يشدد الفنان النرويجي هنريك بلكست على أهمية وجود أكاديمية دولية للفنون المعاصرة في رام الله، وهو المشروع الذي تقوم عليه الجمعية الفلسطينية للفن المعاصر، والأكاديمية الوطنية للفنون في أوسلو، وبتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، ليس للفلسطينيين فحسب، بل لجميع الطلاب الراغبين بالدراسة فيها، من جميع أنحاء العالم.

ويصف بلكست الورشة الثانية للفنون المعاصرة، والتي تقام في إطار مشروع الأكاديمية، وتستمر في رام الله حتى 27 أكتوبر الجاري، وتنتقل بعدها إلى غزة، بأنها الحدث الأهم بالنسبة له، هذا العام، «فتبادل الخبرات، والتعاطي بشكل إيجابي مع الفنانين الفلسطينيين، أصحاب التجربة الحياتية والفنية الخاصة، أمر قد لا يتاح للجميع»، مشيراً إلى أنه علاوة على التفاعل وتبادل الخبرات، سيتاح للعديد من الفنانين الفلسطينيين المستفيدين من الورشة، فرصة الدراسة والإقامة الفنية في النرويج، وإنجلترا، وربما فرنسا أيضاً.

ويرى بلكست أن الفلسطينيين، وفي ظل الظروف الخاصة التي يعيشونها، يبدون في أمس الحاجة إلى الفنون، للتعبير عما في دواخلهم من كبت، تراكم عبر السنوات الماضية والقاسية، ولامتلاك لغة عالمية يمكنهم عبرها إيصال رسائلهم إلى العالم، وبشكل راق ومؤثر.

وحول مساهمة هذه الورشة وسابقتها في التأسيس للأكاديمية، يقول الفنان خالد الحوراني، منسق الورشة: في الطريق نحو الأكاديمية كمشروع كبير نطمح لتحقيقه على أرض الواقع، لابد من العمل على ترتيب كافة الأمور، بدءاً من المناهج، وانتهاء بالطلبة المتوقعين، مروراً بأبحاث عدة لقياس جملة من العناصر المهمة لنجاح الأكاديمية.

وهنا تأتي الورشة الثانية للفنون المعاصرة، كما هي الأولى، للتعرف عن قرب على احتياجات الفنان الفلسطيني، وما ينقصه لمواكبة التطور العالمي الحاصل في مجال الفنون، عبر التركيز على ما يملك من قدرات وتنميتها، ومحاولة سد أي نقص أو فراغ قد يعاني منه، ومن خلال حصول عدد من الفنانين المشاركين في الورشة على منح دراسية أو إقامة فنية في دول أوروبية، من بينها النرويج، ما يتيح للبعض تنمية خبراته ومهاراته، وبالتالي يؤهله لتعليم غيره من الطلاب الجدد في الأكاديمية، فهذه الورشة تعمل على تحقيق مقولة «التعلم والتعليم».. هذا جميعه يؤسس لخطوة أخرى باتجاه الأكاديمية الفلسطينية لل��نون.

ويؤكد حوراني على أن تأسيس أكاديمية متخصصة للفنون في فلسطين، وبالتحديد في رام الله، والذي تسعى إليه الجمعية الفلسطينية للفن المعاصر والأكاديمية الوطنية للفنون في أوسلو، ليس بالأمر السهل، ويتطلب عملاً كبيراً، وجهداً دؤوباً..

«نحن ندرك ذلك جيداً، لذا ندعو لتضافر الجهود الفلسطينية، أفراداً ومؤسسات بشقيها الحكومي والأهلي، وهذا ما نسعى إليه، من خلال العمل بموازاة الورش، على التنسيق مع المؤسسات الحكومية المعنية، كوزارتي الثقافة والتعليم العالي، والمؤسسات الثقافية الفلسطينية والعاملة في الأراضي الفلسطينية، ونلمس حماسة من الجميع، تمدنا بشيء من التفاؤل، والعزيمة».

* واقع تعليم الفنون

وفي رد على سؤال حول ما تقدمه الأكاديمية لتضيف على أقسام الفنون الجميلة في الجامعات الفلسطينية، وهي قليلة، يقول الحوراني: في العام الماضي نظمنا حلقة دراسية حول «التعليم العالي في الفنون في فلسطين»، وضمت رؤساء أقسام الفنون في الجامعات، ومعلمين، وفنانين تشكيليين فلسطينيين.

