هل يمكن أن يتحول البشر إلى كائنات تعيش تحت الأرض؟ بل وتسافر من قارة إلى أخرى في أنفاق عميقة تمر تحت المحيطات والبحار؟ ماذا يحمل المستقبل للبشر؟ وهل يحتم العيش خارج كوكب الأرض، على القمر أو المريخ مثلاً اللذين هما من دون أجواء وبالتالي عرضة للأشعة الكونية وغيرها، العيش تحت الأرض؟ هل سنتحول مع الوقت إلى كائنات تعيش تحت الأرض مثل الخلد؟

هذه أسئلة طرحتها «علم وعالم» في تقريرها الصادر مؤخراً وقالت: فلمن يرغب بالذهاب من لندن إلى واشنطن ويخاف ركوب الطائرة أو سفينة «تايتانيك» ثانية، عليه الانتظار حتى العام 2009، حيث سيتاح له القيام برحلة على متن القطار المغناطيسي الأسرع في العالم، الذي تصل سرعته إلى 650 كلم في الساعة داخل نفق الأطلسي قاطعاً مسافة 5250 كلم عبر المحيط، في 8 ساعات ونصف! وبما أنه لن يكون هناك مجال لمقارنة نفق الأطلسي مع أي نفق آخر نتيجة تحطيمه لكل الأرقام القياسية بفارق كبير، فإنه سيستحق بالتأكيد لقب «النفق العابر للقارات»! لكن مهلاً، ربما يستحق لقب النفق الأول العابر للقارات إذا ما قارناه بالنفق الثاني العابر أيضاً للقارات.

ويبلغ طول النفق الثاني الذي سيصل القارة الإفريقية بالأوروبية نحو 39 كلم، وعمقه نحو 900 متر، وسيمر تحت البحر الأبيض المتوسط، فيربط بين اسبانيا والمغرب، واستوحيت فكرته من نفق بحر المانش، الذي يربط فرنسا ببريطانيا.الأنفاق ليست اكتشافاً حديثاً، إذ يعود استخدامها لنحو 4 آلاف عام. وكان الفراعنة أول من استعملها في حفر المناجم للبحث عن النحاس والذهب في الجبال المصرية.

وتشير الحفريات الأثرية في مدينة روما إلى أقدم نفق حفره الامبراطور أغسطس والذي استخدم لبنائه آلاف «العبيد» في القرن السادس ق. م. وقد هلك في النفق واسمه «كلواكا ماكسيما» مئات الأشخاص جراء تسرب الغازات السامة والحرارة الشديدة بسبب النار التي استخدمت لرفع حرارة الصخور وإلقاء المياه الباردة عليها لإحداث شقوق فيها ومن ثم تكسيرها.

* الأنفاق المائية

في هذه المرحلة ظهرت الأنفاق المائية التي تعمل على جر المياه من الجبال إلى المدن والقرى، وكذلك على تصريف مياه المدن المبتذلة خارجها. وقد كان الرومان أهم من قام بحفر مثل هذه الأنفاق. وتم اللجوء إلى الأنفاق في العصور الوسطى لإسقاط القلاع والمدن المحاصرة. وكانت الأنفاق وقتها تحفر بالمعاول والرفوش.

أما فكرة استخدام الدعامات لتغليف الأنفاق ومنع انهيارها فطورها المهندس الفرنسي مارك برونيل، فخلال قضائه لفترة عقوبة في السجن في العام 1823 قام بمراقبة الديدان التي كانت تحفر الخشب في زنزانته وتقوم بفرز مادة لاصقة وقاسية خلفها لتلافي انهيار وطمر القنوات المحفورة.

ولم تشهد عمليات حفر الخنادق استخدام أجهزة الثقب التي تعمل على الهواء المضغوط إلا بدءاً من العام 1866 مع نفق هوساك في ولاية ماساشوستس الأميركية. أما مواد «النيتروغليسرين» والـ TNT وغيرها فاستعملت للمرة الأولى في العام 1679.

وحديثاً يمكن تقسيم تاريخ بناء الأنفاق إلى مرحلتين رئيسيين. تمتد المرحلة الأولى من بدايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، حيث أدى اختراع السيارات والقطارات وتطور شبكة الطرقات والسكك الحديدية إلى حفر أنفاق أطول وأفضل من سابقاتها. أما المرحلة الثانية فتمتد من منتصف القرن العشرين إلى أيامنا هذه، وفيها تم ابتكار آلة حفر الأنفاق الضخمة التي فتحت الباب على مصراعيه أمام حفر الأنفاق تحت الجبال وتحت الماء وتحت المدن.

وتستطيع هذه الآلة التهام كل ما يقف أمامها من صخور وغيرها وفي سرعة قياسية تقارب 80 متراً في اليوم. وقد استخدمت هذه الآلة التي تزن 200 طن في حفر نفق لتصريف المياه الآسنة للمرة الأولى في العام 1957 في كندا.

ومع توسع شبكة الطرقات والسكك الحديدية وانخفاض المساحات الأرضية المتبقية في المدن المكتظة بدءاً من القرن التاسع عشر، ومع وجود عوائق طبيعية بين المدن والبلدان مثل الجبال والبحار، أصبحت الحياة فوق الأرض ضيقة ومزدحمة جداً.

من هنا كان الاتجاه إلى تحويل حركة السيارات والقطارات إلى المنفذ الوحيد المتبقي لها، وهو «الأنفاق». وتعتبر الأنفاق من أهم الحلول لمشاكل المرور من حيث التكلفة ولذلك لا بد من دراستها ضمن منظومة الحلول الكثيرة لهذه المشكلات على أن تراعي الآثار البيئية.

* خطوات بناء الأنفاق

لكي يتم بناء أي نفق في العالم، يجب القيام بثلاثة أمور رئيسة هي:

الحفر: يبدأ المهندسون أولاً بفحص الأرض أو التربة المنوي الحفر فيها، ولهذا يقومون بحفر حفر تجريبية ويحللون نماذج الصخور التي يجدونها فيها لتحديد آلية الحفر المناسبة. هذا وقد تعددت وتطورت أساليب الحفر عبر التاريخ، فبدأت كما ذكرنا بالنار من ثم بالأدوات اليدوية وبعده بالمواد المتفجرة مثل «النيتروغليسرين» والديناميت وغيرها.

التدعيم: يحتاج المهندسون أثناء تقدمهم في أعمال الحفر إلى تدعيم التربة من حولهم تباعاً، لتفادي خطر الانهيار الذي يهدد كل من يعمل في حفر الأنفاق. وتختلف الحاجة إلى مثل أعمال التدعيم هذه باختلاف نوعية الأرض التي يتم الحفر فيها. ففي الأنفاق ذات الأرض الضعيفة تكون الحاجة ماسة إلى أعمال تدعيم كبيرة، ولذلك يلجأ المهندسون في هذا النوع من التربة الضعيفة إلى ما يسمى بالدعامات وهي عبارة عن هياكل داخلية تؤمن دعم الجدران حول النفق وتمنع الانهيار.

وقد استعملت هذه التقنية للمرة الأولى في العام 1825 في حفر نفق التايمز في بريطانيا. أما في الأرض الصخرية فربما يحتاجون إلى بعض أعمال التدعيم، ولكن في أغلب الأحيان ليست هناك حاجة لتدعيم الجدران حول النفق، حيث يصار مباشرة إلى رش الإسمنت على هذه الجدران التي تكون في معظمها صخرية متماسكة فيزيد الإسمنت من تماسكها لتشكل اللب الداخلي للنفق.

الخطوط: بعد إتمام عمليتي الحفر والتدعيم، يصبح النفق طريقاً جديداً يربط بين نقطتين كانت تفصل بينهما حواجز طبيعية كبيرة. وهنا تأتي الخطوة الأخيرة في بناء النفق التي تشمل تحضير هذه الطريق الجديدة لتقوم بالمهمة التي صمم لأجلها النفق، وتكون بالإجمال إما طرقاً سريعة للسيارات فتعبد، أو سككاً حديدية للقطارات فتجهز لهذه الغاية.

ولا يخفى علينا طبعاً ما يستعمله المهندسون من تقنيات حديثة لتهوية النفق، وكذلك لمكافحة الخطر الأكبر في الأنفاق وهو الحرائق. فالحريق في مكان مغلق يبعد عشرات الكيلومترات (وربما المئات بل الآلاف مستقبلاً) عن مدخل النفق لطالما يشكل تحديا لرجال الإطفاء.

