احتفظ المخرج السوري حاتم علي بخطه الدرامي الذي سار عليه لسنوات عدة من خلال تقديم عملين تلفزيونيين اجتماعي وتاريخي في كل موسم رمضاني. ومجددا يتفوق في الموسم الحالي المسلسل الاجتماعي «عصي الدمع» جماهيريا، على الجزء الثالث من مشروع السلسلة الأندلسية «ملوك الطوائف».

ويأتي مسلسل «عصي الدمع» حاملا العديد من القضايا والموضوعات التي تلمس المجتمع السوري، والقصص التي تناقش وضع الطبقة الوسطى وهي فئة باتت قريبة جداً من خط الفقر ونائية عن مستوى الطبقات المخملية.

وهنا تكمن أهمية القصص التي صاغتها الكاتبة دلع الرحبي (زوجة المخرج)، من أنها تمثل الأغلبية الساحقة من عداد الشعب السوري. وزاد في عمقها ورسوخها تلك الواقعية في الطرح والجرأة في المعالجة الدرامية وتسمية الأمور بمسمياتها، ويزيد ذلك نضجا، أسلوب إخراجي مبتكر يعتمد جمالية الصورة التي تؤمن راحة عين المشاهد من دون تعقيدات.

قصص «عصي الدمع» تناولت نماذج لأسر مختلفة تعيش مشكلات راهنة وتتأثر بموجة الإعلام وانتشار الفضائيات وتحيا صراعاً دائما بين الواقع والخيال، منها أسرة مؤلفة من أب وأم وثلاث فتيات تعاني أوسطهن من عقدة العنوسة، وبسبب وزنها الزائد لا تجد من يطرق بابها للزواج فتبحث عن عريس المستقبل في المجلات التي تنشر إعلانات من هذا القبيل، لكنها لا تجد إلى ذلك سبيلا.

أسرة أخرى تتألف من شقيقتين عانسين تعملان في حرفة الخياطة، وشقيقهما الذي تزوج فتاة أرغمها على العيش في منزل العائلة مع الشقيقتين، وهنا يبدأ التناحر بين الطرفين ويقع الأخ بين نارين، إرضاء الأختين أم الإبقاء على الزوجة.

ويلعب بطل المسلسل (جمال سليمان) شخصية مهندس عتيق ومتمرس يعشق الموسيقى الكلاسيكية، ويملك ثروة مادية كبيرة انفصل عن زوجته، فتحمل ابنه المراهق جريرة هذا الانفصال وانعكس عليه سلبا، ويرتبط المهندس (رياض) بعلاقة حب مع محامية أخرى تحمل الاسم ذاته، وتلعب دورها سلاف فواخرجي، وهي بدورها تعاني مشكلة زواج أمها بعد وفاة والدها وعيشها في مكان بعيد عنها.

تطرح كاتبة العمل أيضا نماذج متدينة كثيرة أغلبها من النساء، بعضهن متعصبات والبعض الآخر متطرفات، فتلعب ثناء دبسي دور واعظة دينية تجمع حولها نساء محجبات لتعطيهم دروسا في الدين والأخلاق، لكن هذه الواعظة تصطدم بأفكار ابنها القاضي (حاتم علي) الذي ينوي الزواج بفتاة غير محجبة وينشئ بينهما جدل حول ضرورة الحجاب.

ومن الدارسات لعلوم الدين عند تلك الواعظة (صباح جزائري) التي تعمل طبيبة وهمها الحفاظ على ابنها المراهق من الضياع، بعد أن اكتشفت أمر زواج زوجها سرا بامرأة أخرى.

ولا تغفل الرحبي التي تعمل في سلك المحاماة من توضيح الكثير من المتناقضات التي تطال هذه المهنة والشكوك التي تحيط بعمل القضاة، بل إنها تتهمهم صراحة في احد المشاهد بالفساد وقبول الرشوة، ويلعب خالد تاجا دورا صغيرا يحمل دلالة كبيرة فيظهر بشخصية مختل عقلي يجوب ردهات «قصر العدل»، وهو المكان المخصص للمحاكمات والمرافعات القضائية، ويسأل هذا (المجنون) كل من يصادفه بشكل دائم عن اسم المكان، وما إن يسمع بكلمة «العدل» حتى يصاب بنوبة ضحك لا تنتهي.

ورغم كل الأفكار التي تبثها المؤلفة وزوجها المخرج أثناء الحوار، والتي قد يختلف عليها الكثيرون، إلا أن مسلسل «عصي الدمع» استطاع أن ينفي عن شخصياته صفة المثالية، فهو يقدمهم نماذج إنسانية حقيقية يعتمل في نفوسها الخير والشر، فيما لو استثنينا الدور الذي تلعبه منى واصف جدة المحامية رياض (سلاف فواخرجي) والمتحدرة من أصول تركية والمغرمة بأغنيات أم كلثوم والتي تعيش لإرضاء مزاجها وتخفيف هموم الآخرين.

وربما كان أجمل ما في المسلسل هو اسمه المأخوذ عن قصيدة أبو فراس الحمداني «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»، وهي كناية عما تتحمله تلك الطبقات المسحوقة من فقر وفاقة وشظف عيش، إلا أنها تحصر حزنها في نفوسها، وتبقي دموعها في مآقيها، وتتغلب بالصبر على نوائب الدهر، وهذه حقيقة لا تقبل التأويل.

نائل العالم