ستظل عجلة الاقتصاد الصيني مدفوعة بنمو الصادرات لفترة مقبلة، وتتوقع الصين أن تحقق نمواً بنسبة تزيد على 9% مرة أخرى في معدل زيادة إجمالي الناتج المحلي في العام الحالي، فيما تحاول أميركا إقناع البلاد برفع قيمة عملتها المحلية، لكن ليس هذا ما يقلق الصين بل يقلقها عدد الفقراء من شعبها،
وبالتالي ليس من المستحيل أن تستجيب للمطالب الأميركية، فقد أعلنت وكالة التخطيط الصينية في الشهر الجاري أن إجمالي الناتج المحلي ارتفع بمعدل 9.4% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، فرفعت توقعاتها لنمو العام الحالي إلى 9.2% مقابل 8.8% سابقاً،
كما توقعت الوكالة أن تسجل الصين رقماً قياسياً في فائض الميزان التجاري يبلغ 79 مليار دولار خلال 2005 أي ضعف رقم العام الماضي. ورغم ذلك فقد تراجع معدل نمو الصادرات الصينية إلى حد ما. وآخر ما تتمنى الدول الغربية أن تسمعه هو أن يزداد خطر الصين على الشرق في الوقت الذي يغضب فيه العمال في الدول الغربية من منافسة العمالة الصينية الرخيصة.
وتحاول الدول المتقدمة طوال الأشهر الماضية جاهدة كبح جماح السلع الصينية التي تجتاح أسواقها بغزارة وفق تقرير لمجلة »الايكونوميست« فقد توصل الاتحاد الأوروبي والصين مؤخراً إلى اتفاق بشأن الصادرات الصينية من الملابس إلى الدول الأوروبية وتكدست الصادرات الصينية في الموانئ بسبب نظام الحصص الذي فرضته أوروبا منذ بداية الصيف، والتجار الذين يخشون خلو متاجرهم من الملابس يطلبون الغوث.
والولايات المتحدة أيضاً، في معركة مع الصين بشأن صادرات الملابس الصينية، وقام وزير الخارجية الأميركي جون سنو بزيارة بكين مؤخراً للتواصل إلى اتفاق في هذا الشأن. والمصانع الأميركية تضغط من أجل فرض حصص على الصادرات الصينية مثلما فعلت الدول الأوروبية. لكن المفاوضين الأميركيين أعلنوا فشلهم في التوصل إلى اتفاق حول هذه القضية الشائكة.
ويحاول الأميركيون أيضاً الضغط على الصين لرفع عملتها، حيث يعتقد بعض السياسيين الأميركيين أن العملة الصينية أقل من قيمتها الحقيقية مقابل الدولار بنحو 40%،
وهذا يجعل السلع الصينية أكثر جاذبية للأميركيين والمستهلكين هناك، الذين يشترونها بكميات كبيرة بسبب انخفاض سعر الفائدة الأميركية ومع انخفاض المدخرات، يقترض الأميركيون لتمويل مشترياتهم، وأفادت إحصاءات بأن ارتفاع شحنات الملابس والأقمشة من الصين رفع الواردات الأميركية إلى 22.4 مليار دولار في أغسطس.
ويستغل سنو زيارته لإقناع الصين برفع قيمة عملتها، ورغم أن الصين رفعت قيمة اليوان في يوليو، وربطته بسلسلة عملات بدلاً من الدولار وحده، فإنه ارتفع أمام الدولار 2%، وهي نسبة لا تسمح بالحد من الصادرات الصينية إلى أميركا.
وقال سنو مؤخراً أن بلاده تريد أن تشجع الصين على التقدم في هذه القضية بشكل أكبر في معرض إشادته بالنظام النقدي الصيني الجديد الأكثر تحرراً.
لكن وزير المالية الصيني جين رن تشينغ رفض مطالب سنو وقال إن استغلال العملة المحلية الصينية لحل المشكلات العالمية، خاصة مشكلات دول معينة أمر مستحيل وغير ضروري.