ولتجنب مثل هذه الكوارث، صمم النفق الذي يربط بين فرنسا وبريطانيا على قاعدة ثلاثة خطوط. اثنان رئيسيان للقطارات والثالث أصغر لأعمال الصيانة وليكون أيضاً منفذاً آمناً للناس في حال نشوب حرائق. وتم ربط كل من الخطين الرئيسيين بالخط الثالث على نقط تبعد الواحدة عن الأخرى كل مسافة 350 متراً.

* النفق الأطول في العالم

في عام 1934 كان بناء نفق بطول 40 كلم في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية كافياً ليبقى أطول نفق في العالم حتى سنة 1988 التي شهدت بناء نفق «سايكان» في اليابان بعد 13 سنة من العمل، وبلغ طوله نحو 54 كلم. وعلى الرغم من أن هذا النفق لا يزال الأطول في العالم حتى يومنا هذا، إلا ان نفق eurotunnel أو the chunnel كما يسمونه، هو الثاني من حيث الطول ولكنه الأشهر في العالم.

ويبلغ طوله حوالي 51 كلم وهو يحتفل بمرور عشر سنوات على افتتاحه الذي تم في سنة 1994 بحضور الملكة إليزابيث ملكة انجلترا والرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران.هذا في الحاضر، أما في المستقبل القريب وليس البعيد فإننا أمام قفزة نوعية لتحطيم الرقم القياسي لأطول نفق في العالم واجتيازه بكثير.

فعندما ينتهي العمل من نفق الأطلسي كما هو مقرر في سنة 2009 سيكون هذا النفق أطول نفق في العالم بجدارة، وذلك بطول حوالي 5250 كلم. ليس هذا فحسب، بل سيكون نفق الأطلسي أيضاً اعرض وأعمق نفق في العالم بالإضافة إلى كونه «أكبر بناء من صنع الإنسان» على وجه الكرة الأرضية.

* نفق أوروبا

المكان: يربط بين فرنسا وانجلترا

النوع: نفق مائي تحت بحر المانش

مدة العمل: 7 سنوات

تاريخ الانجاز: 1994

الطول: 51 كلم

متوسط العمق: 45 متراً تحت سطح البحر

عدد سكك الحديد بداخله: 3 (اثنتان رئيسيتان وواحدة للصيانة).

مدة الرحلة في القطار داخله: 35 دقيقة

عدد المسافرين خلاله: 7 ملايين راكب سنوياً

كمية التربة المحفورة: 4 ملايين متر مكعب استخدم معظمها لردم 000. 360 متر مربع من البحر

فريق العمل: واحد انجليزي وآخر فرنسي بدأ كل منهما بالحفر من جهته وتلاقوا في الوسط بهامش خطأ لم يتعد السنتيمترات القليلة، بفضل استخدام تقنية الـ Gps أو Global Positioning Systm الحراق.

* أين تبنى الأنفاق؟

مع تقدم التكنولوجيا المستعملة في الحفر، أصبح في الإمكان حفر الأنفاق في أماكن لم يجرؤ أحد على الحفر فيها من قبل، مثال تحت المدن المأهولة لإقامة شبكات المترو التي انتشت بكثرة في الآونة الأخيرة في كل مدن العالم الكبيرة. ومن أحدث هذه المشاريع ما تخطط له دولة الإمارات العربية المتحدة من إقامة «مترو الأنفاق» في إمارة دبي.

أما الحفر في الجبال، فقد أصبح شيئاً مألوفاً بوجود الـ tunnel boring machine.مثال، حفر نفق تحت جبال الألب الشهيرة. ولا يخلو هذا المشروع من الأخطار الكبيرة التي تهدد حياة العاملين فيه، وذلك بسبب تعاملهم مع واحدة من أقسى أنواع مع واحدة من أقسى أنواع البيئة الموجودة على الأرض. والعمل جار في هذا النفق الضخم الذي يبلغ طوله حوالي 90 كلم.

ويبقى النوع الأصعب من الأنفاق هو تحت الماء، فبالإضافة إلى كل المشاكل التي يجب حلها في الأنفاق الأرضية، تظهر المشكلة الأبرز في الحفر تحت الماء وهي في كيفية إبقاء المياه بعيدة ومعزولة كي لا تتسرب إلى النفق. ولحل هذه المشكلة استعملت قديماً غرف الحفر المضغوطة، أما اليوم وبفضل ظهور تقنية البناء مسبق الصنع، فقد تم اللجوء إلى التصنيع المسبق لأجزاء النفق التي تصب على اليابسة ثم تنزل في البحر لتتصل ببعضها البعض.

