يسجل الاقتصاد الصناعي في الأراضي الداخلية اليابانية طفرة في النمو لدرجة أنه يساهم في إخراج ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حالة الركود التي يعاني منها 15 سنة. وترتفع قيمة رؤوس الأموال الإقليمية في ظهير وسط اليابان والمطاعم المتخمة بالأمراض ترد الزائرين على أعقابهم، وفتحت شركات تيفاني وأرمان وكوتش متاجر لها في شوارع مدينة ناغويا اليابانية التي تشبه ديترويت الأميركية المزدحمة بمصانع السيارات وأفراد الحديد والصلب ومتاجر الآلات.

وقد لاحظت شركات التصنيع في ناغويا، كما تقول «وول ستريت جورنال» كيف يحققون النمو السريع الذي لم يحققه حزام راست بلت الأميركي حتى الآن. وتحاول بقية أجزاء اليابان حالياً استنباط الدروس من طفرة ناغويا، التي ساعدت في دعم إجمالي الناتج المحلي الياباني بنسبة 3. 3% خلال الربع الأول من العام المالي المنتهي في 30 يونيو الماضي.

ومحرك الاقتصاد في ناغويا هو المشروعات التي تقوم بها الدول المتقدمة الأخرى مثل صناعة السيارات والآلات والصلب والسيراميك والكيماويات، غير أن هذه الصناعات في ناغويا تزدهر في مواجهة منافسة الدول ذات العمالة الرخيصة.

وتتعاون الدول النامية مع شركات التصنيع التي تريد سحب السجادة من تحت أرجل اليابان، التي ترتفع فيها التكلفة الإنتاجية أكثر من أي دولة أخرى في آسيا. لكن شركات التصنيع في ناغويا أحبطت هذا التعاون من خلال مناورات تحاول بقية الشركات اليابانية الآن أن تتعلمها.

فقد نقلت شركات ناغويا إنتاج المنتجات النهائية إلى الخارج لكنها استمرت في إنتاج السلع المتقدمة المربحة في الداخل. ويرتفع الطب على هذه المنتجات التي تتراوح بين المحركات لسيارات الهجين إلى الآلات الذكية الدقيقة للاستخدام الصناعي. وتنفق ناغويا بسخاء على الأبحاث والتطوير من أجل الحفاظ على الميزة التنافسية.

وحاولت دول متقدمة أخرى اتباع هذا المنهج المزدوج في التصنيع ولم تحقق هذا النجاح، فقد وجدت الشركات الأميركية أنه من الصعب الاستثمار بهذا القدر في الأبحاث بسبب الضغط من أجل الحفاظ على عائدات مالية ربع سنوية مرتفعة، كما يقول الاقتصاديون.

وقد طلبت شركة دلفي أكبر مورد لقطع السيارات في أميركا مؤخراً الاحتماء بالفقرة رقم (11) من القانون الأميركي ضد الإفلاس. وتعتزم شركة تروي التي تدير مصانع في الصين إغلاق نسبة غير قليلة من مصانعها داخل أميركا.

وحتى الآن لا تستطيع الشركات في كوريا الجنوبية والصين تقليد التكنولوجيا الفائقة اليابانية. والحقيقية أن بعض شركات التصنيع الآسيوية تشتري الآلات المتقدمة من مصانع ناغويا. ويرجع ريتشارد جيرام الخبير الاقتصادي في شركة مكواري للأوراق المالية سبب نجاح ناغويا إلى الارتقاء على منحنى القيمة المضافة خاصة في مجالات مثل السيارات والآلات.

وتؤدي الطفرة الاقتصادية في ناغويا إلى ظهور أرقام في الاقتصاد الياباني لم تظهر منذ قبل 1995، عندما بدأت البورصة اليابانية تنحدر لفترة طويلة، ويتراجع النمو الاقتصادي لدرجة الزحف البطيء.وارتفعت الشحنات من ميناء ناغويا الأكثر زحاماً في اليابان حالياً، بنسبة 15% العام الماضي،

وارتفعت الأرباح بنسبة 71% بالنسبة للشركات المسجلة في بورصة ناغويا، التي تمثل حالياً نصف الفائض التجاري الياباني مع أميركا. ويتوفر في ناغويا 6. 1 وظيفة لكل من يسعى إلى العمل في ناغويا مما يضطر الشركات المحلية إلى توظيف مهاجرين من الصين والبرازيل.

* أسرار النجاح

يتحدث المستشارون التجاريون الآن عن الممارسات التجارية لمنطقة ناغويا في الندوات، وبدأت كتب عن هذا النجاح تتكدس في المكتبات.وقد كان التصنيع هو سر حياة ناغويا منذ القرن السابع عشر. فالإقليم الواقع بين طوكيو والعاصمة القديمة كيوتو في الجنوب كان يتميز طوال تاريخه بالصنعة والحرفة الجيدة. وتنافست قرى الإقليم منذ قرون على إنتاج دمى خشبية دقيقة جداً للمسرح، وهي تقاليد مستمرة حتى الآن.

