قال تقرير اقتصادي حديث لبنك دبي الوطني إن أسعار النفط العالمية معرضة لارتفاع دراماتيكي على المديين الطويل والمتوسط، ما لم تتغير العوامل الاقتصادية والأحداث السياسية التي ظلت تلعب دوراً في تغيير أسعار النفط، وأضاف التقرير إن أحد أهم الأسئلة التي تواجه المحللين في العالم هو: إلى أي مدى يمكن لأسعار النفط أن ترتفع؟
وهناك سؤال آخر يتعلق بالمسألة نفسها هو: ما هو النطاق الجديد للحدود العليا والدنيا التي يتوقع أن تستقر عندها أسعار النفط على المديين المتوسط والطويل والممكن تقبلها لضمان استقرار الاقتصاد العالمي؟
لا شك أن العوامل الاقتصادية والأحداث السياسية تلعب دوراً مهماً في تغيير أسعار النفط الخام، وعلى الرغم من أن العوامل الاقتصادية هي صاحبة الباع الأطول في تحديد اتجاهات أسعار النفط على المدى الطويل إلا أن الأحداث السياسية ما تزال هي السبب الرئيسي لتقلبات الأسعار على المدى القصير،
وبالتالي فإن الاعتماد على العوامل الاقتصادية وحدها بدون محاولة فهم تعقيدات الأحداث السياسية لا يكفي للتنبؤ باتجاهات أسعار النفط أو تفسيرها على كل من المديين القصير والطويل، يضاف إلى ذلك دور الكوارث الطبيعية (كإعصار كاترينا الأخير)
حينها تصبح الصورة أصعب من أن يمكن تصورها في الأجل القصير. إن الطرح التالي هو محاولة لإلقاء الضوء على القوى المحركة لتغيرات أسواق النفط والعوامل التي تقود أسعار النفط على المدى الطويل، واتجاهات أسعار النفط المتوقعة مستقبلاً.
القوى المحركة لأسعار النفط لو قيل لنا في نهاية عام 2001 إن سعر برميل النفط الخام قد يتضاعف ثلاث مرات خلال أربعة أعوام فلربما توقعنا انهياراً للاقتصاد العالمي، إلا أنه رغم ارتفاع متوسط سعر النفط من 19 دولاراً للبرميل في ديسمبر 2001 إلى 32 دولاراً للبرميل مع نهاية عام 2003 صاعداً إلى سعر 53 دولاراً في أكتوبر 2004 ليصل إلى 59 دولاراً في يوليو 2005،
ليتجاوز الحاجز النفسي بعد ذلك إلى سعر 70 دولاراً في أغسطس 2005، ومع ذلك يبدو الاقتصاد العالمي قادراً على تخطي عقبة ارتفاع أسعار النفط، فإجمالي الناتج المحلي العالمي نما بمعدل يفوق المتوقع بكثير، وفي الوقت نفسه ظل مستوى التضخم منخفضاً، وعلى خلاف هزات النفط السابقة فإن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط جاءت نتاجاً لقوى محركة داخل السوق بدلاً من كونها مفروضة بواسطة تدخلات خارجية.
ارتفاع تدريجي وليس مفاجئاً على الرغم من أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط كان مساوياً في الحجم لما كان عليه الحال في المرات السابقة، إلا أنه حدث بشكل تدريجي، فسعر النفط في عام 1979 تضاعف خلال ستة أشهر إلا أن الارتفاع الأخير حدث على مدى 18 شهراً.
وهذا التغير التدريجي أعطى الأسر والمؤسسات وقتاً كافياً لتعديل أوضاعهم المالية بشكل يخفف من الضرر الواقع على ثقتهم أو على مستوى نشاطهم الاقتصادي. ومع ذلك فإن تكلفته تزيد على 3 دولارات لغالون البنزين يمكن أن تؤثر على ميزانيات رب البيت وصاحب العمل إذا استمر الحال على هذا المستوى لفترة طويلة.
ما زال دون المستوى التاريخي لا يعتبر المستوى الحالي لأسعار النفط بالقيمة الحقيقية باهظا من الناحية التاريخية فالسعر الحقيقي »باستخدام مؤشر تضخم المستهلك« يقترب من السعر الحقيقي الحالي لبرميل النفط وهو 60 دولاراً للبرميل وهذا السعر أقل بكثير من السعر الحقيقي للنفط في عام 1980 »95 دولاراً تقريبا
« وعلى أي حال فإن المستوى الحقيقي هذا يعتبر أعلى من مستويات الذروة التاريخية التي أدت إلى ركود في عامي 1974 و 1995 بالإضافة إلى ذلك فإن استخدام مؤشر سعر المنتج كمخفض للأسعار يجعل أسعار النفط الحقيقية حالياً قريبة من الحد الأعلى للأسعار في عام 1980.