بعد مرور 9 سنوات على افتتاح نفق المانش، الذي يعبره الآلاف من المسافرين يومياً على عمق 46 متراً تحت قاع البحر فإن هذا المشروع لم ينته بعد، إذ انه جزء من مشروع عملاق يصل كبرى المدن الأوروبية، مثل لندن وباريس وبروكسل وكولونيا وأمستردام وغيرها بشبكة من القطارات فائقة السرعة.

وفي طول القارة الأوروبية وعرضها تتزايد مشاريع الطرق والقطارات طموحاً وهي المشاريع التي تعتمد بشكل أساسي على شق الأنفاق تحت سلاسل الجبال ووديان الأنهار وقيعان البحار ذات التشكيلات الجغرافية المتباينة.وتتزايد هذه الأنفاق في طولها وعرضها بفضل جيل جديد من آلات حفر الأنفاق التي أصبح بعضها يناهز ناطحات السحاب حجماً.

وفي أبريل من العام 2002، تم الانتهاء من تصنيع أكبر آلة حفر أنفاق حيث بلغ طولها 60 متراً ووزنها 2600 طن وقطر مثقابها 142 متراً ليتم تحميلها على باخرة وشحنها إلى روسيا، حيث تقوم الآن بحفر نفقين متوازيين للسيارات بطول كيلومترين ليكونا جزءاً من طريق دائري ثالث يطوق العاصمة موسكو.

كما تقوم هذه الآلة أيضاً واسمها «ترود» (وهي اختصار لعبارة عميقاً تحت الألب، بالألمانية) بحفر نفق رباعي تحت نهر الألب في مدينة هامبورغ بألمانيا.وهذه الآلة هي من إنتاج شركة هيرنيكينشت الألمانية وهي من كبرى الشركات الموردة لتقنيات حفر الأنفاق في أوروبا، ويتراوح قطر الأنفاق التي تحفرها آلاتها بين متر واحد و 142 متراً!.

والمثير في نفق هامبورغ هو أن المسافة بين النفق وقاع النهر لم تكن لتتجاوز في بعض النقاط 7 أمتار أي نصف قطر ترود. ولهذا كانت المراقبة الدقيقة للضغط في منطقة «الهز» أمراً بالغ الحيوية لتجنب انهيار قاع النهر. ومع ان طريق ترود كان يمر عبر مزيج من الحصى وكتل الغرانيت والرمال ورواسب النهر وخامات الميكا، إلا انها لم تقم بحفر الأنفاق الأربعة فحسب بل أنجزت عملية تبطين الأنفاق بطبقة من الأسمنت المسلح بالفولاذ سماكتها 70 سنتيمتراً أولاً بأول لمسافة 25 كلم.

وحينما برزت ترود على سطح الأرض، عند نهاية النفق، لم تكن قد انحرفت عن النقطة المستهدفة المحددة مسبقاً سوى بخطأ مقداره 75 ملليمترات.ويقول الدكتور اريك هيرنيكينشت، مدير الشركة المصنعة: «مع تطوير ترود، فتح أمامنا عصر جديد في عالم بناء الأنفاق. إذ ان القطر الضخم للنفق والتركيب شديد التعقيد للتربة والمرور تحت طبقة رقيقة من الأرض والضغط الكبير لعملية السحب، كل ذلك يجعل المتطلبات من الآلة ضخمة جداً...

وشأن آلات الحفر الضخمة فقد صمم الرأس الثاقب في ترود البالغ وزنه 380 طناً بحيث يمكن للعمال الدخول إلى جوفه من جوانب الحفارة وذلك لتفحص السطح الداخلي للنفق والمعدات التالفة مثل أسنان الحفر واستبدالها من داخل الآلة في ظروف ضغط جوي عادية. وفي هذا الوقت تقوم آلتان أخريان من طراز ترود بحفر مشروع هائل تحت جبال الألب السويسرية. فقد بدأت سويسرا ببناء قطارات جديدة عبر الألب سيكون الجزء الأسفر منه هو نفق سانت غوثارد.

دبي ـ «البيان»