بدأ المسلسل السوري «بقعة ضوء» في جزئه الخامس ناقصاً ومجتزئاً ومتأثراً بفقدان الممثل باسم ياخور الذي كان شريكا دائما لأيمن رضا في أكثر من عمل كوميدي، حتى شكلا ثنائيا ناجحا في مناسبات عدة، إلى أن ابتكر رضا فكرة «بقعة ضوء» على خطى سلسلة «مرايا» الشهيرة لياسر العظمة، مطورا في أسلوبها ومعتمداً على عنصر الشباب في التمثيل والإخراج، فنجح الجزء الأول وحلق الثاني خارج السرب فطغى على كل ما زامنه في العرض وشابهه في الأسلوب.

ولم يحد الظهور الثالث لـ «بقعة ضوء» عن اكتساب جماهيرية أمنها له الجزء الثاني سلفا، وأضاف إلى عناصره الفنان فارس الحلو الذي أكمل الضلع الثالث في مثلث الكوميديا السورية الجديدة، أو ما أطلق عليها البعض مصطلح «الكوميديا الشبابية»، وتخلى الثنائي باسم وأيمن هذه المرة عن عدد من العناصر الفاعلة، أبرزها الممثل بسام كوسا صاحب الأداء التمثيلي المتفرد، والذي كان سببا أساسيا في نجاح الجزء الثاني.

وقبل ظهور النسخة الرابعة في السنة الماضية احتدمت الخلافات بين رضا وياخور من حيث طريقة وأسلوب استمرار «بقعة ضوء»، وكان أيمن متأكدا أن المشروع لن يتواصل بوجود كليهما، فالسفينة تحتاج إلى ربان واحد، وكان باسم ياخور هو ذلك الربان الذي تسيد الجزء الرابع من بابه إلى محرابه، تاركا لرضا مشاركة رمزية في لوحة واحدة فقط.

لكن ياخور حاول سد الفراغ الذي تركه غياب شريكه أيمن، فحصن نفسه بالعودة إلى التعاون مع المخرج الليث حجو صاحب الإشراقات المتميزة في «بقعة ضوء» والنظرة الحديثة في معالجة اللوحات التمثيلية، واستعان من لبنان بالممثل عادل كرم نجم البرنامج الناقد «لا يمل».

وإن استطاع باسم ياخور تحقيق نجاح معقول، فإن «بقعة ضوء» فقد الشيء الكثير من بريقه وجماهيريته، وقلت الأفكار العظيمة والمعالجات النقدية الجيدة رغم جرأتها، وعلى ذلك فإن أحدا لم يتكهن ظهوراً جديداً لهذه السلسلة الكوميدية في رمضان الحالي،

فالخلافات كانت في أوجها والنزاعات أصبحت على أشدها، باسم رافض للرقابة الزائدة المفروضة على العمل، وأيمن يريد أن يكون صاحب الفكرة والقرار والتدخل حتى في اختيار الممثلين، وفارس الحلو حاول أن ينأى بنفسه كالعادة، بعيدا عن المهاترات والتصريحات الصحافية التي لا تحمل معنى.

لكن شركة الإنتاج «سورية الدولية» كان لها رأي آخر، فلا داعي للتفريط بسمعة مسلسل حصد الجماهيرية الواسعة، ولا معنى لإيقافه طالما أن تسويقه شبه مضمون ولو اختفت أسباب النجاح وعناصره.ظهر الجزء الخامس بعودة أيمن رضا كشريك في البطولة إلى جانب عبد المنعم عمايري وأمل عرفة ووائل رمضان، من دون أن يكون منفرداً بها كما الأجزاء السابقة، وتمت الاستعانة بمخرج متمرس بأعمال الكوميديا وصاحب سلسلة «النجوم» الشهيرة هو هشام شربتجي.

لكن المادة التمثيلية والمعالجة لها ظهرت بمستوى أقل في الحلقات التي عرضت حتى الآن، فسيطر الطابع الاجتماعي على الموضوعات المطروحة، وقلت جرعة النقد للأوضاع السياسية والاقتصادية التي تلف المجتمع السوري، وبدت بعض اللوحات بلا معنى أو مضمون، كتلك التي يلعب فيها وائل رمضان دور مدمن على مشروب الكولا ويفتعل المشاكل مع زوجته لتأخرها عن تزويده بهذا المشروب، إلى أن تنتهي اللوحة كما بدأت إدمان من وائل ومعارضة من زوجته.

وهناك لوحة بعنوان أيام زمان تشهد حوارية بين سليم صبري وعبد الهادي الصباغ عن الفارق بين الثوم والبصل وغيرها من الخضروات أيام زمان مقارنة مع الزمن الحالي، لتنتقل الحوارية بشكل اعتباطي لمحاولة التفريق بين رجال المخابرات في الزمن السابق وأمثالهم في الحاضر، إلى أن ينتهي المشهد باعتقال المتحدثين دليلا على أن سلطة الأمن مازالت قوية رغم تبدل الزمن.

وهناك العديد من اللوحات عبارة عن فلاشات قصيرة لا يلبث المرء التدقيق بفحواها حتى يفاجأ بانتهائها، وهي تشكل في الغالب نكتة بسيطة أو مقولة يريد الكاتب التعبير عنها بواسطة التلميح، كتلك اللوحة التي حملت عنوان الديناصورات وفحواها هو أن الديناصورات لم تنقرض من العالم بل يمكن للمرء رؤيتها في الأخبار اليومية عن الأحداث السياسية التي لا تخلو من سفاحين ومجرمين وربما ديناصورات.

«بقعة ضوء» في الجزء الخامس وفي الحلقات الأولى، بدا فاقدا الكثير من معايير النجاح التي اكتسبها في الأجزاء الماضية، حتى أن موهبة أيمن رضا التمثيلية المتفردة لم توظف بالشكل الملائم، حيث اقتصر تواجده في مشاهد قليلة تاركا الساحة لعبد المنعم عمايري ووائل رمضان، وقد نجح الأول في خلق حالة راقية من الكوميديا، وفشل الثاني في تثبيت قدميه كواحد من أعمدة فن الضحك، إذ دائما ما يحتاج إلى شريك قوي يحمل وإياه عبء المشهد.

«بقعة ضوء»، وكما قرر منتجه الاستمرار به لموسم جديد، كان جمهوره يأمل عبر جزئه الخامس، أن يسد الغياب الطارئ لنجم الكوميديا السورية الأول ياسر العظمة وسلسلته مرايا، لكن يبدو أن لا بديل حتى الآن يعوض غياب العظمة، كما لا بديل يعوض خسارة «بقعة ضوء» لباسم ياخور وأيمن رضا أحدهما أو كلاهما، ففي الليلة الظلماء دائما يفتقد البدر.

نائل العالم