وأضاف الوزير الأميركي سنو إنه لا يريد أن يهدد الصين بعقوبات تجارية بشأن تلك القضية، وأجلت وزارة الخزانة الأميركية تقريرها نصف السنوي الذي سيتضمن تقييماً للوضع الصيني، وذلك حتى ينتهي سنو من مفاوضاته، لكن كثيراً أعضاء الكونغرس يطالبون باتخاذ إجراءات أعنف،
حيث قال أحدهم للوزير الأميركي إنه يتوقع وصف الصين في تقرير الوزارة بأنها تتلاعب بالعملة وإلا لكانت سمحت بارتفاع قيمة اليوان. واقترح العضو ذاته فرض رسوم بنسبة 27.5% على الواردات من الصين إذا لم ترفع قيمة عملتها، وحظي هذا الاقتراح بتأييد من الكونغرس. ولم يكن للنبرة الحمائية في الكونغرس الأميركي تأثير على الصين المستمرة في المقاومة بشراسة لأي مظهر من مظاهر الانصياع للطلبات الأميركية.
وليست هذه المرة الأولى التي تقاوم فيها الصين، فقد رأى الكثيرون في التسعينات أن قيمة اليوان أكثر من الواقع لكن الصين قاومت الضغوط ولم تخفض قيمته لتجنب تفاقم وضع الأزمة المالية الآسيوية، وفيما تستفيد الصين بعدة طرق من انخفاض قيمة عملتها غير الحقيقي حالياً،
فقد فتحت أسواقها إلى حد كبير أمام دول آسيوية أخرى خلال فترة نمو صادراتها السريع، غير أن قادة الصين قد يكونون بصدد الاستعداد للتغيير في سياسة تحقيق النمو السريع بأي ثمن، التي استمرت عقوداً، فقد اختتم مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني حول السياسة الاقتصادية مؤخراً بالقول إنه سيتم التركيز من الآن على معالجة قضايا عدم المساواة والخلل الاجتماعي الذي أدى إليه إصلاح السوق.
وأكثر ما يسبب القلق للصين هو الانتفاضة الاجتماعية، فقد سجلت الحكومة في العام الماضي أكثر من 70 ألف احتجاج شمل كل منها أكثر من 3 ملايين شخص. وشعرت الحكومة بالضغط، فهي في حاجة إلى نمو قطاع التصدير لاستيعاب العمالة الفائضة من الريف والشركات الصينية التي تسرح العمالة الزائدة.
لكنها تعرف أن النمو السريع في السنوات الماضية سبب صدوعاً تزداد اتساعاً الآن.فإذا استطاعت الصين رأب هذه الصدوع مع تركيز أكبر على الذين فاتهم قطاع الازدهار، فقد يخفف ذلك بعض الضغوط على الحكومة لدعم عمال الصادرات من خلال إدارة سياسة العمالة. وقد يساعد الصين أيضاً في رفع الطلب المحلي الذي يمكنه استيعاب الفائض عندما تتراجع شهية أميركا للسلع الرخيصة لأنه من الحتمي أن تستغل المدخرات المحلية.
ورغم أن التفاصيل لا تزال غير واضحة تماماً لا يبدو من المحتمل أن تحرك الصين نحو نمو اقتصادي أكثر توازناً سيكون سريعاً كما يزيد أو يتوقع المراقبون الأجانب. فهناك بعض الأسباب ستجعل المستثمرين الأجانب يشعرون بالخوف مثل ارتفاع الضرائب.
ولا يزال هو جنتاو رئيس الصين قوة لا يستهان بها ورغم أنه لديه رؤية متطرفة لعدم اعتماد الصين على المستهلك الأميركي، فلابد من الانتظار حتى تصبح أوامر الحزب أكثر حسماً. والأهم من ذلك لابد أن ينتظر التغيير حتى يصبح لدى المستهلك الصيني ثقة في شبكة الأمان الاجتماعي وتوفير رعاية صحية في المتناول وتعليم يصل إليه الجميع بحيث يخفضون مدخراتهم ويرفعون إنفاقهم. لكن أموال المعاشات وغيرها، من أين تأتي؟
رغم أن قوة النمو الاقتصادي الصيني تستطيع أن تدفع كل السفن في آن واحد، هناك عيوب في النظام بسبب بعض جوانب التخلف، وأن الإصلاح الاقتصادي لم يصاحبه إصلاح سياسي. ويخشى المسؤولون أن يؤدي مزيد من التغيرات الاقتصادية إلى اهتزاز استقرار حكم الحزب الشيوعي.
وأكد مؤتمر الحزب على الالتزام بالنمو السريع ورفع إجمالي الناتج المحلي الصيني إلى ضعف ما كان عليه عام 2000 بحلول 2010. وسط حديث عن إزالة فجوة للثروة. وما دامت عجلة النمو الصيني مدفوعة بالصادرات، فلابد أن يعرف الغربيون كيف يتعايشون مع قوة اقتصادية هائلة غير متوقعة.
ترجمة: أشرف رفيق