هناك مقولة شهيرة بأن أميركا إذا أصيبت بالزكام يعطس بقية العالم، لكن هذا الوضع تغير الآن، حيث ان البورصات العالمية تعافت بدرجة أسرع كثيراً من البورصة الأميركية التي تراجع أداؤها خلال العام الجاري مقارنة بنظيرتها في أوروبا واليابان وحتى الأسواق الصاعدة.
وخلال الفترة القليلة الماضية التي شهدت انتعاشاً في بورصات العالم انخفضت أسعار الأسهم الأميركية بسبب مخاوف من ارتفاع التضخم وإفلاس شركة دلفي، أكبر الشركات الأميركية والعالمية لمكونات السيارات.
وقال تقرير لمجلة الايكونوميست ان مؤشر بورصة بريطانيا )شس( الذي يضم مائة شركة سجل أعلى ارتفاع قياسي له خلال الشهر الجاري، وفي الوقت الذي سجل مؤشر نيكاي الياباني أعلى ارتفاع له في شهر سبتمبر الماضي.
ولم تعد أمراض البورصة الأميركية تصيب بورصات العالم بالعدوى. وقد أعلنت بورصة شيكاغو للسلع أنها وقعت عقداً لتسجيل الأسهم الآسيوية الممتازة، لكن الأسهم الأميركية في الوقت نفسه تنخفض.
وكان معدل نمو عائدات الأوراق المالية الأميركية خلال العام الجاري (بما في ذلك انخفاض الأسعار والعوائد) سلبياً كما يتضح من الرسم البياني، مقارنة بدول أخرى في أوروبا ارتفع المؤشر بنسبة 6%.
وارتفع نفس المؤشر في الأسواق الصاعدة بنسبة 21% حتى الآن وهي الأسواق التي تجذب الاستثمارات حالياً، وسجلت البرازيل مثلاً وهي من الأسواق الصاعدة ارتفاعاً بنسبة 47% وسجلت بورصات أخرى مثل البعض في الشرق الأوسط حتى نسب نمو أعلى من ذلك، بعد التحويل إلى الدولار، والاختلاف حسب العملات المحلية ليس له تأثير كبير في هذه الحالة.
ويبدو هذا الوضع غريباً، في ظل أن الاقتصاد الأميركي هو أعجوبة العالم الغربي، ويثير حسد الدول الأوروبية بمرونته أمام ارتفاع أسعار البترول والتحكم في معدلات التضخم بأسعار الفائدة بطريقة مثالية تقريباً، ولم تظهر آثار ارتفاع أسعار البترول على المستهلك الأميركي إلا مؤخراً، وغالبية الشركات تحافظ على نمو أرباحها.
لكن تفسيرات ضعف أداء البورصة الأميركية مقارنة ببقية بورصات العالم تتراوح بين أسباب تقنية ونفسية يقول البعض إن الأسهم الأميركية كانت أغلى سعراً من الأسهم في أماكن أخرى عند بداية العام.
ولا يزال هناك فارق في الأسعار حتى الآن، رغم أنه قد يكون أقل حالياً، وقيمة أسهم البورصة دائماً متغيرة، لكن غالبية المؤشرات توضح الاتجاهات نفسها تقريباً.
وهناك عامل سلبي آخر هو ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض مؤشر العائدات، وكلاهما عناصر سلبية بالنسبة للبورصة، فقد رفع البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة قصيرة الأجل بمقدار 275 نقطة (75. 2%) منذ يونيو 2004، وانخفض الفارق بين سنوات الاستحقاق بعد عشر سنوات.
واستحقاق بعد عامين من 196 نقطة إلى 20 نقطة وفي الوقت الذي تكون فيه العائدات طويلة المدى في أميركا أقل مما كانت عليه عندما بدأ الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، فهي لا تزال اعلى من أي بلد متقدم (باستثناء استراليا) وتبدو الأسهم ارخص من السندات على المستوى العالمي عندما تكون العائدات على كل منهما محل مقارنة لكنها تبدو غير ذلك في أميركا مقارنة بأماكن أخرى.
* الأساسيات
ثم هناك الأساسيات الاقتصادية ولكل دولة كبوة، فقد أعادت الشركات الألمانية هيكلة نفسها وخفضت التكاليف وساعدها في ذلك العملة الرخيصة في وسط أوروبا. وتمتطي الشركات الألمانية موجة التوسع الصناعي العالمية بفضل قطاع الصناعة التحويلية الضخم بمقياس الدول المتقدمة.
اليابان من جانبها تخرج من دائرة سبع سنوات من الركود، حيث حدثت الشركات نفسها وارتفعت أرباحها، وقد تأتي مزيد من الإصلاحات مستقبلاً. الأسواق الصاعدة أعادت تصنيف نفسها بفضل السياسات الجاذبة للاستثمارات والمستثمرين وارتفاع أسعار السلع المستمر.
الوضع على عكس ذلك في أميركا، هناك مخاوف عديدة تحيط بالنظرة المتفائلة للمستقبل الاقتصادي، أحد هذه المخاوف هو احتمال ارتفاع معدل التضخم، رغم أن الأدلة غير كافية، إلا أنه قد يعود.
السبب الآخر للقلق هو العجز التجاري وعجز الحساب الجاري والميزانية التي بدأت تتحسن حتى جاء إعصار كاترينا الذي زاد توقع الإنفاق المحتمل من جانب الحكومة. العنصر الثالث هو عائدات الشركات، فالشركات الأميركية من بين أسرع الشركات في العالم نمواً في الأرباح تاريخياً وبالتالي قد تكون الأسرع عند السقوط.الأميركيون ذاتهم يفضلون الأسهم الأجنبية هذه الأيام وهو سبب آخر لانخفاض أسعار الأسهم الأميركية.
* أي مكان إلا أميركا
تؤكد تدفقات استثمارات صناديق الاستثمار اتجاه وزارة الخزانة لتحديث معلوماتها ويقول براد ديورام مدير أبحاث صناديق استثمار الأسواق الصاعدة وهي شركة تراقب صناديق استثمار تبلغ أصولها 3. 2 تريليون دولار إن صافي التدفقات إيجابي لمدة عام واحد حتى الآن، لكنه تدهور بشكل كبير فقد بلغ التدفق الاستثماري في أغسطس 9. 6 مليارات دولار.
وخرجت استثمارات قيمتها 2. 2 مليار دولار من أميركا منذ ذلك الحين. وفي الوقت ذاته فتحت صناديق الاستثمار في أميركا 5. 14 مليار دولار في العام الجاري في الأسواق الصاعدة و5. 14 ملياراً أخرى في صناديق عالمية و5. 5 مليارات في اليابان وعانت أوروبا من خروج الاستثمارات منها خلال العام الجاري.
وهناك مؤشران على المدى القصير غير متفائلين بشأن عودة الأسهم الأميركية إلى جاذبيتها. فقد رفع المحللون توقعاتهم بشأن العوائد مما جعل الشركات تبدو كأنها لا تحقق أهدافها، لأنها لم تصل إلى مستوى هذه التوقعات.
والمستثمرون عادة يغضبون لذلك. كما أن الشركات التي أوقفت توزيع أرباحها على المستثمرين ارتفع عددها في الشهر الماضي إلى 11 شركة مقابل متوسط شهري 3 شركات. وقد يكون هذا الاتجاه خطيراً برغم أن الشركات التي قامت بذلك قليلة. وتفيد الدراسات بأنه عندما تمنع الشركة توزيع الأرباح تنخفض عائدات أسهمها خلال الأثنى عشر شهرا التالية.
غير أن النظرة الأعم الأشمل أكثر تفاؤلاً. يعتقد غالبية المحللين أن النمو الاقتصادي الأميركي سوف يستمر في التفوق على أوروبا، وتتبع أسعار الأسهم القيم الحقيقية لها. واعتماد الدول الآسيوية على البترول المستورد والارتفاع القياسي المحتمل في أسعار السلع وبعض المخاطر السياسية في أميركا اللاتينية
ترجمة: أشرف رفيق