الاكتتاب هو نقطة البداية لدخول المستثمر مساهما في رأس مال الشركة التي ستعبر إلى داخل سوق المال ويصبح السهم موضع المضاربة، فيضمن المكتتب فرصة مرافقة صعود سلم سعر السهم من بدايته والاستمتاع بمواكبة مضاعفات رأس المال الذي دفعه.

لقد انتهت فترة الاكتتاب الأخيرة بذكريات ستبقي حديثا إلى زمن، حين زحف المكتتبون جماعات وأفرادا، برا وجوا إلى مراكز الاكتتاب. واستخدموا في وصولهم جميع وسائل النقل الحديثة المتاحة، فلو لم يبق إلا الجمل وسيلة لكان موضع ترحاب. وقد تعالت الاقتراحات هنا وهناك في تطوير أساليب الاكتتاب عن بعد لتخف حدة الازدحام، وغيرها من اقتراحات تصب جميعها في تنظيم عملية الاكتتاب.

ظهرت نتائج الاكتتاب بعد ذلك بعدد 413 ألف مكتتب جاءوا من 101 دولة، واللافت للانتباه هو أن المبلغ الذي تم تسلمه في البنوك بلغ 288 مليارا أي ما يوازي 200 ضعف المبلغ المطلوب تقريبا. وهذا إقرار بالثقة العالية التي أولاها المستثمرون لهذا المناخ وتفضيله على مناخات أخرى لا تقل أهمية.

ودون الدخول في تفاصيل التخصيص وطريقة توزيع الأسهم، فالنتيجة الحتمية هي أن 200 درهم جاءت طائعة وحركت أصحابها بطاقة منقطعة النظير ولسان حال كل درهم يقول اقبلوني معكم ولا تردوني، وأن التخصيص ينال فقط درهماً واحداً منها، أما البقية فستعاد سالمة إلى مواقعها القديمة.

بعض هذه المبالغ تم سحبها فعلا من عمليات بيع أسهم شركات محلية انخفضت قيمتها خلال فترة الاكتتاب، وقدم بعضها من أسواق مالية مجاورة حيث بدا ذلك واضحا في انخفاض مؤشر تلك الأسواق خلال الاكتتاب. بينما جاء البعض من مصادر غير عربية وهو ما يعنى انه لا جنسية أو موطن حقيقي لرأس المال غير البيئة الحرة التي يثق بها المستثمر، فجنسية رأس المال تتحول تلقائيا نحو العملة المتجه إليها.

إذا كان الاكتتاب هذه المرة في شركة عربية وسوق عربي وجاءت الأموال من مصادر عربية وغير عربية، فرأس المال العائد والذي لم ينل حظه في الاكتتاب ما زال يحتفظ بطاقته الكامنة و يمكن أن يتوجه بسهولة مرة أخرى نحو أي سوق.

إن حجم الشركات الموجودة داخل الأسواق العربية ونشاطها أقل بكثير من طموحات رأس المال المتوفر والأسواق بحاجة إلى عشرات الأضعاف من الشركات لاستيعاب رؤوس الأموال من الحجم المذكور،

وبكل أسف لا يمكن منع رأس المال من السفر إذا توفر المكان والسمعة الجيدة ولن يكون هناك أي حاجز عربي يمنع سفر أموال عربية نحو بيئة أجنبية، فعمالقة أسواق المال العالمية يرقبون عن كثب جميع هذه التفاصيل وبشهية مفتوحة.

أيمن سيف

مستشار مالي

aymansaif@yahoo.com