اقتصاد عالمي أكثر كفاءة في استهلاك الوقود تعمل الاقتصادات الحديثة في هذه الأيام للتوصل إلى تقنيات تحقق استخداما أمثل للوقود. وتستفيد من العقول المبدعة والرقاقات الإلكترونية أكثر من اعتمادها على النفط.
لقد أصبحت الاقتصاديات المتقدمة تستغل نصف كمية النفط مقابل كل دولار حقيقي تنتجه من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بما كان عليه الحال في منتصف السبعينات، وهذا يعني أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط ستكون له تأثيرات أقل على النشاط الاقتصادي عن تلك التي حدثت بين منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات.
مع هذا فبينما خفضت الاقتصادات المتقدمة من مساهمة النفط في إجمالي ناتجها المحلي، إلا ان العديد من الاقتصادات الصناعية الحديثة والناشئة لاتزال من كبار الطالبين للطاقة. ان بعض الاقتصادات الأسيوية »مثل الهند وكوريا الجنوبية باتت اليوم تستهلك نفطا أكثر مقابل كل دولار تنتجه من إجمالي الناتج المحلي عما كانت تستهلكه في السبعينات«.
بالإضافة لذلك، ومع إن الولايات المتحدة تستهلك نفطاً أقل بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي عما كانت تستهلكه قبل 30 عاما، إلا أن صافي وارداتها من النفط مازال في نفس مستوى نسبة انتاجها 2%. ارتفاع مدفوع بقوى الطلب وليس ناشئا عن عوامل العرض على النقيض من أسعار الذروة السابقة التي تسبب فيها النقص في المعروض، يبدو أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط جاء نتيجة لارتفاع الطلب العالمي من أميركا الشمالية وآسيا.
لقد نما الطلب العالمي على النفط بنسبة 3.3% في عام 2004 »2.7 مليون برميل يوميا« مما يعتبر أعلى معدل للنمو منذ 1976. وبينما ظل الطلب في كل من الولايات المتحدة والكتلة الغربية قويا.
الا ان الطلب في الاقتصادات الآسيوية الناشئة كان ينمو أسرع بنحو ثلاثة أضعاف منذ خريف 2003. وعلى وجه التحديد كان الطلب الصيني على النفط يتنامى بشكل متسارع وأصبحت معدلات نموه تفوق معدلات النمو الحقيقي في إجمالي الناتج المحلي. ان هذا النمو في الطلب لم يكن متوقعا. حيث انه عادة ما يكون الطلب على النفط مختلفاً في ارتفاعه عن واقع النمو في الناتج.
انخفاض الطاقة الاحتياطية للإنتاج مع نهاية عام 2003 كان هناك ما يقرب من مليوني برميل يوميا كاحتياطي عالمي من الطاقة الإنتاجية للنفط الخام والتي تعتبر في الأساس أقل مما كانت عليه منذ 1991.
وعلى الرغم من زيادة إنتاج أوبك فإن الطلب القوي المتنامي في عام 2004 مقرونا بتفاوت العرض أدى إلى انخفاض إضافي في الطاقة الاحتياطية. ان الطاقة الاحتياطية الحالية والمنخفضة يعود منشؤها إلى تراجع الاستثمارات النفطية خلال التسعينات
حينما كانت أسعار النفط أقل من أن تكفي للاستثمار أو التوسع في الحقول والاستكشافات النفطية وحتى عهد قريب كانت العديد من الدول والشركات تستخدم المدى السعري 18 ــ 20 دولاراً للبرميل في تقييم قراراتها الاستثمارية.
أسعار النفط المستقبلية ان أي توقعات جادة لأسعار النفط يجب ان تتأثر إلى حد كبير بالافتراضات الموضوعة عن النمو الاقتصادية، والارتفاع في الكفاءة، ومدى استخدام مصادر الوقود البديلة والاستكشافات النفطية الجديدة، ومع هذه الصعوبات الافتراضية الا انه يمكن الحصول على تقديرات أولية مستقاة من ديناميكية تفاعل قوى العرض والطلب في أسواق النفط العالمية.
دبي ــ البيان