إضافة إلى ممثلين عن الجهات النرويجية، وخرجنا بنتيجة مفادها أن هذه الأقسام تعاني من نقص حقيقي في الموارد، وفي الكادر التعليمي، كما لمسنا أن جزءاً كبيراً من خريجي هذه الأقسام لا يملكون أية خلفيات نظرية، وحتى الأساسية منها، فلا تقنيات فنية، ولا معرفة بتاريخ الفنون، وبالتالي بتنا على قناعة بأننا في حاجة إلى مثل هذه الأكاديمية.

ويستطرد الحوراني قائلاً: لكن هذه الأكاديمية ليست منافساً أو بديلاً لأحد، وفكرتها لا تقوم على أي خلل هنا أو هناك، بل بالدرجة الأولى لإتاحة الفرصة أمام كل شخص يمتلك الرغبة والقدرة على تعلم الفن، مشيراً إلى أن الكثير من المعايير المعتمدة لهذه الأكاديمية، التي نسعى لافتتاحها في العام الدراسي 2006/2007، بستة طلاب في السنة الأولى، لا تزال قيد الدراسة والمشاورات مع الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة والاختصاص، بحيث يلتحق بالأكاديمية في الأعوام التالية للسنة الأولى، دفعات أخرى، لحين تحقيق نفسنا على أرض الواقع، خلال ثلاث إلى أربع سنوات.

ويؤكد الحوراني: نحن لسنا في قطيعة مع أحد، ويهمنا التنسيق والدعم من قبل الوزارات والمؤسسات الحكومية، ومن قبل مؤسسات المجتمع المدني، وجميع الجامعات والكليات الفلسطينية، وخاصة التي تضم أقساماً للفنون الجميلة.

ويؤكد الحوراني أن الأكاديمية ستأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات والثقافة المحلية عند تصميم مناهجها وبرامجها المختلفة، مع عدم تجاهل القواسم المشتركة في معظم أكاديميات الفنون في العالم، بحيث يخصص لذلك ورشات ولقاءات عدة مع فنانين وأكاديميين ومتخصصين فلسطينيين وعرب وأجانب.

* مختلفة وشاملة

وتختلف الأكاديمية المفترض البدء في نشاطاتها العام المقبل، عن أقسام الفنون العاملة في الجامعات، بجملة من الأمور، تفصلها ميسون شرقاوي، منسقة مشروع الأكاديمية، بقولها: هناك توجهات لاعتماد معايير مختلفة عن تلك المعتمدة في الجامعات، فالحس الفني، والموهبة، وامتلاك التقنيات الفنية ستكون الأساس، مع عدم إغفال امتلاكه لحد معين من التحصيل الأكاديمي..

وتضيف شرقاوي: نطمح لمنح شهادة بكالوريوس كاملة، وهذا ما يجري التنسيق له مع وزارة التربية والتعليم العالي، فالشهادات الممنوحة من الجامعات الفلسطينية ليست بكالوريوس كاملاً، بل تؤهل حملتها لتدريس الفنون فقط.وتتابع شرقاوي: الكلية ستكون مفتوحة للطلاب من جميع أنحاء العالم.

كما أن الكادر التعليمي سيتكون من متخصصين من جميع أنحاء العالم، مع التركيز على المختصين الفلسطينيين.والمهم، في رأي شرقاوي، أن عمل الأكاديمية لن يقتصر على تدريس الفنون البصرية (الفنون التشكيلية والفيديو آرت)، بل سيتم توسيعها لتدريس النقد، والموسيقى، والمسرح، والسينما.. وتقول: سيكون ذلك بالتدريج، فالمشروع قد يكون أكبر من أن يتحقق دفعة واحدة، وهذا ليس غريباً، فمعظم أكاديميات الفنون العريقة في العالم بدأت من غرف صغيرة، وأحياناً بعيدة عن بعضها البعض، وبعدد طلاب قليل للغاية.

وحول الورشة الثانية للفنون المعاصرة، التي انطلقت فعالياتها، أمس، ترى شرقاوي أن أهم ما يميزها، علاوة على التفاعل الكبير الذي طفا على السطح منذ اليوم الأول، هو أنها تنطلق وفقاً لمفاهيم جديدة ومعاصرة في الفنون، فالفن التشكيلي ليس لوحة فحسب، بل هو جملة من العوامل الإنسانية، والاجتماعية، والثقافية، والنفسية، وحتى السياسية، تتجسد في أعمال بصرية إبداعية، ليست بالضرورة محددة كما هو حال اللوحة التقليدية.

رام الله ـ يوسف الشايب: