لا شك أن للائتمان دور مهم في توجيه النشاط الاقتصادي، إذ تقوم المصارف بدورها الرئيس في التأثير على ذلك النشاط عن طريق منح القروض والسلف التي تقدمها لأصحاب الأعمال، ويفهم من مدلول اصطلاح الائتمان قيامه على أساس الأمانة والثقة، وهذان العنصران هما المحوران اللذان ترتكز عليهما عملية الائتمان.
وللائتمان مزايا ووظائف اقتصادية مهمة باعتباره الأداة المناسبة لتحويل استعمال رأس المال من شخص لآخر يستطيع استغلاله في الإنتاج والتوزيع ويمكن زيادة إنتاجية رأس المال عن طريق الائتمان الذي يساعد كذلك على استعماله في الفرص الاقتصادية المختلفة والإنتاج الواسع.
في حين أن تضخم الديون المتعثرة ينعكس سلبا على تسويق المشروعات الاستثمارية الجديدة، وينتج عن التعثر تراجع القيمة المضافة سواء للجهاز المصرفي أو على مستوى الاقتصاد الكلي، ومن المعروف أن المصارف توازن دائما بين السيولة والربحية،
وبين طاقة المصرف الإقراضية ومقدرة المقرض على التسديد، وبما ان توظيف الأموال هو الوجه الآخر لعمل المصارف فإنها تسعى لتوظيف ما يزيد من أموالها في مجالات الإقراض وما يزيد عن نحو ذلك نحو الاستثمار باعتبار ان الإقراض هو أكثر أعمال المصرف في تحقيق الربح بسبب العائد المرتفع،
وتحقيق الربحية عامل مهم لنجاح المصارف وفي رسم سياسة الإقراض، وكلما كانت المصارف بحاجة إلى أرباح أكثر من غيرها فإنها تنتهج سياسة اقراضية متساهلة رغم ما تتحمله من مخاطر إضافية.
والائتمان هو قابلية الحصول على الأموال أو إنه مقياس لقابلية الفرد أو الحكومة للحصول على الأقيام الحالية نقوداً كانت أم بضائع أو خدمات مقابل تأجيل الدفع إلى وقت معين في المستقبل.
أما الديون فإنها تنشأ بسبب منح ائتماني عادي تحول إلى دين متعثر نتيجة لسلبيات معينة، وتعمل المصارف ضمن قوانين صادرة عن البنوك المركزية لكل بلد يحدد من خلالها السقف الائتماني الممنوح،
فعلى سبيل المثال حدد قانون المصرف المركزي لدولة الإمارات في تعميمه الذي نص على منح التسهيلات بنسبة واحد إلى خمسة من قيمة إجمالي الودائع المختلفة المحفوظة لديه وعدم السماح للبنوك بتقديم تسهيلات أكبر إلا في حالة توفر الضمانات الكافية مما يفسح المجال أمامها لمزيد من الإقراض،
ويهدف المركزي من هذه السياسة إلى التحكم في حجم الائتمان، كما تهدف هذه الإجراءات لحماية صغار المستثمرين من الأضرار الناجمة عن ارتفاع كلفة التمويل بسبب تدني ما يخصص لهم من أسهم مقابل مبالغ المشتريات التي تمولها لهم البنوك المخالفة دفتريا في معظم الأحيان.
وعلى الرغم من ذلك فإن الائتمان يتحمل مخاطر ويتضمن في كثير من الأحيان حالات تأجيل الدفع أو عدم التسديد فالمخاطر موجودة دائما مع الائتمان وهي تمثل احتمال عدم تسديد المقترض لالتزاماته وفق الشروط المتفق عليها.
فالمخاطر الائتمانية الناجمة عن نكول المقترض عن التسديد مصاحبة لكل إقراض ولكن بدرجات متفاوتة واحتمالات الخسارة موجودة ولكن المصارف الناجحة هي التي تسعى لتقليل خسائر القروض والتسهيلات من خلال مركزها المتين وعلاقتها المستمرة بالزبون ومراقبة القروض بعد منحها ومتابعة جبايتها،
وكل ذلك يعتمد على رسم سياستها الإقراضية ومهارتها وخبرتها في التحصيل ، فالخسائر الكبيرة في بعض القروض يدل على أخطاء في قرارات الإقراض أصلا، وبالرغم من وجود ضوابط ائتمانية إلا إن الممارسة تكشف عن معاناة الجهاز المصرفي التي تحيط بالائتمان.
إذن المصارف تعمل على توظيف مواردها بناء على أسس محددة وهي توفر السيولة والربحية والضمان والمشاركة في خطط التنمية.وقد سجل الإقراض الشخصي وتمويل المشاريع في دول مجلس التعاون الخليجي نموا حادا خلال السنوات الثلاث الماضية حيث ارتفع بنسبة 21.6 بالمئة مقارنة بنحو 13.4 بالمائة خلال الفترة السابقة.
وشكل الإقراض التجاري في نهاية العام الماضي ما نسبته 60 بالمئة من الإقراض الإجمالي. وأشار تقرير اقتصادي إلى احتلال الإقراض الشخصي في الفترة المذكورة المرتبة الثانية بحصة بلغت 30 بالمئة. حيث كان إقراض التمويل الشخصي أحد الممارسات التجارية الأسرع نموا لبنوك مجلس التعاون الخليجي.
ولتحديد مشكلة تحصيل الديون المشكوك في تحصيلها لا بد من معرفة المفاهيم المتعلقة بالديون والائتمان والتسهيلات المصرفية، فهناك تسميات مختلفة للديون المتعثرة منها الديون المتأخرة التسديد والقروض غير المستردة وغير العاملة، فالدين Debt يمثل الجزء غير المسدد أو الرصيد المتبقي من المعاملات التي جرت بالائتمان Credit ،
ومن التعاريف الموجزة للدَين منها بأنه: يمثل التزاما ينفذ بواسطة فعل قانوني يهدف إلى تسديد الأموال، أو أن شخصا ما مدين قانونا إلى شخص آخر، والشائع قانونا أي دعوى قضائية على دين تتولى المحكمة تحصيله، وهذه التعاريف تحصر الدين بالوسائل القانونية للتحصيل دون الوسائل الأخرى الرضائية.
أما القروض فهي جزء من الائتمان وهي حسب آجالها طويلة ومتوسطة وقصيرة وحسب طبيعتها(تجارية وزراعية وصناعية وعقارية) وهي تتميز عن التسهيلات بأن الأخيرة تشمل الحساب المكشوف(الجاري المدين، خصم الأوراق التجارية، السلف المباشرة) وتسمى جميعها بالائتمان النقدي إضافة للائتمان التعهدي كخطابات الضمان والاعتمادات المستندية، وتشمل الديون الناشئة عن الائتمان النقدي أو التعهدي التي استحقت وتخلف المتعاملون عن تسديدها.
الآثار السلبية للديون المشكوك في تحصيلها:
للديون المتعثرة آثار ضارة على المصارف قد تؤدي إلى عرقلة أعمالها وتحسن أدائها وقدرتها على مواكبة المستجدات في الصناعة العالمية والمصرفية حيث تضطر المصارف سنويا إلى زيادة نسبة مخصصات الديون المشكوك في تحصيلها سواء بإرادتها أو بموجب توجيهات السلطات النقدية،
وقد يصل الأمر في بعض المصارف إلى عدم توزيع الأرباح على المساهمين إذا لزم الأمر، وقد تلجأ إلى الاقتراض أو الاستلاف عندما تعاني من أزمات نقص السيولة، وتؤثر كذلك الخسائر جراء عدم التسديد على احتياطيات أو رأسمال المصرف وعلى سيولته وتتطلب الديون الوقت والجهد المتواصل في متابعة تحصيلها.
ويمكن إيجاز بعض هذه الآثار الضارة على المصارف بما يلي:
* تؤثر زيادة القروض غير المستردة على سمعة المصارف والثقة فيها أمام الزبائن والمودعين
* حرمان الخزينة العامة بالنسبة للمصارف الحكومية والمساهمين بالنسبة لمصارف القطاع الخاص من صافي الأرباح المتحققة سنويا وكذلك حصص العاملين في المصارف.
* تخصص سنويا مبالغ طائلة توضع كتخصيصات لمواجهة الديون المشكوك في تحصيلها ومخاطر الائتمان والديون المشطوبة وبالتالي تأثيرها على الأرباح المتحققة للمصارف أو مستوى الأرباح المتوقعة.
* إن الديون المتعثرة والقروض غير العاملة تعتبر أموالا مجمدة لا يتمكن المصرف استثمارها وبالتالي حرمانه من العوائد المجزية.
* تتطلب الديون المتعثرة إشرافا ومتابعة وزيادة التكاليف الإدارية.
* تؤثر الديون المتعثرة على قدرة المصارف على الإقراض، وكذلك في تغيير سياسات الإقراض أو التشديد في إجراءات المنح والعمل على طلب الضمانات الكبيرة.
* قد يؤدي التوسع في الائتمان إلى نقص السيولة وخاصة عند عدم الاهتمام في قبول الودائع أو هروبها بسبب الفائدة.
* تنازل المصارف عن جزء من الفوائد المتحققة عن الائتمان في سبيل الحصول على أصل المبلغ.
* خسارة مديرين وموظفين بسبب الأخطاء المرتكبة في نشاط الائتمان.
وتبقى مؤشرات تصنيف الجدارة الائتمانية هي الفيصل في تحديد وتصنيف جدارة المصارف ومدى التزامها بالقوانين والأنظمة. فهي المقاييس التي تتبعها وكالات التصنيف العالمي للمؤسسات المالية
ومن هذه المؤسسات وكالة موديز لتصنيف وتقييم أداء المؤسسات المالية بما في ذلك المصارف والمؤسسات المالية الاستثمارية وتقييم احتمالات الخطر جراء عدم سداد المقترض لقيمة القرض المستحق عليه، وهي كغيرها من المؤشرات الائتمانية التي تركز على محاولة تقييم المخاطر الناجمة من عدم الوفاء بالتزامات السداد.
وتعتبر مهمة في عصرنا الحالي، حيث تؤثر بطريقة غير مباشرة على الجدارة الائتمانية لمجموعة عريضة من المقترضين؛ لان عملية جذب الاستثمارات الأجنبية إلي السوق المحلية يتطلب الإسراع نحو تحقيق عنصري الشفافية وتسهيل الإجراءات الخاصة بمنح الائتمان للمؤسسات وشركات القطاع الخاص. من حيث قدرتها علي جذب رؤوس الأموال الخاصة نتيجة تسهيل مناخ الاستثمار المتعلق بها وتبسيط الإجراءات الائتمانية والتشريعية.
ولقد انتهجت وكالات التصنيف العالمي للجدارة الائتمانية السيادية بعدم إعطاء تصنيف أعلى لمقرض محلي عن التصنيف السيادي للدولة بغض النظر إذا كان هذا المقترض ينتمي إلى القطاع العام أو الخاص وبغض النظر عن مقدار وجودة وضعه المالي، وهذا الموضوع محل نقاش بين بعض المؤسسات المالية ووكالات التصنيف العالمي.
قتيبة عبد الرحمن العاني
باحث اقتصادي
E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae