هل يمكن للصين أن تنقل 400 مليون شخص إلى مدنها من دون التسبب بضرر بيئي؟ عندما قام المهندس المعماري والمصمم الصناعي الأميركي ويليام ماكدونو بزيارة قرية هوانغبايو المغبرة في الصين، كان في استقباله مع وفد الإداريين الأميركيين المرافقين له سكان القرية مصحوبين بجوقة وسجاد أحمر وأزهار اصطناعية حمراء قاموا بتثبيتها على طيات ستراتهم.
وقد أمر أحد مسؤولي المقاطعة القلقين الذي كان يرتدي قميصاً أزرق جديداً لا تزال طيات العلبة ظاهرة عليه، متطوعين برفع قوس قزح منفوخ كان بدأ بالارتخاء.سارة شيفر وآن أندروود كتبت في العدد من مجلة «نيوزويك» تقول: «غالباً ما تمر الوفود الأجنبية في البلدات الريفية، لكن ماكدونو ليس مثل ذوي النفوذ الآخرين الذين يريدون إلقاء نظرة على «الحياة العادية في الصين».
فهو ـ يعمل بالشراكة مع دينغ نان، ابنة دينغ هسياو بينغ ـ رئيس المركز الصيني الأميركي للتنمية المستديمة. وهو يعتزم تغيير الحياة ليس فقط في هوانغبايو، بل في مختلف أنحاء الصين أيضاً. وقد أعلن للحشد الفضولي: «نأمل أن تكونوا راضين عن جميع أعمالنا».
من المفترض أن تصبح هوانغبايو اختباراً للعيش المتوازن بيئياً، وماكدونو هو صاحب الرؤية الذي سيحقق ذلك، فقد كلف، مع فريق من الأميركيين والصينيين، بتحويل القرية إلى مثال للحياة السليمة بيئياً. بدأ الفريق بناء أول منزلين نموذجيين ويتوقع أن يبني زهاء 50 بيتاً إضافياً لإيواء 400 من عائلات البلدة بحلول نوفمبر.
إن سار كل شيء حسب المخطط، فستنتقل العائلات إلى وسط البلدة، بدلاً من أن تعيش متفرقة على هواها كما هي الآن، ما يزيد من حجم الأراضي الصالحة للزراعة.أقل ما يمكن قوله إن هذا الأمر سيكون صعباً. يستطيع فريق ماكدونو أن ينفق 500. 3 دولار فقط على كل بيت، لذلك يستعينون بالعمالة المحلية والمواد المحلية التي ستتحلل طبيعياً أو ستكون قابلة لإعادة الاستعمال بالكامل.
ومن أجل تفادي التلوث الناتج عن تسخين الآجر في الأفران، سوف تكون الجدران مصنوعة من كتل من الطين المضغوط. وبين الكتل سوف يوضع القش، وهو من مخلفات حصاد الأرز المحلي الذي كان سيذهب سدى. ويبلغ سمك الجدران نصف متر، وبالتالي، ستكون المنازل معزولة جيداً ولن تكون بحاجة إلى الكثير من التدفئة. وسوف توفر ألواحاً شمسية موضوعة على السطوح حاجة المنازل من الكهرباء والماء الساخن. يقول ماكدونو: «نحن نفعل كل شيء من لا شيء».
تعلق الصين آمالاً كبيرة على اختبار هوانغبايو، وكذلك العالم بأسره. وتدير بكين الآن ثورة اقتصادية، على أمل أن تنجز خلال بضعة عقود ما تطلب إنجازه في الدول الغربية قرناً أو اثنين. وتقضي الخطة بنقل 400 مليون شخص ـ أي نحو نصف عدد سكان الريف ـ إلى مراكز مدنية بحلول سنة 2030.
وسوف يتطلب إنجاز ذلك توسيع البلدات لتصبح مدناً وبناء مدن جديدة من الصفر. هذا يعني أيضاً ابتكار سياسات تربوية وأمنية واقتصادية من أجل تسهيل انتقال الجماهير من مجتمع زراعي إلى مجتمع حضري. كيفية معالجة الصين لهذا التغير ستكون بالغة التأثير على البيئة والاستقرار الاجتماعي في البلد، وعلى العالم بأسره.
سوف تكون اختبارات ماكدونو في قرية هوانغبايو وست مدن كبيرة أعظم تجربة صينية في مجال النمو المدروس بيئياً. إن سارت الأمور جيداً، قد يصبح أسلوبه في التصميم البيئي مثالاً تتبعه الصين في تنظيمها الحضري الجديد. يقول ني مايشينغ مدير رابطة الصناعة السكنية الصينية: «لقد أهدرت الصين 200 سنة حتى الآن. علينا أن نعوِّض ذلك».
من السابق لأوانه أن نجزم إن كانت الخطة ستنجح أم لا. لقد أكمل ماكدونو التصميمات لست مقاطعات في مدن مثل بكين وغوانغجو بالإضافة إلى قرية هوانغبايو، لكن عمله حتى الآن اقتصر على الحدائق العامة وقنوات المياه والطرقات. ويقضي الهدف أن يكون أول المواقع الحضرية جاهزاً للسكن في غضون بضع سنوات.
بالرغم من أن مشروعه حظي بتأييد القادة الصينيين ـ الرئيس هوو جينتاو يحب أن يقتبس تعبيرات من الترجمة الصينية لكتاب ماكدونو «من المهد إلى المهد»، فإن المشروع يعتمد على أموال تتولى جمعها الحكومات المحلية وبالتالي فإنها ليست مضمونة. وعلى ماكدونو أن يتخطى أولاً الآلاف من الحقائق القاسية للحياة في الصين التي قد تسبب انحراف رؤياه عن مسارها.
من المنطقي أن تتطلع الصين إلى ماكدونو من أجل رؤية للتخطيط المدني. فهو يظن أن المدن يمكن أن تكون أكثر فعالية بكثير إن بُنيت من الصفر على أسس بيئية بدلاً من أن تتكون شيئاً فشيئاً على مرّ الزمن. هذه الفكرة قد تكون غير عملية في معظم البلدان،لكنها قد تنجح في الصين حيث للحكومة الوسائل اللازمة لفرض مخططاتها على الشعب.
الكفاءة أيضاً أساسية من أجل إزالة أكبر عقبات الصين في طريقها إلى التحديث؛ ألا وهي حاجاتها للطاقة. وحسب البروفيسور يووان بين من جامعة بكين تسينغهوا للهندسة المعمارية، فإن الصينيين يستهلكون ثلاثة أضعاف الطاقة التي يستهلكها الأوروبيون أو الأميركيون من التدفئة أو تبريد متر مربع من البناء.
لقد باتت الصين ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة. بالرغم من أن 23 مليون صيني فقط يملكون سيارات، فإن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الصين تشكل 16 في المئة من المجموع العالمي، ومن المتوقع أن تتجاوز انبعاثات الصين إنتاج الولايات المتحدة من ثاني أكسيد الكربون خلال الـ 30 سنة المقبلة.
لو استهلك كل شخص في الصين مقداراً من الطاقة مثل أي أميركي عادي، لاستنفد الصينيون كل المخزون العالمي الحالي من النفط. يقول يوان بين: «لا يمكن للصين أن تستهلك الطاقة كما تفعل الولايات المتحدة لأن الصين تضم 3. 1 مليار نسمة».
إن أمكننا تلخيص طريقة ماكدونو في جملة واحدة، فهي ألا ندع شيئاً للقدر. ففي كل من المدن الست، يبدأ بدراسة معمّقة للأرض التي ستستثمر فيكتشف مجاري مياه الأمطار ومخازنها الجوفية وطرق هجرة الحيوانات وأنواع النباتات التي تنمو في مختلف المناطق.
كما يدرس الزوايا التي تصل من خلالها أشعة الشمس إلى الأرض وأنماط هبوب الرياح. من ثم يقوم برسم المتنزهات التي يتصل بعضها ببعض، حيث تتسنى للسكان فرصة المشي أو ركوب الدراجات من متنزه إلى آخر وحيث تستطيع الحيوانات أن تعيش من دون إزعاج. يلي ذلك تصميم البنى التحتية، بدءاً بزوايا الشوارع.
ويبنيها بزاوية 15 درجة من اتجاه الريح كي يحد من عصفها البارد في فصل الشتاء، ومن أجل المساعدة على إبقاء هواء المدينة نظيفاً. كما أن توجيهها وفقاً لشبكة مائلة بدلاً من شبكة شرقية غربية محددة يزيد إلى أقصى حدود كمية ضوء الشمس التي تصل إلى الشقق على مدار السنة.
ولضمان سهولة التواصل بين البيوت وأمكنة العمل، سوف تكون المدن خليطاً من المناطق السكنية والتجارية والصناعية، تحتل فيها المتاجر الطوابق الأرضية، فوقها تأتي المنازل، وعلى السطوح قطع أرض زراعية صغيرة. وسوف تربط جسور فوق الشوارع ما بين قطع الأرض الزراعية. وسيعيش المزارعون في الطوابق السفلية.
وسوف تتحقق الكفاءة في استخدام الطاقة من خلال استعمال مواد جديدة للبناء واستعمال شبكة كهرباء مواد جديدة للبناء واستعمال شبكة كهرباء قوامها الطاقة الشمسية. لقد بدأ ماكدونو بتطوير مادة من البوليستيرين تصنعها شركة «بي.إيه.إس.إف» خالية من غازات الكلوروفلوروكربون المضرة بطبقة الأوزون والتي تتمتع بمزايا عزل ممتازة. يقول: «يمكن تدفئة الأبنية وتبريدها لقاء ثمن زهيد جداً.
وسيخيِّم السكون عليها. لن تسمع جيرانك حتى ولو كان 13 شخصاً يقطنون في الطابق العلوي». كما انه يعمل على تطوير أحواض مراحيض زلقة لدرجة أنه يمكن تنظيفها برذاذ من الماء. وسوف تنقي مستنقعات قريبة مزروعة بالخيزران الفضلات، ومن ثم يحصد الخيزران ويستعمل كخشب.
يود ماكدونو أن تستخدم الألواح الشمسية من أجل مد المدن الصينية بالطاقة بشكل رئيسي. يقول إن للصين، بفضل حجمها، مؤهلات فريدة لاستخدام الطاقة الشمسية. ويضيف: «نحن لا نتكلم عن ألواح شمسية صغيرة تُوضع على السطوح. تخيّل أميالاً مربعة من الأراضي الهامشية مغطاة بها.
يمكن لذلك أن يخفض إلى حد كبير كلفة الحصول على الطاقة الشمسية. ونجد أن لكل وظيفة متعلقة بصناعة الألواح الشمسية، أربع وظائف تعنى بتركيبها وصيانتها».لقد طبقت أفكار ماكدونو بنجاح، ولو على نطاق أصغر، في الولايات المتحدة الأميركية.
فقد صمّم مشاريع خضراء لمجموعات ومؤسسات، بما فيها شركتا «غاب» و«فورد» إن سقف المقر العام لشركة غاب في ولاية كاليفورنيا مكسو بالنبات، كما أن أرضيته مرفوعة من أجل تحسين التبريد والتدفئة، والضوء يدخله بشكل جيد. ويستهلك هذا المبنى الطاقة بنسبة تقل 30 في المئة عن القيود المفروضة من قبل ولاية كاليفورنيا؛ وقد اختارته شركة «باسيفيك غاز آند إلكتريك» كثاني أفضل مبنى مقتصد للطاقة في الولاية.
في الصين، تخطت تصميمات ماكدونو الستة للمناطق المدنية المواصفات الحكومية؛ وثلاثة منها حظيت بإذن المباشرة بالعمل. وفي مقاطعة زيجيانغ دمج الفريق الشبكة المائية لمدينة نينغبو، ما كوّن مستنقعات تساهم في الحفاظ على مياه الأمطار، وتحمي الحياة الحيوانية والنباتية.
في جينان، يحاول ماكدونو وفريقه إزالة تلوث التربة الذي تسبب به مصنع لصنع الفولاذ، وبالقرب من شينغدو، في ولاية سيشوان، يحاولون الحفاظ على أرض تكسوها أشجار قديمة كانت ستقتلع من أجل إفساح المجال لبناء العمارات والطرقات. يقول ماكدونو: «نحن لا نزال في بداية المسار. أعطنا بضع سنوات إن أردت أن ترى النتيجة».
لقد شاركت الكثير من الشركات البارزة في المشروع. وتبرعت شركة «فيرمير مانوفاكتشورينغ» من ولاية آيوا الأميركية بمكبس كتل طينية لمصلحة هوانغبايو. كما وهبت شركة «هيوليت باكارد» أجهزة كمبيوتر للمدارس، وتبرعت شركة «بريتيش بيتروليوم» بلواقط للطاقة الشمسية، وترعى شركة «إنتل» طالبة الدكتوراه في علم الإنسان، شانون ماي، كي تتمكن من العيش في القرية النموذجية لمدة 14 شهراً.
وسوف تدرس ماي عادات السكان المحليين وتقدم تقريراً إلى إنتل مانحة إيّاها المعطيات اللازمة من أجل تطوير منتجات تلائم متطلبات سكان الريف الصيني. كما أنها ستعمل على إنهاء أطروحتها التي تتناول «عدم الانسجام بين ما يأمل الأميركيون تحقيقه هنا وما يجري فعلياً على الأرض». العالم بأسره ينتظر النتائج.
دبي ـ «البيان»

