يبدو أن الحوار حول قضايا الطاقة بين موسكو وواشنطن قد تحرك بعيدا عن الأهداف الأصلية التي كانت موضوعة له، بحيث صار هذا المجال ليس بمثابة »الجزرة« التي تقدمها الولايات المتحدة لدفع روسيا على مواصلة عملية الإصلاحات والتغييرات، أو لحفزها على اتخاذ الإجراءات التي تكفل تقليل مخاطر مخزونها من الوقود النووي، وأصبح لهذا الحوار أبعادا تجارية واقتصادية إلى جانب أبعاده العسكرية.

ولكن يبدو أن هذا التغير لا يلبي بالكامل تطلعات الجانب الروسي الذي يرغب في إعطاء ثقل أكبر للنواحي التجارية، بحيث يشكل الحوار وسيله تكفل له جذب المزيد من الاستثمارات الأميركية إلى قطاع الطاقة الروسي.

وتنظر روسيا إلى حوار الطاقة بينها وبين الولايات المتحدة على أنه مؤشر يعبر عن صدق توجهها نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، وعلى انه مجال يعكس مدى قدرة الدولتين في العثور على نقطة توازن بين مصالحهما المتنوعة على الأصعدة الإقليمية والعالمية. خاصة فيما يتعلق بإرساء أمن عالمي للطاقة يرتكز على الشفافية والقدرة على التنبؤ.

*أوراق روسيا التفاوضية

وترى روسيا أن امتلاكها موارد غنية من الغاز الطبيعي والنفط من شأنه أن يعزز من قدرتها على تحريك بوصله الحوار من النواحي العسكرية إلى النواحي التجارية، لاسيما في ضوء حقيقية تراجع معدلات إنتاج النفط والغاز الطبيعي في الولايات المتحدة.

وهو الأمر الذي يقوي اعتمادها على الخارج في تلبية احتياجاتها المحلية، حيث تشير التقديرات إنه منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي، يوجد نمو متواصل في الكلفة الإجمالية لاستهلاك الطاقة في الولايات المتحدة والتي وصل معدلها السنوي في الوقت الراهن إلى 700 مليار دولار، حيث تستحوذ المنتجات البترولية على 40% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة،فيما يستحوذ الغاز الطبيعي على نسبة مقدارها 24%.

ويقابل هذا النمو المتواصل في معدلات الاستهلاك الأميركي، تراجعا في معدلات الإنتاج والاحتياط، وهو من شأنه أن أدى إلى تزايد اعتماد الولايات المتحدة على وارداتها من الخارج والتي أصبحت تغطي 60 % من احتياجات استهلاكها المحلي، وتوازي قيمة وارداتها من النفط والغاز في عام 2004 حوالي ثلث عجز الموازنة الأميركية، وتمثل % من عجز ميزان تجارتها الخارجي.

وتقدر روسيا أن إعطاء المزيد من الثقل للإبعاد التجارية لحوار الطاقة بينها وبين واشنطن، من شأنه أن يزيد حصتها في كعكة الاستهلاك الأميركي، والتي تعتبرها حصة متدنية، فمع مطلع عام 2005، ومع الأخذ في الحسبان المشتقات النفطية، استحوذت روسيا على أقل من 3% من الواردات النفطية الأميركية، مقابل 18% لكندا، و 13.8% للمملكة السعودية، و4% للعراق.

ووفقا لتقييمات الخبراء الأميركيين، فأن الاحتياطات الروسية المتبقية من النفط تصل نسبتها إلى ما يتراوح بين 10 إلى 12% من الاحتياطات العالمية،وتقفز احتياطات الغاز الطبيعي الروسي إلى 35% من إجمالي احتياطات الغاز على مستوى العالم، وبهذا يمكن لروسيا أن تغطي 15% من الوردات الأميركية.

لا سيما وأن واشنطن تبدي اهتماما خاصا بالحقول الموجودة في سخالين والتي يمكن أن تلبي احتياجات الولايات الأميركية الواقعة على الساحل الغربي من المحيط الباسيفيكي، إلى جانب اهتمام الولايات المتحدة بإمكانيات النفط والغاز الموجودة في شرق سيبيريا والجزء الشرقي من القارة القطبية الشمالية المطل على بحر بارنتس وكارا وبشورسيك.

وتراهن روسيا على أن جهودها النشطة في مجال التنقيب عن مواردها الضخمة من الطاقة، سيتيح لها أن تلعب دورا مؤثرا في سياسات الطاقة العالمية، حيث إن مستوى أمن الطاقة في أوروبا وبمعزل عن الجزء الروسي يعتمد بشكل خاص على استمرار إمدادات موارد الطاقة الروسية، وذلك على الرغم من أن الدور الروسي المتنامي في العلاقات الدولية يثير معارضة صريحة وعلنية من قبل بعض الشخصيات في النخبة الاقتصادية والسياسية في الدول الغربية.

وهو ما أتضح في الحملة الإعلامية التي واكبت لقاء الرئيسين الروسي والأميركي خلال شهر فبراير من العام الحالي، حيث حاولت بعض الدوائر حينذاك ممارسة الضغوط على المواقف الروسية من خلال التهديد بتأزم العلاقات الروسية الأميركية،

ولكن روسيا تراهن على أن الرئيس بوش ومستشاريه سيفضلون نهجا أكثر عملية ومنطقية لتطوير الشراكة الاقتصادية مع روسيا وعلى أية حال، و ذلك في ظل تنامي العجز في موارد الطاقة لدى الولايات المتحدة واستحالة السيطرة على أسعار موارد الطاقة.

* مراحل الحوار

وقد مر التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة عبر مرحلتين : الأولي وتمتد خلال الفترة من عام 1991 حتى عام 2001، وخلال هذه الفترة، لم تكن الطاقة تشكل عنصرا مهماً في العلاقات التجارية والاقتصادية الروسية الأميركية.

فبمعزل عن حقيقة التكلفة الباهظة للنقل، لم تكن هناك تجارة بين البلدين في موارد الطاقة، باستثناء بعض الإمدادات الصغيرة وغبر المنتظمة من النفط والغاز الطبيعي الروسيين.

وفي عقد التسعينات، عالجت لجنة المشاركة الروسية الأميركية والتي تم تأسيسها في عهد الرئيس السابق آل جور قضايا إمدادات الطاقة من خلال لجنة خاصة بسياسات الطاقة، وواكب انطلاق بدأ المرحلة الثانية من التعاون الروسي الأميركي والتي تمتد حتى الوقت الحالي، مبادرات روسية لتعزيز إنتاجها من الغاز الطبيعي والنفط، بهدف تهدئة الأسعار في أسواق الطاقة، إلى جانب تنسيق الاستفادة من القدرات الروسية في مجال معالجة الوفود النووي.

وقد عرض الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين هذه المقترحات على طاولة المناقشات خلال اجتماعه الأول مع الرئيس الأميركي جورج بوش في يونيو 2001، ومن حينها، صارت قضايا الطاقة من بين الموضوعات الرئيسية للقاءات القمة الروسية الأميركية.

* مولد التعاون الاستراتيجي

ولقد شهدت العلاقات بين البلدين قفزة نوعية في مايو 2002 بصدور إعلان يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، فضلا عن إطلاق البلدين حوارا حول الطاقة والذي استحوذ على اهتمام وأولويات البلدين، ونتيجة لذلك، تم تشكيل مجموعة عمل روسية أميركية على مستوى الخبراء إلى جانب منتدى للطاقة على مستوى أصحاب الأعمال في البلدين، اختصت المؤسستين بتطوير كافة أبعاد ومجالات التعاون الثنائي، بما ينسجم مع أهداف سياسات الطاقة في البلدين.

وتأكدت إرادة البلدين في مواصلة نهج هذا المسار خلال المفاوضات بين الرئيسين بوش وبوتين التي عقدت في مدينة سانت بطرسبرج في يونيو 2003، حيث وافق البلدان على إقامة مناخ استثماري أكثر مؤاتية في روسيا، علاوة على تعهد الولايات المتحدة بتعديل قانون جاكسون ـ فانيك والذي تم تبنيه إبان الحرب الباردة.

وتعتبر روسيا هذا القانون بمثابة عائق يعرقل التطور الطبيعي للعلاقات التجارية والاقتصادية الروسية الأميركية ويقيد فرص الإمدادات الطويلة الأجل لإمدادات الطاقة الروسية إلى السوق الأميركي.

وفي سبتمبر 2003، وقع وزيرا الطاقة الروسي والأميركي على بروتوكول للتعاون في مجال الوقاية من التسريبات النفطية، وبموجب البروتوكول، صار بإمكان روسيا الاستفادة من الخبرة الأميركية في مجال تأمين منشآت تخزين الطاقة وخطوط الأنابيب، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تحديث بنية النقل الروسية المتقادمة.

وفي وقت سابق، وعلى وجه التحديد في مارس 2003، وقع البلدان على اتفاقية لتقليل خطر أسلحة الدمار الشامل، ونص الاتفاق على وقف إنتاج البلاتينيوم، من خلال إغلاق ثلاثة مفاعلات، تحت رعاية البرنامج الروسي الأميركي لإزالة البلاتينيوم المخصص لإنتاج الأسلحة النووية.

* مشاركات بين الشركات

وعلى مستوى الشركات، تم توقيع اتفاق ائتماني بين »لاك أويل« ووكالة الاستثمار الأميركية لما وراء البحار، وبموجبه، قدمت المؤسسة قرضاً قيمته 225 مليون دولار لمدة 12 عاماً لإقامة منصة ميناء في خليج الفنلندي، ومن جانب آخر وقعت الشركة الروسية »إسترويترانجاز« على اتفاقية لتبادل الخبراء والتعاون في إقامة خطوط أنابيب على الأراضي الأميركية، مع شركة أميركية رئيسية تعمل في مجال خدمات الطاقة، ووقعت الشركة الروسية نفسها على مشروع مشترك مع شركة »فوديشين سيسنيمز« لإقامة خط أنابيب غاز من شرق سيبيريا إلى كوريا الجنوبية بتكلفة تتراوح بين 400 و500 مليون دولار.

