ليست هناك معادلة واحدة للإيقاع بالضحايا في مجال العقار، فهناك ما يسمى نوادي الاستثمار العقاري، التي يتجمع فيها عدد محدود من المستثمرين تحت قيادة «خبير» يعدهم بالثراء السريع، وبينما هم يتحملون المخاطر يجني هو الأرباح. هناك ايضا شركات الانترنت التي توقع بالضحايا فرادى عن طريق إغرائهم بأحلام الثراء تارة بتقديم «كورسات» أو فصول دراسية لتعليمهم فن الاستثمار العقاري، وتارة أخرى بتقديم النصيحة بالمبادرة في الشراء في كل الأحوال.
من ناحية، تعتبر الدورات الدراسية وسيلة عقيمة لأن المعلومات المقدمة فيها متاحة بالمجان من مصادر أخرى، وأيضاً لان الاستنتاجات التي تقدم فيها خاطئة وقد تدفع لخسائر جسيمة. ومن ناحية أخرى، فإن الشراء في كل الأحوال خطأ جسيم لان أحوال السوق لا تثبت على حال وتوقيت الاستثمار قد يعني أحياناً الفارق بين المكسب والخسارة. بل ان بعض هذه الجهات كانت شركات تسويق مستترة تعمل لتسويق عقارات شركات معينة في مشاريع جديدة لقاء عمولة.
وبحسب تقرير لوكالة (جاما) فإن وزارة التجارة والصناعة البريطانية أغلقت في الأشهر الأخيرة العديد من هذه الشركات، وصفت أعمالها بأنها احتيالية وحذرت المستثمرين منها. وقال خبراء عقاريون ان الوقت قد حان لكي يعرف خبراء العقار الهواة ان لهذا المجال أيضاً أخطاره ولا بد من تحذير صغار المستثمرين من وعود الثراء السريع في مجال الاستثمار العقاري، فهي اخطر أحياناً من صفقات التايم شير.
* سقوط البورصات
أحد هؤلاء هو مارتن فلاشمان الذي يعمل في مجال العقار لأكثر من عشرين عاما. فهو يقول: ان مشكلة الاستثمار العقاري في بريطانيا وربما في دول أوروبية أخرى، بدأت في عام 2000 وبالتحديد بعد سقوط البورصات في هوجة الدوت كوم. فبين ليلة وضحاها تبخرت أحلام الثراء من أسهم الانترنت وانفجرت الفقاعة التي اعتقد البعض انها باقية إلى الابد،
وفقد الكثيرون أموالهم في شركات كانت شبه وهمية. بعدها فقد الناس ثقتهم في البورصة، وهي ثقة لم تعد كما كانت حتى وقتنا الحاضر. وتعلم الجميع درسا قيما وهو ان من يلعب في البورصة عليه ان يحتمل الخسارة الباهظة تماما كما يتمتع بالمكسب الكبير السهل.
* هرولة نحو العقار
سرعان ما تحول النظر إلى العقار كمصدر استثمار بديل أكثر أمانا واستقرارا. وبالتدريج تحول الاهتمام بالعقار إلى هرولة من الصعب إيقافها، خصوصا في مجال الشراء من اجل عرض العقارات للإيجار. ونمت نسبة المستثمرين من هذا النوع إلى خمسة بالمئة من حجم السوق زادت في الوقت الحاضر إلى ما بين 15 و20 بالمئة.
وتغيرت معالم السوق: التهبت الأسعار، وتراجعت القيم الايجارية بعد زيادة المعروض العقاري في السوق عن عدد المستأجرين القادرين على دفع الأجور الباهظة. وزاد من سوء الموقف اضطرار بعض هؤلاء لبيع عقاراتهم للتخلص من هموم القروض العقارية الباهظة وندرة وجود السكان، في معادلة تصبح خاسرة لو بقي العقار شاغرا لأكثر من شهر واحد كل عام.
الموقف الحالي كما يقول فلاشمان هو ان المعادلة تغيرت وتراجعت الأرباح المحتملة قليلا لغير صالح المستثمر غير الخبير. وفيما تراجعت القيم الايجارية وتقلصت هوامش الربح إلى درجة تغطية التكاليف بالكاد، فان أسعار العقارات البريطانية في معظم القطاعات أخذت هي الأخرى في التراجع.
وهذا الجانب اخطر على المستثمر العقاري لانه يعتمد في استثماره على المكسب من ارتفاع قيمة العقار أكثر مما يعتمد على القيمة الايجارية. وعندما تتراجع القيمة العقارية ولو مرحليا، فان المستثمر يفقد نسبة من رأس المال ويتحول العقار إلى بورصة من نوع آخر.
* وعود بالثراء السريع
في الأشهر الأخيرة أقبلت وزارة التجارة والصناعة البريطانية على إغلاق خمس شركات عقارية كانت تعد مساهميها بالثراء السريع. وكانت الفكرة الأساسية هي المشاركة بحصة عضوية في الأندية، وهي حصة تتراوح قيمتها بين 30 و50 ألف جنيه إسترليني مقابل المشاركة في شراء حصص عقارية في مشاريع جديدة. وكانت نقطة الإغراء الأساسية في هذه المشاريع ان عمليات الشراء تتم بتخفيضات سعرية تصل إلى نحو 20 بالمئة من قيمة العقارات الجديدة.
