يتقاطعان في حياتهما الروحية. الفيلم من اليخاندرو غونزاليس وتمثيل نعومي واتس التي مثلت أمام شون بين للمرة الأولى في هذا الشريط، ومن ثم حازت على شهرتها الواسعة في الجزء الثاني من فيلم الرعب المثير «رينغ».
آخر أعمال شون بين «كل الملوك من البشر» الذي سيبدأ عرضه في الأسبوعين الأخيرين من العام الحالي، من إخراج ستيفن زايللين، وتمثيل جودي لو وكاتي وينسك ومارك رفايللو. كما شاهدناه منذ شهرين إلى جانب نيكول كيدمان في «المترجمة» من إخراج سيدني بولاك بعد غياب سبع سنوات عن عالم الفن السابع.
باختصار، يمثل شون بين علامة مهمة في تاريخ هوليوود، فهو لو سُمِّي بالممثل المشاغب الذي حاز على أوسكار أفضل ممثل للعام 2003 عن فيلم «من باطني» من إخراج كلينت ايستوود وسيناريو بروس بريمن، سيبقى بين الممثل صاحب المستقبل الجامح نحو نجومية يستحقها بجدارة.
حسين قطايا