وفي التوقيت نفسه، وفي عام 2000، اشترت شركة لاك أويل الشركة الأميركية »جيتي بيترولييم« الأميركية والتي تمتلك شبكة محطات توزيع البنزين تضم نحو 1300 محطة، ووسعت الشركة الروسية أعمالها في الولايات المتحدة، وقامت بشراء نحو 800 محطة بنزين أخري في ولاتي نيوجرسي وبانسيليفنيا من شركة »كونوكو فيليبس« بقيمة تبلغ 375 مليون دولار، وبهذا تمكنت الشركة العملاقة الروسية من الاستحواذ على 8% من سوق المشتقات النفطية في ولايات الساحل الشرقي الأميركية.

وبعزل عن هذا،استأجرت شركة »لاك أويل « منصة بحرية ضخمة بالقرب من نيويورك، لكي تستورد نت خلالها المشتقات النفطية الواردة من ميناء فيسوتيسك الروسي وميناء بيرجاس البلغاري والمعروف على نطاق واسع بأنه يضم منشآت المعالجة الضخمة لشركة »لاك أويل«، ومن جانبها قامت شركة »كونوكو فيليبس« بشراء 7.6% من أسهم شركة »لاك أويل« بقيمة 1.9 مليار دولار.

ويبدو أن حوار الطاقة بين البلدين قد تحرك صوب المجالات التجارية، فالبيان الصادر عن لقاء القمة الروسية الأميركية في براتيسلاف لم يؤكد فحسب على الاتجاهات الحالية لتطوير العلاقات الثنائية تعزيز أمن الطاقة وتنويع الإمدادات الطاقة وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار وإزالة العقبات أمام المشاركات الخاصة في مجال الطاقة وتطوير الموارد في مجال الطاقة بأسلوب آمن.

ولكن أكد على خمس أولويات أخري وتشمل تكثيف وتطوير حوار الطاقة ومد أنظمة خطوط الأنابيب الروسية لزيادة الصادرات الروسية من النفط والغاز إلى الولايات المتحدة، وزيادة الاستثمارات الأميركية في مجال إنتاج الغاز الطبيعي في روسيا، وتوحيد القواعد الإدارية والضريبية والقانونية المتعلقة بعمل الشركات الخاصة في البلدين، والبدء في تنفيذ مشروعات مشتركة ملموسة خلال فترة لا تتجاوز عام 2008.

بيد أن اهتمام الدولتين المتنامي بالأبعاد التجارية، قد واكبه استمرار الاهتمام بالجوانب العسكرية، خصوصاً فيما يتعلق بإقرار البلدين بالأهمية المتنامية لقضايا المخاطر المرتبطة بالطاقة النووية، حيث اتفقتا على تأسيس مجموعة عمل تختص بالقضايا الخاصة بأمن الطاقة النووية.

ويترأس المجموعة كل من صومائيل بودمان وزير الطاقة الأميركي ونظيره الروسي آلكسندر ريميانتيسيف، أكثر من ذلك، قطع الرئيسان بوتين وبوش على أنفسهما التزاماً بتنفيذ سلسلة من المشروعات المشتركة في مجال الطاقة، وزيادة إمدادات الطاقة الروسي إلى الولايات المتحدة.

وتدرك روسيا في تقييمها لأفق الحوار أن الهدف الأميركي الأصلي يتعلق بتخفيض المخاطر النووية والعسكرية، فيما ينصب هدفها على تطوير قطاع الطاقة الروسي الذي يحتاج إلى المزيد من التمويل.

ووفقا للمحللين الروس على غرار آندري كورنيف رئيس قطاع بحوث الطاقة في الأكاديمية الروسية للعلوم، يحتاج قطاع الطاقة الروسي إلى 700 مليار دولار بحلول عام 2020، منها 200 مليار دولار لتحديث منشآت الطاقة فيما توجه الأموال المتبقية لتنفيذ مشروعات الطاقة، وهو ما يفرض على روسيا تبني نهجاً من شأنه أن يسهم في خلق مناخ مواتي لجذب الاستثمارات الخارجية والذي لن يسهم في جذب الشركات الأجنبية فحسب.

وإنما كذلك في الحد من نزوح رأسمال الروسي إلى الخارج، وعلى أية حال، فإن تطوير العلاقات الروسية الأميركية في مجال الطاقة يحقق مصالح حيوية للبلدين ومن أهمها أن تسلك روسيا والولايات المتحدة نهج الشركاء وليس المتنافسين.