وانطلقت الصناعة لإنتاج كل شيء من المشايات القش إلى المنسوجات. وكانت شركة تويوتا للسيارات حالياً إحدى الوحدات النسجية المنفصلة عن مجموعة في عام 1937. واستهدفت مقاتلات الحلفاء محافظة ناغويا في الحرب العالمية الثانية لأنها تنتج طائرات متسوبيشي المقاتلة.وتعتبر شركة تويوتا أحد أكبر المحركات الاقتصادية في ناغويا، وهي تبني حالياً مقراً جديداً أمام محطة قطار ناغويا فائق السرعة.

ويتجه آلاف المهندسين ومديري المصانع من أنحاء العالم لزيارة ناغويا ومشاهدة ما يحدث هناك. وشارك في المعرض الدولي لعام 2005 خارج ناغويا وفود من أنحاء أميركا والمكسيك ودول أخرى. وزارت جنيفر جانهولم محافظ ميشيجان المعرض برغم أن الكثيرين في أكيرا يلقون باللوم على شركة تويوتا تبني مصانع في أنحاء أميركا، وتريد ميشيجان أن يكون لها نصيب في ذلك. وقالت المحافظ «كان هدفي استيراد الوظائف».

ويتحدى نجاح ناغويا بعض الحكم القديمة التقليدية حول ما حلّ بالشركات اليابانية من سوء. فقد قال المستشارون الحكوميون وخبراء الاقتصاد من القطاع الخاص على السواء عندما أصاب الركود اقتصاد البلاد أن العادات التقليدية اليابانية مثل عدم تسريح العمالة وإرضاء المساهمين لم تعد تجدي في الوقت الحالي. وقال كتاب حكومي في عام 1998، إنه لابد من تغيير نظام الشركات اليابانية.

واهتمت شركات مثل نيسان للسيارات وسوني وتوشيبا بهذا الكتاب، وتخلت عن الترقيات حسب الأقدمية ووظفت مديرين في الخارج وأعضاء مجلس إدارة ليسوا من موظفي الشركة وغازلت المساهمين على غرار ما يحدث في الشركات الأميركية، الذي يكافئ الأداء الإداري أكثر من الأقدمية.

غير أن الكثير من شركات ناغويا قاومت هذه التغييرات والتزمت بالتقاليد اليابانية القديمة التي تقول باحترام الأقدمية وأن يحتفظ الموالون والتابعون والموردون بالأسهم والوظيفة أبدية بلا تسريع. ويدير الشركات مديرون يترقون من صفوف العاملين في الشركة. ويندر أن يكون هناك مديرون من خارج المؤسسات والمثال على ذلك شركة تويوتا التي لا يوجد بها مدير واحد في مجلس الإدارة من خارج الشركة برغم أنها تحصل على ثلثي أرباحها من مصانعها في أميركا.

وهناك ولاء كبير بين أبناء الشركة، فقد ظلت شركة يامازايك مازاك وهي من أكبر شركات الأدوات الميكانيكية في العالم تدار بمعرفة الأسرة التي أسستها منذ 86 عاماً. وابن مؤسس الشركة هو رئيسها وابنه هو مديرها، ويعدون الجيل الرابع لتولي إدارة الشركة.

وتمتلك الأسرة كل أسهم الشركة، ولم تفكر الشركة في تغيير هذا الوضع حتى خلال مواجهة بعض المشكلات مؤخراً. ويقول تيريوكي يامازاكي رئيس الشركة إن العاملين بها هم أكبر وأهم الأصول، فكيف يتخلى عنهم.وتنتج مصانع تويوتا سيارات كورولا وكامري في كل مصانع العالم، لكنها تنتج لكزس الفاخرة، وبيراس التي تعمل بالوقود والكهرباء، فقط داخل اليابان.

وقد اتجه كثير من الشركات اليابانية إلي الإقراض برهن عقارات لتشتريها من السيارات القديمة إلى عقارات في نيويورك، وتسبب ذلك في مشكلات عندما انفجرت فقاعة العقارات في مطلع التسعينات وتحوّلت الديون إلى معدومة.

وفي الوقت الذي عانت فيه ناغويا من الركود في مطلع التسعينات استعادت قوتها بسرعة، وقال أحد التنفيذيين إن أول الأسباب كان الإخلاص، فعندما بنت ناغويا مطاراً جديداً، انتهى قبل شهرين من الموعد المحدد بميزانية أقل من المرصودة بمقدار مليار دولار.

ترجمة: أشرف رفيق