وسبب هذه التخفيضات، وهي حقيقية، ان مطوري العقار يستفيدون من البيع المبكر للعقار الذي مازال في طور البناء، وذلك لتخفيض المخاطر وتوفير نفقات التسويق وأيضاً لبيع شريحة كبيرة من العقارات دفعة واحدة بدلا من البيع المنفرد لكل وحدة على حدة.
ولكن نقطة الضعف القاتلة في هذه المشاريع، والتي لا يعرفها المستثمر إلا بعد فوات الأوان، هي ان شركات هذا القطاع المتزايد لا تخضع للرقابة ولا للتنظيم الحكومي مما يحرم المستثمر من اي تعويض في حالات سقوط أو إفلاس أي منها. وتحركت وزارة التجارة والصناعة البريطانية بسرعة قبل ان تحدث الكارثة ويفقد آلاف المستثمرين ملايين الجنيهات، وقامت بإغلاق الشركات التي اعتبرت انها تقدم ضمانات غير واقعية.
وكان الإغلاق من نصيب خمس شركات وعدت كل منها المستثمر بأن يتحول إلى مليونير عقاري في غضون 12 شهرا بشرط ان يدفع إلى هذه الشركات 50 ألف جنيه مقدما. بالطبع كان هناك من اقترض بضمان عقاره لكي يشترك مع هذه الشركات تحت بريق الوعود، ومعظمهم خسر أمواله ولم يصبح مليونيرا.
وهناك بعض الأندية التي مازالت تعمل بنجاح في بريطانيا، ومنها نادي »إنسايد تراك» الذي يسوق دورات تدريبية يتكلف حضورها نحو 2500 جنيه لكل شخصين، وهي تمد المستثمر بمعلومات حول كيفية المشاركة في مشاريع عقارية وشراء حصص منها بحسومات كبيرة، وفقا لمبدأ الشراء قبل البناء. وهي شركة ناجحة تقوم باستثمارات عقارية كبيرة يصل حجمها إلى 395 مليون جنيه، وزادت قيمتها بحوالي 80 مليون جنيه إضافية في آخر تقييم لها.
* جمع معلومات
والأساس في الاستثمار العقاري الجديد، لغير المتمرسين فيه، هو في جمع اكبر قدر من المعلومات وإجراء العمليات الحسابية للربح والخسارة قبل خوض التجربة. وعودة الى فلاشمان الذي يؤكد ان هناك بدائل أفضل لأندية الاستثمار العقاري،
سواء كانت على الانترنت او بالدعوة إلى قاعات الفنادق الفاخرة، وهي استشارة سمسار عقاري له معرفة بالمنطقة التي تقع فيها المشاريع الجديدة، فهو من ناحية محترف في مجاله ويستطيع ان يحصل على أيه حسومات يحصل عليها غيره. ومن ناحية أخرى يقدم خدماته للمشتري مجانا.
* نصائح
وهو يقدم مجموعة أخرى من النصائح لمستثمري العقار الجدد يمكن بها تجنب الوقوع ضحايا لأفكار براقة لا تفيد في العادة إلا أصحابها:
* إذا كنت تنوي الاقتراض بغرض شراء وحدات عقارية استثمارية فان الممول يفضل ان تكون مشاركة المستثمر نفسه في المخاطر حوالي 25 في المئة من إجمالي الاستثمار.
* الاقتراض بحجم كبير لا ينصح به في الاستثمار العقاري لان هذا يجبر المستثمر على فرض إيجارات باهظة قد تكون أعلى من منافسيه في السوق. كما ان بقاء العقار شاغرا لفترات طويلة يراكم الأعباء المالية على المستثمر لان أقساط الاقتراض لا تتوقف.
* هناك خطر آخر للاقتراض المكثف وهو السقوط في فخ »القيمة السلبية« في حالات تراجع السوق، بحيث تكون قيمة العقار كله أقل من قيمة القرض عليه.
* الاستثمار العقاري يحتاج إلى «وسادة مالية» تخفف من وقع الصدمات المتوقعة من تراجع السوق أو وجود العقارات شاغرة لفترات، بما يمكن المستثمر من الوفاء بالتزاماته مهما كانت الظروف. إن الاستثمار العقاري لا يزال احد أفضل أنواع الاستثمار واقلها خطرا، ولكنه يحتاج إلى بعض الجهد في التعرف على خباياه وتجنب مزالقه. وهو في المدى البعيد لا يزال أكثر أنواع الاستثمار استقرارا وأماناً. ومن يدخل هذا المجال وعينه على عام 2015 فلن يخسر، ولكن من يهرول وراء وعود الثراء بعد 12 شهرا، فالأنسب له ان يبحث عن لعبة أخرى.
* المشاريع الجديدة تقدم حسومات تصل إلى 20 في المئة لمن يشتري منها الوحدات بالجملة وقبل اكتمال البناء.
دبي ـ «البيان»
