حتى في اختيارها للفتيات التسع اللواتي كشفن عن الحقيقة الجارحة في مجتمع صاخب، تميزت هالة لطفي المخرجة السينمائية المصرية الشابة في شريطها التسجيلي الجديد «عن الشعور بالبرودة»، بمخيلة مفتوحة ومتحررة.

يروي «عن الشعور بالبرودة» حكاية واقعية عن تسع فتيات مصريات مختلفات في السن والشريحة الاجتماعية، تجاوزن سن الثلاثين ولم يتزوجن بعد. ويقدم الفتيات في لحظة بوح واعتراف عن هاجس الوحدة والخوف يعشنه في نهار، وليل القاهرة العنيف، والمشاكس، والمليء بالتضاريس الصغيرة.

فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للمهرجان القومي للسينما المصرية الأخير. ورغم من جرأة فكرة الفيلم خصوصا في فتح جراح نادرا ما يحكى عنها، يبقى جزءا يسيرا من واقع أليم. حرصت مخرجته هالة لطفي في لفتة رقيقة منها على إهداء عملها هذا إلى روح الزميلة الصحافية أمل رمسيس ابنة المصور السينمائي المعروف رمسيس مرزوق، الذي خطفها الموت في العام الماضي.

يتجاوز الفيلم إطار «العنوسة» ليتحول إلى فيلم عن المرأة المصرية، وما تعانيه في علاقتها بالرجل، بدءا من الطفولة ومرورا بسن المراهقة، وما يتخللها من لتربية خاطئة.

تلخص فيه افتقاد المرأة لمشاعر الحب الحقيقي وحاجتها الماسة للدفء الإنساني أكثر من حاجتها «لعريس الغفلة» أو لظل رجل يحميها. فالمرأة كما قدمتها هالة في فيلمها تحتاج إلى رفيق درب تتكئ عليه يحميها ويحبها. كما ابتعدت المخرجة عن لغة الأرقام أو المعلومات التي تفيد عن عدد النساء غير المتزوجات وأسباب ازديادها في المجتمع المصري.

ولجأت إلى لغة المشاعر، من دون افتعال تقني. واعتمدت ببراعة إلى اللقطات القريبة، والمتوسطة لوجوه، وعيون حائرة، ومنهكة، تبحث عن الأمان بعد أن سئمت تعاسة الحياة التي تعيشها. وصورت عشرات التفاصيل داخل حجرات الفتيات تعكس شخصيتهن، ولحظات الحب المسروقة في الشارع، ولقطات تقطيع الأشجار التي أوحت بالقسوة والبرودة في آن. وكذلك مشهد نوافذ البيوت في الليل، التي تتجول الكاميرا بينها أثناء حديث الفتيات عن أحلامهن.

يبقي أن هالة لطفي عبر هذا الفيلم الذي كتبت له أيضا السيناريو، استطاعت أن تصنع عملا فنيا مختلفا يشكل إضافة راسخة في هذا النوع من السينما التسجيلية.

القاهرة ـ ناهد صلاح: